العمل الفني والمعرفة*

admin
مقالات
14 يونيو 202140 مشاهدة
العمل الفني والمعرفة*
العمل الفني والمعرفة*

 

بياتريس لونوار

ترجمة : سعيد بنكراد

ما المساحات التي يغطيها النشاط الفني ؟ يُسنَد إلى العباقرة عادة الحدس والإلهام والرؤيا؛ ويوصفون باعتبارهم أناسا يتمتعون بقدرة كبيرة على الإمساك المباشر بالعالم، أما غيرهم فيصلون إلى ذلك من خلال المفاهيم. فهل هذا مجرد وهم كما يرى ذلك نيتشه؟ ” يمنح الناس لهؤلاء امتلاك رؤية مباشرة لماهية العالم شبيهة بثقب في معطف الظاهر، وهذا هو مصدر الاعتقاد أنهم قادرون، دون جهد علمي وبفضل رؤى إلهية، على بلوغ شيء نهائي وحاسم حول العالم والإنسان”. أم علينا، على العكس من ذلك، الاعتراف بوجود معرفة خاصة تختلف عن المعرفة المنطقية أو المفهومية؟

كيفما كان الموقف الذي يمكن أن نتبناه، فإن الجواب يقتضي بلورة نظرية خاصة بالملكات التي تتمتع بها الذات، فهي التي تحدد الموضوعات التي تتطابق معها، وكذا العلاقات القائمة بينها. ذلك أن العمل الفني يوجد في الحدود الفاصلة بين الكثير من الأنظمة: إنه ينتمي بداهة إلى المحسوس، ولكنه وثيق الصلة أيضا بالعقلي، ففي داخله تثوي دلالة يجب الإمساك بها. وهكذا، علينا أن نحدد طبيعة الحساسية: هل هي تابعة للعقل أم على العكس من ذلك مستقلة عنه؟ إن وضع العقلي هو أيضا جزء من عوالمها: فإذا كانت الحساسية ملكة مستقلة للمعرفة، فهل هذا يعني أنها تعرف ما يعرفه العقلي بالدرجة نفسها، أم أن العقلي لا يصل إلى بعض المناطق التي تكون من اختصاص الحساسية؟ وتزداد المشكلة تعقيدا بالقول إن الحساسية تُغطي الانطباعات والأحاسيس. علينا في جميع الحالات أن نحدد وظيفة كل مفهوم من هذه المفاهيم.

تتجاوز هذه القضايا حدود الإطار الذي يُصنف ضمن نظرية العمل الفني باعتباره نتاج عبقرية، كما هو كل فكر خاص بالفن. ولكنها تجد، مع ذلك، داخل ميدان الفن حقلا مميزا للدراسة: ففي هذا الميدان يمكن أن نطرح بحدة قضية العلاقات الموجودة بين المعرفة والإنجاز. فهل المعرفة مستقلة عن الإنجاز، وفي هذه الحالة، لن يكون العمل الفني سوى تعبير عن معرفة سابقة على وجوده، أم أن الإنجاز، على العكس من ذلك، يأتي بمعرفة مضافة ؟ بعبارة أخرى، هل يجب الاعتراف أن العمل الفني يقوم بدور مخصوص وضروري في تطور المعرفة؟

إذ اعتبرنا المعرفة المحسوسة أقل درجة من المعرفة الفكرية، كما يفعل ذلك أفلوطين، كان بإمكاننا إنكار هذا الدور على العمل الفني. قد يكشف هذا العمل في التصور الأفلوطيني، عن ماهية فكرية، ولكنه يقوم بذلك بطريقة تُقلل من الوضوح والجمال. وهكذا، فإن العمل الفني له وضع مفارق: له وضع حسن، لأنه يقدم صورة عن العقلي لكل الذين لا يستطيعون التأمل الفكري، وله وضع سيء، ذلك أن الصورة التي يقدمها ليست سوى صورة تقريبية، وهي بذلك مشوشة على الماهية. فالانتقال إلى ماهية العمل الفني ( إنجازه) يمنح الذين لا يستطيعون الوصول إلى الفكري شيئا يجب معرفته. وستكون هذه المعرفة تبعا لذلك غامضة وملتبسة.

