الفن في العصور القديمة*

admin
مقالات
11 يونيو 202115 مشاهدة
الفن في العصور القديمة*
الفن في العصور القديمة*

إيرفين بانوفسكي

ترجمة:  سعيد بنكراد

يقارن “خطيب” شيشرون، وهو مديح شخصي يتخذ شكل كتابة عقدية ونظرية، الخطيب المثالي ب “فكرة” لا يمكن الوصول إليها في الواقع كما يعيشه كل الناس، بل يجب القيام بتمثيلها في الذهن وحده. ويقارنها أيضا مع موضوع تمثلات الفن التي، مثلها مثل الفكرة، لا يمكن الإمساك بها من خلال النظرة في كامل كمالها، فهي موجودة بالأحرى باعتبارها صورة ذهنية بسيطة موقعها الفعلي هو الفنان نفسه. ويؤكد شيشرون” أن لا وجود في أي مكان لشيء يمكن أن يكون أجمل من الأصلي، كما هو حال وجه ما في علاقته بنسخته في البورتريه. ذلك أن هذا الموضوع الجديد لا يمكن الإمساك به لا من خلال البصر ولا من خلال السمع ولا من خلال أي حاسة أخرى. فنحن، على العكس من ذلك، لا يمكننا التعرف عليه إلا في الذهن وفي الفكر فقط.

ولهذا السبب، كانت منحوتات فيدياس أتقن شيء يمكن أن يُعرض على الناس، وكذلك كانت اللوحات التي أشرت إليها، وبإمكاننا تصور أخرى أجمل من كل هذا. فعندما كان ذلك الفنان منهمكا في إبداع زيوس وأثينا، فإنه لم يكن يستحضر رجلا من عامة الناس، أي رجلا وُجد فعلا يمكن محاكاته، إنه كان يبحث عن الجمال في ذهنه. فهذا الجمال هو ما كان ينظر إليه، وفيه كان منغمسا ومنه استوحى نموذجا لفنه.

وبالطريقة نفسها التي تقترح علينا الفنون التشكيلية عبرها شيئا كاملا ورائعا، له نظيره الفكري وبه ترتبط الموضوعات التي ينتجها الفن، وهي موضوعات لا يمكن إدراكها في العيان العيني ( أي الكائنات الإلهية التي يجب تمثيلها)، يقوم الذهن أيضا بتأمل الشكل الكامل للفصاحة، فما نحيط به وندركه هو نسخته فقط. ويسمي أفلاطون، ذلك الأستاذ والمعلم الذي كان يربط قوة الفكر بقوة التعبير، أشكال الأشياء هاته ” أفكارا”. إنه ينكر أن تكون هذه الأشكال زائلة، ويؤكد أن لها وجودا أبديا ولا تستوطن سوى العقل والفكر. أما ما يتبقى منها، فإنه يظهر ويختفي، يمر ويتلاشى، وباختصار، إنه لا يعمر طويلا في الحالة الواحدة”.

بهذه الطريقة يقدم لنا الإلهام البلاغي ما يعود إلى الإبداع الفني ووظيفة المفهوم الإفلاطوني لــــ “الفكرة”؛ إنه في واقع الأمر يفند التصور الأفلاطوني للفن: الفنان هنا ليس هو ذاك المحاكي للعالم المحسوس في مظاهره المبتذلة والخادعة، وليس “جوهرا” ميتافيزيقيا، أي فاعلا خاضعا للمعايير السائدة، ويكون سعيه في نهاية الأمر بلا جدوى. إن الفنان، على العكس من ذلك، هو من يتضمن ذهنه نموذجا فاتنا للجمال يجب أن يوجه نحوه نظرته الداخلية، كما يفعل ذلك كل مبدع حقيقي. ورغم أن هذا النموذج الداخلي الكامل لا يتسرب كليا إلى العمل الفني لحظة الإبداع، فإن هذا العمل يجب أن يكشف عن جمال يُعد شيئا أكبر من مجرد نسخة لـــ”واقع” ساحر، رغم أنه يُدرك فقط من خلال حساسيتنا الخادعة، ومع ذلك فهو أكبر من مجرد انعكاس لـــ “حقيقة” لا يمكن إدراكها إلا من خلال العقل.

