تاريخ الفن التجريدي*

مقالات
41
0

 

 

دورا فاليي

ترجمة : سعيد بنكراد

يُعد الفن التشكيلي ظاهرة، ولم يكن أبدا مجرد موجة عابرة. لذلك كان تطوره، على امتداد خمسين سنة، هو تطور ظاهرة اخترقتها منذ بداياتها الأولى، مجموعة من التيارات. لقد كانت تختفي في محيطنا لتظهر من جديد على فترات متباعدة، وتوسع بعد ذلك مداها، ولكنها ظلت، مع ذلك، غامضة. وبإمكاننا التمييز بين مجموعة من المراحل في سيرورة تطور الفن التجريدي: تمتد المرحلة الأولى من سنة 1910 إلى 1920، وكانت تلك هي مرحلة التأسيس، وقد تميزت بحيوية إبداعية مدهشة. وجاءت بعدها مرحلة أخرى، هي الفاصلة بين 1920 و 1930، وانصب فيها الاهتمام على ممارسة الأشكال المجردة. حدث ذلك أولا في المعمار والبناء والفنون الغرافية. لقد كان ذلك علامة على نهاية ما قدمه ديكور 1900 وإعلانا عن ظهور ما سيُطلق عليه أسلوب القرن العشرين. وستتسع بعد ذلك، في الثلاثينيات من القرن الماضي، دائرة الفن التشكيلي. لقد بدأ الكثير من الفنانين في كل ربوع أوروبا يميلون إلى التجريد. ولكن هذه المرحلة مثلت مع ذلك، من الناحية الجمالية، نكوصا في تاريخ الفن التجريدي أيضا. لقد استنفد الشكل التجريدي كل ممكناته، وانزلق نحو نوع من النزعة الأكاديمية.

وفي سنة 1939، عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، بدا الفن التجريدي وكأنه فقد كل قوته الإبداعية. وسيستعيد بعد ذلك كامل قوته، وكان ذلك سنة 1945. وفي هذه المرحلة ستدخل الولايات المتحدة الأمريكية إلى الأحداث. وسيتطور، في سنوات الخمسينيات في العالم كله، الجزء الأكبر من إبداعية الفن تحت مظلة التجريد. وهنا سيتجلى جانب الالتباس في هذه الظاهرة. لقد كان الكثير من الفنانين، الذين كنا نعتقد أنهم ينتمون إلى التجريد، تصويريين في حقيقة أعمالهم. فقد كان من الممكن ألا نُمسك فيها بأشكال محددة قابلة للمعاينة، ولكنهم كانوا في قرارة أنفسهم يصورون الواقع.

فما طبيعة هذا الواقع الذي كان يبدو تجريديا دون أن يكون كذلك. سنوضح ذلك لاحقا. نكتفي هنا بالقول إن تأثير الفن التجريدي كان قويا إلى درجة أنه استحوذ كليا على الفن التصويري وحوله من الداخل. وبما أن هذه الممارسة مازالت متواصلة ( وهي مقلقة، لأنها كانت تشوش على المنطق)، فإن أبعادها الحقيقية ودور الفن التجريدي لن يكشف عنهما سوى المستقبل. أما بالنسبة إلينا، فإننا نستطيع فقط استخراج خطوطه العريضة. فإذا كنا لا نتمتع بالمسافة الضرورية لكي نحكم بوضوح على المحصلة الراهنة، فإن أفقنا، على العكس من ذلك، يتسع كلما توغلنا في بداياته الأولى.

تخضع الصفحات الآتية لهذا المنظور الذي يفرضه علينا الزمن. فهذه الجذور الأولى للتجريد تتخذ شكل هرم، إن جازت العبارة، تسير القاعدة في اتجاه الماضي، أما القمة فتتوجه نحول الحاضر.

