فضاء التيه : لوحة لعبد الحفيظ مديوني

مقالات
331
0

 

سعيد بنگراد

لا يحيل العمل الفني على الجميل في النفس والوجود فحسب، بل يحيل أيضا على “حقيقة” سامية، وهي حقيقة تُبنى بطريقة حسية في الأشياء التي تستوطن الألوان والأشكال، ومن منبتها ذاك تنتشر في “قصة” كونية بطلها الكائن البشري، إنها قصة الشرط الإنساني ذاته؛ قصة تروي قلق الإنسان وخوفه وفرحه ورغبته في الانصهار في عالم منه جاء وإليه يعود. فاللوحة، من خلال عُدتها التشكيلية، هي محاولة لاستعادة ما ضيعه الإنسان وهو يحتفي بمفاهيم خرساء هي التي خلَّصت العين من إسار الطبيعة ووجهتها إلى إنتاج نصوص تسكن أفعالا هي ما مكَّن الإنسان من تقطيع المدرك البصري استنادا إلى أحكام دلالية مسبقة.

وضمن حالات الانصهار هاته تندرج لوحة عبد الحفيظ مديوني (1) المثبتة أعلاه، ففيها يقوم بتشخيص عوالم مجردة تتخذ من “بنية الإنسان” مادتها الأساس. إنها لا تقدم نظيرا كاملا لكائنات من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، بل تكتفي برسم أشكال حرة تتحرك داخلها كائنات يُوكَل أمر إعادة بنائها إلى العين التي ترى. لذلك لا يستعيد المشاهد هذه البنية كما يمكن أن تتحقق في وجوه مألوفة لديه، بل يفعل ذلك استنادا إلى ما يمكن أن تستثيره فيه من انفعالات هي مجموع ما يمكن أن يحس به إنسان محكوم بالحياة ومنذور للموت في الوقت ذاته. إنه الانتقال من العالم المغلق في النفس وفي الذهن، إلى اللامتناهي في الوجود، وذاك ما يحيل عليه الشفق الذي يذهب بالعين إلى أقصى نقطة في مدى لا نعرف منتهاه.

وهو ما يعني ألا أهمية في هذه الوجوه المفترضة للتذكير والتأنيث والتفاوت في الأعمار والانتماءات الجغرافية. فالأساسي هو “البنية المألوفة”، فهي مصدر الظلال الرمزية المسربة إلى وجود إنساني يتحدد في ما يجسد حشودا ” تائهة” أو “ضالة”. بعبارة أخرى، لا تحيلنا هذه الوجوه المفترضة على كائنات تأكل وتشرب وتمشي في الأسواق، بل تحتفي بالقلق والخوف والرغبة والحلم: إن اللوحة تُصفي وجود الإنسان وتبعث به إلى أرض هي أصله ومنبته، وإلى سماء هي رغبته الجامحة في أن يكون أكثر من أنا. وبذلك، لا تقترح اللوحة على العين معنى، إنها تكتفي باستثارة انفعالات تنتشر في الأشكال والألوان.

وهذا معناه أن الإنسان يتشكل داخل هذه اللوحة من خطاطة عامة هي حاصل سلسلة من اللطخات والنقاط والخطوط الحرة يغمرها جميعها لون بُني يميل إلى السواد تارة حين يستثير في النفس حالات الموت المحتملة، وينحو نحو البنفسجي الغامق حين يستوطن الشمس احتفاء بالحياة. وتلك وسيلة اللوحة من أجل خلق توازن أو تقابل بين ما يمكن أن يقوله الأمل في العين، وبين ما يمكن أن يسير بها إلى كآبة تشمل كل شيء في الوجود.

يتعلق الأمر بألوان تحيل على تراب الأرض وخصبها وعطائها الدائم، ولكنها تشير أيضا إلى الكآبة والحزن والأفول القدري. هناك حركة في اللوحة تراها العين وتنظم نظرتها وفق إيقاعها، فانطلاقا منها تتحدد مصائر كل الكائنات داخل اللوحة وخارجها. ذلك أن الكائنات المرسومة في اللوحة تتحرك، افتراضيا، (الاستهراب الأفقي)، إنها تسير نحو قدر أو مصير أو نحو اختيار حر. قد يكون أملا يلوح من بعيد، وقد يكون غروبا أيضا، أي الفناء الذي لا راد لقضائه. إنها من خلال ذلك تشير إلى مصير واحد يشمل الإنسانية كلها، ومصدر هذه الوحدة هو تلاشي الملامح وغيابها.