ورغم غموضها والتباسها هذا، فإننا قادرون على التعرف عليها وتثمينها. هناك، حسب أفلوطين دائما، روابط بين أدنى درجة في المعرفة ( الحساسية) وبين درجتها العليا ( ما يأتي من العقل). ومن الممكن، تبعا لذلك، الانتقال من هاته إلى تلك: فإذا كان العمل الفني لا يمثل لحظة ضرورية في المعرفة، فإنه يسمح لنا، مع ذلك، بالكشف عن الشيء الذي لم يكن بإمكاننا التفكير فيه دون مساعدته. لا يمكن فصل المتعة التي يقدمها العمل الفني، في هذه النظرية، عن المتعة العقلية الخالصة.

وقد يمضي البعض، بالإحالة  على أرسطو، إلى حد خلق نوع من التماهي بينهما. وتلك حالة كتاب “الفن الشعري” لبوالو، الذي كُتب في القرن السابع عشر. ففيه يضع الفنَّ في خدمة العقل، ذلك أن الشاعر يتخلص ويقصي كل ما لا يتلاءم مع العقل، كيفما كانت الصعوبات التي يواجهها:” عليكم أن تحبوا العقل: وأن تستعير كتاباتكم موضوعاتها دائما منه، ومنه تستمد رونقها وقيمتها، فكل شيء يجب أن يسير إلى الحس السليم، ولكن من أجل الوصول إلى ذلك، فإن الأرضية زلقة وشاقة، فإذا انزحنا عنها فإننا سنغرق. فليس للعقل لكي يسير سوى سبيل واحد”.

والحال أن هذا السبيل الذي يسلكه العقل هو ذاته السبيل الذي يقود إليه الرضا المحسوس:” إن البيت الأكثر امتلاء، والفكر الأكثر نبلا لا يمكن أن يروقا الذهن إذا كانت الأذن معطوبة”. إن متعة الحساسية معطاة وفق هذه الرؤية باعتبارها شرطا ضروريا لممارسة العقل الذي لا يتمتع بأي استقلالية عن الحساسية.

ويمكن أن نرد هذه الفكرة إلى وهم يتميز به هواة الفن، كما يسعى أفلاطون إلى تبيين ذلك. تُثبت نظرته، بطريقة مناقضة كليا للتصورات السابقة، ضرورة التمييز بين رضا العقل ( معرفة الحقيقة) ورضا الحساسية. لا يُقصي هذا التمييز، في اللحظة الأولى، أن يكون التصوران متطابقين في بعض الحالات: فالانضباط المطلوب من الموسيقيين والشعراء يقود إلى انتقاء الأعمال التي تستثير الرغبة الخاصة بإنجاز الخير ( الجموهورية 3). ومع ذلك يظل هذا السؤال مطروحا رغم قيمة هذا الجواب: هل يمكن أن يتطابق رضا الحساسية مع الحقيقة. نحن نعرف أن أفلاطون ينتهي في الجمهورية إلى الجواب بأن هذا التطابق بين نوعي الرضا ليس سوى وهم ناتج عن الخلط الذي يقوم به الذين ينظرون إلى رضا الحساسية باعتباره حقيقة.