يمكن رد الأصول الأولى للتجريد إلى أعمال كاندينسكي، لا لأنه يُعد من الناحية الكرونولوجية أول من تبنى رؤية تجريدية كانت تعبيرا عن فعل واع، لا مجرد دافع عرضي فحسب، ولكن أيضا وأساسا لأنه هو، من بين كل رواد الفن التجريدي، من لم يلتفت إلى التكعيبية أبدا. وهكذا، فإن انبثاق الشكل مازال يحتفظ في أعماله على نقاء مثالي. لقد كان كاندينسكي يراهن على اللون باعتباره وسيلة تعبيرية تامة، وسيلة قادرة على احتضان شحنة انفعالية مكتفية بذاتها، إنها تستجيب لوثبة روحية، وهي روحية تكاد تكون من طبيعة صوفية. إننا نعثر في موقفه على صدى لــ” الجميل الصوفي” العزيز على قلب غوغان وكل الرمزيين، وإن كان ذلك بشكل غير مباشر. وقد يكون ذلك أيضا أثرا نابعا من التموجات الخالصة للسمة الموجودة في حالة مرتخية في الفن الجديد، وعند نابيس Nabis في المقام الأول، وسيتحول ذلك إلى توتر وقوة ناهضة عند كاندينسكي. إنه توتر اليد التي تدفع اللون إلى الخروج من نفسه. ذلك أن مضمون اللوحة التجريدية عند كاندينسكي، وخاصة في بداياته الأولى، يكمن أساسا في اللون باعتباره تعبيرا عن “ضرورة داخلية” فقد كان يرى فيه أساس كل فن.

إن مصدر المهمة التي يوكلها كاندينسكي للون هو تطوره ذاته. ذلك أن وضع اللون باعتباره أداة تشكيلية قد تغير كثيرا في ظرف عقود قليلة. وقد كان ماني Manet سباقا إلى وضع حد للانتقال التدريجي من لون إلى آخر، وركز على بناء اللوحة من خلال لمسات يوزعها على المساحة المرسومة، وتكون متضادة وغير متوقعة. وسرعان ما أصبح هذا الموقف صدى لسؤال غوغان: “من أين يبدأ إنجاز لوحة ما ؟ وأين ينتهي”. ومن خلال هذا السؤال دُحض الطابع ” المنتهي” للوحة”. لم يعد للطلاء الإضافي الأكاديمي من مبرر للوجود ( قد يكون ذاك حال الفوتوغرافيا أيضا). أما وجود اللون، وهو وجود نسبي كان بودلير قد أحس به عندما عرفه بأنه “مطابقة بين إيقاعين”، فإنه سيُثَبت بجعل نسبيته الخاصة قوة، أي مبدأ جدليا. إن ما يحكم الرؤية الانطباعية هو القانون البصري للألوان، قانون التضاد الآني. ولكن ليس هناك شك في أن اللون إن تعاملنا معه بهذه الصفة، فإنه سيكون معطى تجريديا مفصولا عن الإيقاع المحلي( وعن الواقع في المحصلة) لكي نسلمه إلى التأمل. وعندما تساءل غوغان، هو المتمرد والمتعجل، ما المعادل الملون للنور، فإنه أجاب: ” إنه اللون الخالص”- لم يكن يفصل النزعة الفوفيفية للقيام بذلك سوى خطوة. فهذه القوة الكبيرة للون هي التي كانت تحرك كاندينسكي، كما يعبر عن ذلك هو نفسه عندما انخرط في التجريد.

وعندما كان اللون ( مع اللمسة) يتحرر من التشخيص ليُصبح قيمة في ذاته، كان البناء، أي تصور الحجم والخط، يتغير هو أيضا بفضل سورات وسيزان. لقد تم تدعيم الشكل وانتصب ضد الهشاشة في لوحتيهما. لم يعد صورة للحظة قابلة للتمدد إلى ما لا نهاية. لقد أصبح الثابت الذي يدرجه الفنان ضمن المتغير. ينتقل الفنان من العرضي إلى المطلق، ومن الملموس إلى المجرد، من الموضوع إلى هندسته. لقد لاحقت التكعيبية سيزان.