إن القصد في اللوحة ليس رغبة في الحديث عن كائن مفرد، بل هو تصوير لشرط إنساني هو ذاته في الأرض كلها. يضيع المحكي في اللوحة وينصهر في صفات هي ما يحافظ على الإرسالية الرمزية بعد ضياع القصة الحاملة لها. فكل القصص تنصهر في قصة واحدة هي قصة الإنسان فوق البسيطة. إن العودة بالإنسان إلى خطاطته العامة هي عودة إلى مصير واحد. يتخلص الفرد في اللوحة من قصته ليصبح جزءا من قصة تخص الفصيلة كلها.

وبذلك تميل اللوحة إلى تخليص الإنسان من وجوده، إنها تخلصه من تفاصيل حياته لكي تعود به إلى شرطه الأصلي: كائن فان آت من سراب وذاهب إلى سراب، ومن خلال هذا السراب يتسلل إلى العين الكد والعناء والخوف من الموت والفرح بالحياة. إنها لا تقدم لنا إنسانا مرئيا في “صورة” هي معادل لما ترى العين، ولا تعرض على العين أشباحا أيضا، فالأشباح تكون في الذاكرة محرومة من نفَس الحياة، إنها إحالة على عدم أو على ظلال موتى. إنها حشود تبلعها المدن الكبيرة والصغيرة، أو هي الشعب الضائع في الصحراء كما تشير إلى ذلك الأساطير.

إن اللوحة، على العكس من ذلك، تتسامى على النفعي في حياة الناس لكي تحتفي بالثابت في وجودهم، أي بالقلق الوجودي الذي يستولي على الروح ويسافر بها في فضاءات مصفاة، إنها خالية من كل إحالة مرجعية عدا الإحالة على الشرط الإنساني، على حياة لا أحد استُشير في أمرها. بعبارة أخرى، لا تُحيل الوجوه المفترضة على نفسها، بل على معناها في الذاكرة. وهذا المعنى ذاته لا يتجسد في واقعة محددة، وإنما يستوطن أحلاما أو استيهامات هي الروح التي ضاعت في تفاصيل عيش عابر في ذاكرة عابرة في الوجود.

إن الانفعال ينتشر في اللوحة عموديا وأفقيا، فهو تارة الاندفاع إلى أمام قد يكون توقا أو يكون انقيادا لقدر لا راد له، إنه الذهاب إلى النهاية أو محاولة للإمساك بالحلم البازغ مع شمس تشرق أو الانفلات من قدر يضيع في غروب الشمس. وهو تارة أخرى تأمل في الكون، إنه استقامة وانتصاب تستحضر العين من خلالهما ما يوحي بالثبات في الوجود. ذلك أن الشمس في اللوحة وفي العين هي نقطة الاستهراب النهائي، ما تسير نحوه كل الخطوط، وهو أيضا ما يستوعب طاقة اللون ويحولها إلى نور تمتزج فيه كل المصائر.

هناك نفَس غريب يأتينا من كل وجه، فالوجه المرسوم في اللوحة ليس سوى وجه لوجه آخر ضمن تفاصيل تنتشر في الوظائف والأدوار وحاجات التناسل والتوالد عند كل الناس. إن الوجه هنا ليس جزءا من جسد، بل هو بوابة إلى النفس التي لا يمكن أن تتجلى إلا إذا أزاحت الظاهر فيه. فالمرئي في العين غلاف تختفي وراءه المشاعر والأحاسيس التي لا تقود خطيا إلى مآل بعينه بل تنتشر في فضاء اللوحة لتستوعب كل الانفعالات الممكنة. وهذا ما يفسر طبيعة الفضاء في اللوحة. إنه مشبع، لا وجود لفراغات في اللوحة يمكن أن تشكل مهربا ممكنا، إن الإنسان محاصر بقدره.

——

1-عبد الحفيظ مديوني فنان وروائي وقاص من مدينة بركان، ولأنه يعيش في الهامش، فإنه لم ينل حقه من الشهرة والاحتفاء والتكريم.