إن الرغبة في جعل الحساسية وسيطا لا يقاوم عمل الفكر له في نهاية الأمر تبعات على الغاية المنشودة: يصبح إرضاء الحساسية الغاية الأساسية من التمثيل، وسيكون العقل خاضعا لها. فكيف يمكن إذاً الاستمرار في القول بأن العمل الفني يكشف عن معرفة؟ ألا يجب بالأحرى التخلي عن الرغبة في فهم العمل استنادا إلى هذه الحدود وتأويل الأثر الذي تستثيره فيينا بطريقة مغايرة؟

فعلى خلاف كل الأجسام الأخرى، يتلقى جسدنا ويقوم بأفعال تكشف عنها الحساسية. إنها تكشف عن الأحاسيس التي تضاعف داخليا من الحساسية، وتكشف عن الطابع الرائع أو غير الرائع لهذه الأفعال، وذلك من خلال الفرح أو الألم، حسب ما  إذا كانت تحفز جسدنا، أو على العكس من ذلك، تؤذيه. يمكننا هذا التعريف المختصر من إيجاد أسس تحليل للعمل الفني يأخذ بعين الاعتبار تنافر الحساسية مع العقل، ويرفض، تبعا لذلك، تفسير العمل برده إلى المعرفة. فعوض محاولة البحث في العمل الفني عن تمثيل أفكار أو مفاهيم، علينا، على العكس من ذلك، السعي إلى دراسة الأحاسيس والمشاعر التي تستثيرها، وذلك وفق نمط من التحليل يكون متطابقا مع مبدأ أمبيريقي يمكن أن نطلق عليه فسيولوجي.

وذاك هو السبيل الذي اتبعه إدموند بورك، وهو فيلسوف إنجليزي من القرن الثامن عشر في  كتابه: “بحث حول أصل أفكارنا وحول الجميل”. إن مصدر كل الأفكار التي يثيرها العمل الفني ( أو تثيرها الطبيعة) في تصوره يعود إلى نشاط خاصيات الأجسام التي تؤثر بشكل ميكانيكي على الجسد الإنساني. ففي هذه الأنشطة يجب البحث عن أصل فكرة الجمال خاصة. ومع ذلك، فإن بورك يحرص، في هذا المستوى من دراسته، إلى تعداد للخصائص ( صغر، حنان الخ) دون الدخول في تحليل كمي. وهذا ما قام به، في هذا المستوى بالضبط، سنوات قبله الملحن رامو، وذلك وفق ما إذا كان يجب فهم الموسيقى بطريقة فسيولوجية خالصة، كما هو الحال مع الأثر الذي تنتجه على الأذن علاقات رقمية بين أصوات أولية.

سيكون بالإمكان، وفق كل تصور من هذه التصورات، الانتقال من الحساسيات إلى الأفكار التي تنتجها. ومع ذلك لا يمكن القبول بطبيعة سيرورة هذا التوليد. فكيف نبرر وجود اختيار حساسية ما ونجعلها نقطة بداية؟ ولماذا يجب الانتقال منها، لا من الأحاسيس أو من الأفكار ؟ وما الذي يبيح لنا تأكيد وجود استمرارية تامة بين الانطباعات الفسيولوجية وعالم الأفكار والأحاسيس؟ ألا يمكن بالأحرى التمييز بين الحدين؟ تُبين الانتقادات العنيفة التي وجهها جان جاك روسو إلى نظرية رامو Rameau أن الأجوبة التي قُدمت عن هذه القضايا لم تكن مقنعة. فروسو يُعَرف العمل الفني باعتباره التعبير الأسمى عن أهواء وانفعالات ينقلها الفن، كما يمكن أن تُنقل عبر اللغة أيضا. وسيكون من المستحيل في تصوره، فهم الأثر الذي ينتجه العمل الفني انطلاقا من انطباعات فسيولوجية خالصة. فصوت معزول يمكن أن يكون جميلا في ذاته، ولكن الموسيقى ليست جميلة لأنها تجميع لكل الأصوات الجميلة. فما يُكون الجمال شيء آخر:” إن جمال الأصوات هو من الطبيعة وأثرها فسيولوجي خالص، إنها حاصل جزيئات متنوعة يفرزها الجسم الصائت ومن خلال كل مكوناته، ربما إلى ما لا نهاية. فالمجموع يعطي إحساسا رائقا. فجميع من هم في هذا الكون يستمتعون بالأصوات الجميلة، ولكن إذا لم يكن وراء هذا الاستمتاع لحن ميلودي مألوف لديهم، فإنه لن يكون ممتعا، ولن يغير من طعمها. فقد تصل أجمل الأغاني بشكل سيء إلى أذن لم تتعود عليها. يتعلق الأمر بلسان يجب أن نكون على اطلاع على قاموسه.(…) فما دمنا لا نريد أن نعتبر الأصوات إلا من خلال الدوي الذي تحدثه في آذاننا، فإننا لن نضع اليد على المبادئ الحقيقية للموسيقى، ولن ندرك سلطتها على القلوب.لا تؤثر فينا الأصوات في الميلوديا باعتبارها صوتا فقط، بل تقوم بذلك باعتباره علامات دالة على عواطفنا وأحاسيسنا” ( حول أصل اللغات).