غير أن عملية قلب من هذا النوع للمفاهيم الأفلاطونية ( التي لم تتحقق إلا جزئيا ولأول مرة في فكر شيشرون) ليست ممكنة إلا بشرطين: أولا من الضروري أن تتخذ التصورات الخاصة بماهية الفن والخاصة ب “الفكرة”، معنى غير أفلاطوني، بل يكون مضادا للأفلاطونية. فالتقدير الذي حظي به الفن وبعد ذلك الفنان، ولو شكليا في البداية، سيتزايد تأثيره في الأوساط الهلينية والرومانية: حظي الفنان التشكيلي بذلك أولا، ثم بعد ذلك النحات ( الذي اعتبر الفكر الهليني في مرحلة ازدهاره عملَه الوسخ والشاق نشاطا من طبيعة نفعية )، لقد أصبحا من الشخصيات السامية الجديرة بالتقدير عند الآلهة. فإذا صدقنا بلين Pline ، فإن الفن التشكيلي سيُصنف ضمن الفنون اللبرالية ( وهو ما يعني أنه كان من حق الذين ولدوا أحرارا وحدهم). لقد بدأ الناس يحتفون بموهبة العارف بالفن والناقد ويُعلون من شأنهما. وبدأت الرغبة في الاحتفاظ باللوحات في الظهور، وساهمت ليبرالية الأغنياء والأمراء في الرفع من مصداقية الفنون. وإذا كان أفلاطون قد استبعد “الفنون المحاكاتية”من المدينة باسم الحقيقة، فإن فيلوسترات كانت له نظرة أخرى. فلنستمع إلى ما تقوله مقدمة ” الصور” – وكان نظره ذاك في توافق كلي مع صيغة مشهورة لـــ ليونار دافيتشي-: “من لا يحب الفنون التشكيلية، يسيء إلى الحقيقة، ويسيئ إلى المعرفة أيضا“. تُفيد هذه العبارة أنه في المرحلة التي أُعيد فيها تقييم وضع الفنون، كان هناك أيضا تقويم داخلي للفن. وتكشف أيضا أن ما كان أفلاطون ينكره أو ما كان يعتبر الوصول إليه يقتضي التضحية بالحرية وبالأصالة الفنية، أصبح شيئا فشيئا كونيا، ما يتعلق باستقلاية الفن في علاقته بالمظاهر ونقصان الواقع.

إن فكر العصور القديمة، رغم أنها كانت تجعل الفن موضوعا لتأملها، فإنها ربطت منذ البداية ( كما ستفعل النهضة بعد ذلك) بسذاجة كبيرة ثيمتين متقابلتين: من جهة نُظر إلى العمل الفني باعتبار يوجد في قلب الطبيعة، وذلك لأنه لا يقوم سوى بمحاكاتها إلى حد الإيهام في حالاته القصوى. ومن جهة ثانية نُظر إلى الفن باعتباره أعلى من الطبيعة، وذلك لأنه في اعتماده عيوب أشكال الإنتاج المفردة، يضع في مقابلها صورة لجمال جديد. وعلى هامش الحكايات الصغيرة، وهي مصدر لكل الأقاويل التي نسجت حول عناقيد العنب التي كانت العصافير تحط على رسومها، أو حول اللوحات التي تمثل لجياد تصهل الجياد الحقيقية عند رؤيتها، وحول الستار الذي عندما رُسم أوهم الرسام نفسه بواقعيته، وعلى هامش الإيبيغرامات الكثيرة لبقرة ميرون Myron  التي كانت تشبه إلى درجة التطابق بقرة واقعية، إلى جانب كل ذلك يجب أن نعترف أن أعمال بوليكليت قد منحت المظهر الإنساني ” جمالا أجمل من الطبيعة”. وبالمقابل كان هناك حط من شأن فنان ك ديميتريوس الذي ذهب بعيدا في الإخلاص للطبيعة، ولكن هناك أيضا الكثير من المقاطع في الأدب الشعري التي كانت تحتفي بالجمال الإنساني الخارق بمقارنته بالجمال الممثل في اللوحات التشكيلية أو المنحوتات.