وهكذا سيقود الشكل مباشرة إلى الفن التجريدي. لم يرفض التكعيبيون الواقع، ولكنهم أخضعوا أشكالهم للتحليل، عوض التمسك بها حرفيا؛ وما يمنح التركيب مظهرا تجريديا هو التحليل ذاته الذي بدأ يتعمق شيئا فشيئا من لوحة إلى أخرى. لقد كان الموضوع في التكعيبية هو المهيمن، وبعد ذلك بدأ التحليل يُصبح تدريجا هو الأساس. وقام براك  Braque وبيكاسو Picasso، وفي المرحلة الأخيرة للتكعيبية، بين سنة 1912و1913، بتأليف لكل المعطيات الناتجة عن تحليل الأشكال. ومع ذلك ظل العالم الخارجي حاضرا في أعمالهما.

والحال إذا كانت التكعيبية مدعوة إلى تجاوز مرحلة أخرى، فإن موندريان  Mondrian انطلق من آخر حلقة للتأليف الذي وصلت إليه وهذب سماته إلى حد الوصول إلى تركيب تجريدي. وتبنى ماليفيتش Malévitch بدوره إرث التكعيبية، وإن كان قد قام بذلك بطريقة أقل نسقية، ولكنها شبيهة به.

وسيكشف الفن التجريدي ما بين 1910 و1916 عن فضل التطور السابق للون والشكل. لقد حاول كاندينسكي في هذه المرحلة إعطاء أسس للفن التجريدي من خلال عقلنة سلوك الشكل، مقتنعا أنه يمكن أن يصل إلى المطلق. ولكن ماليفيتش أسقط بقفزة واحدة، بفضل التخيل، النقطة القصوى لهذه السيرورة المزدوجة للعقلنة، وذلك عندما رسم سنة 1918 مربعه الأبيض الشهير على خلفية بيضاء. لا يمكن للشكل المطلق واللون المطلق أن يكونا سوى غاية التشكيل. لقد كان الأمر يتعلق برسالة مقلقة كانت تبعاتها تكبر مع مرور السنين. ذلك أن تطور الفن التجريدي سيصل إلى الكشف عن حدود العقلاني الذي كان إيذانا، بشكل تناقضي، عن مجيء اللاعقلاني داخل التجريدي نفسه. ففي هذه المرحلة الثانية سيظهر الفن التجريدي الذي نعاينه منذ نهاية الحرب.

كان التجريد الهندسي إذاً يطمح في لحظة أولى إلى الوصول إلى مطلق عقلاني. وكان استعمال” الضابط الخطي”* يستهوي الفنان، وكانت الزاوية المستقيمة تتملك النحات. فهذا وذاك كانا يقومان بجهد أقصى من أجل نسيان الحساسية الخاصة للوصول إلى تعبير كوني. ولأنه بقي في حدود العقلاني، فإن هذا النوع من الفن التجريدي كان ميالا إلى فرض نفسه بطريقة حصرية على الذهن، كما لو أنه وحده ما يمثل التجريد، مع أنه لم يكن سوى مرحلة، كانت الأولى، حتى وإن كانت تتمتع بامتدادات لاحقة، عندما تجاوز الفن التجريدي مرحلة اللاعقلاني. ولكن التعريفات ضاعت، في هذه المرحلة الثانية في التجريد، وأصبح كل وضوح مثمرا. وقد حاول الناس إقناع أنفسهم إن حذف الفكرة المسبقة عن الأشياء مشروط بحذف الذات، وتبعا لذلك، وُضع التجريد الهندسي وغير الهندسي جنبا إلى جنب وراء المظاهر، وهو ما عمق اختلافهما. لم يعد من الممكن رد اللاعقلاني إلى العقلاني. اللاعقلاني ومصدره اللاشعور.

وبمجرد ما نثير القول حول قضية اللاشعور في عالم الفن، فإن التفكير في السريالية يكون حاضرا. وقد يعود ذلك دون شك، إلى أن السريالية ارتبطت به من ذاتها وهي تستوحي حرفيا نظريات فرويد. والحال أن الفن التجريدي، لم يعبأ بهذه النظريات. فغياب كل اهتمام أدبي عنده والأولية التي يمنحها إلى الشكل، والتقابل الصريح في الثلاثينيات بين السريالية والفن التجريدي كل هذا دفع إلى الفصل بين التجريد واللاشعور. أو بصيغة أخرى عدم الربط بينهما.