وقد كان سقراط يعتقد أن التشكيل هو مجرد “نسخة من الأشياء المرئية”، وقادر في الوقت ذاته” في غياب إنسان يكون “جسده” كاملا، على تمثيل جسد يكون مظهره جميلا، وذلك من خلال الجمع بين الكثير من الأجساد وانتقاء أجمل ما في كل واحد منها. وقد كان الناس، خاصة في عصر النهضة، يحكون بصدد زوكسيس ذاته الذي كان يرسم عناقيد العنب التي كانت توهم العصافير بحقيقتها، الحكاية التالية: عندما قرر رسم هيلينا، استعان بخمس عذارى من أجمل ما يكون في مدينة كروتون، وذلك من أجل التقاط أجمل مظهر في كل واحدة منهن. ولم يكن هناك إلى حدود الفترة التي عاش فيها أفلاطون، “عدو الفن”، من قارن نموذج مدينته الفاضلة التي لا يمكن العثور على مثيل لها في الواقع، بعمل فنان يكون قد اقترح في لوحته “إبدالا” للإنسان الجميل، ونُظر إليه باعتباره رساما ماهرا، لا لشيء إلا لأنه بدا عاجزا على تحديد الشروط التي بدا له فيها الجمال الكامل.

وقد صاغ أرسطو بأسلوبه المقتضب بصدد ذلك حدسا مركزيا: ” إن اختلاف العظماء عن عامة الناس هو ذاته الاختلاف الذي يفصل الجميلين عن الدميمن، ويفصل بين ما هو مرسوم وبين ما يأتي مباشرة من الطبيعة. يعود هذا الفرق إلى كوننا نجمع، في هذه الحالة، في شيء واحد ما تفرق على الكثير من الأشياء”.

وعلى هذا الأساس، وعلى الرغم من تمسكه القوي بمقولة المحاكاة، فإن فكر العصور اليونانية القديمة لم يكن غريبا عن التصور الذي يجعل من الفنان منافسا للطبيعة لا مستنسخا بسيطا لها، إنه يقوم بكل استقلالية بتصحيح نقصانها من خلال سلطته الإبداعية الحرة. وفي الوقت الذي كان يجري فيه التحول المتسارع من الحدس إلى المفهوم، وهو تحول ميز تطور الفلسفة في المرحلة الهلينية، ساد الاقتناع القائل بأن الفن عندما يصل أوجه يمكن أن يتحرر كليا من النموذج المحسوس ويتحرر أيضا من الانطباع التي يحدثه الواقع المدرك( فلنتذكر فقط التأويلات المجازية التي قدمتها الخطب الرواقية عن الأساطير).

والحال أن ما يحدد المصطلح الأخير في هذا المدار الثاني الذي كان الفكر الهليني يتطور داخله هو تلك العبارات التي قالها ديون كريسوستوم وكانت تستحضر زيوس وفيدياس، ولم يكن ذلك مجرد مصادفة. يقول مثلا في خطابه الأولمبي: ” المعتوه نفسه لا يمكن أن يتولد عنده الإحساس أن زيوس الذي رسمه فيدياس في الأولمب، يشبه كائنا فانيا في حجمه وجماله”. وهو المعنى ذاته الذي نستنتجه من تصريح لفولوسترات لانسيان. فعن سؤال ساخر لمصري إن كان فيدياس أو الفنانون الآخرون قد ذهبوا إلى السماء من أجل تأمل الآلهة في لوحاتهم، فقد أجاب بهذه الاستعارة التي وضعها على لسان أبولينيوس دو تاين: ” إن المخيلة هي التي خلقت هذه الآلهة، وهي أكثر فنية من المحاكاة،  ذلك أن المحاكاة تمثل ما هو مرئي، أما التخيل فيمثل ما لا يُرى”.

ها نحن نصل إلى النقطة التي تجعلنا ندرك معنى التماهي الذي يخلقه شيشرون بين الفكرة الإفلاطونية وبين ” التمثيل الفني” الموجود داخل ذهن الرسام أو النحات. فإذا كان نقد الفن قد وصل إلى رفع موضوع الإنتاج الفني من شرطه الأول، شرط واقع خارجي ومدرك، إلى مصاف تمثيل داخلي وذهني، فإن الفلسفة من جهتها قد أصبحت هي أيضا قادرة على العودة بمبدأ المعرفة من شرطه الماهوي، إلى مجرد مفهوم.

—–

*-Erwin Panofsky : Idea,éd Gallimard,1989,pp.27-34