ومع ذلك، لا يمكن أن نبقى في حدود هذا التقابل بين النظريتين، إحداهما تنظر إلى العمل الفني من خلال حدود فسيولوجية، والأخرى تنظر إليه من خلال حدود سيكولوجية، مادام العمل الفني يُنظر إليه باعتباره تعبيرا عن تموجات الروح؟ ألا يمكن الاعتراف في الحالتين معا بوجود خطة مشابهة تميل إلى استخار حد على حساب الحدود الأخرى، دون أن يكون هناك في التجربة الفنية ما يبرر حقيقة هذا الاختيار؟ كيف نفسر على إثر ذلك الأولوية التي تُعطى للحساسية أو، أكثر من ذلك، إلى الأحاسيس أو الأفكار، والحال أن لا حد من هذه الحدود يمكن أن يتجلى بشكل واضح في التجربة الجمالية؟ ألا يكون هذا الغموض، فضلا عن ذلك، وضدا عليه، هو ما يميز العمل الفني؟

وهذا ما يؤكده بومغارتن Baumgarten ، وهو يعرف التخصص الذي كان هو أول من أطلق عليه ” الجماليات” باعتباره دراسة للمعرفة الحسية. وكان يقصد بهذا الحد شيئا آخر غير ما كانت تشير إليه النظريات السابقة: فالمعرفة الحسية في تصوره معرفة مستقلة، إنها تتقابل مع المعرفة القائمة على المفاهيم. ففي حين يقوم العقل بتفكيك الموضوع من خلال تحليله، تُحافظ الحساسية على وحدته وفرادته. فإذا كانت الحساسية في تصور بومغارتن هي معرفة دنيا في علاقتها بالمعرفة المفهومية، فإن هذه التراتبية يمكن قلبها انطلاقا من نظرية هو من أقام دعائمها.

تستند هذه النظرية إلى فكرة تقول إن الحساسية تهتم بمجال مخصوص في الوجود. وهذا المجال، الموجود بطبيعته خارج العقل، لا يوجد فقط، بل قد تكون له أهمية أكبر مما يمكن أن تقوله عنه لغة التحليل. وهو في جميع الحالات الموتيف المعتمد باستمرار في النظريات الرومانسية التي ترى في الحياة أو الجمال المحسوس كشفا عن الحقيقة. يتقابل هذا الكشف المباشر والخصب مع عقم البناءات المنطقية. يُؤخذ على التأمل المفهومي بأنه يفصل الذات عن العالم، ويوحد ما يجب أن يُمسك به في فرادته الواقعية، واستخلاص ما يجب أن يظل ملموسا. إن النضال ضد ضياع العالم هذا لا يقتضي منا التخلي عن الملكات الفكرية. يجب، العكس من ذلك، في هذا المنظور، تقوية حضوره وذلك من خلال ربطه بالملكات الأخرى، عوض البحث عن فصله عنها. لا يمكن الكشف عن العالم إلا من خلال إحاطة شاملة تحتضن كل الملكات دون أن تكون هناك أي تراتبية بينها.

—–

*- Beatrice lenoir :L’œuvre d’art, éd Flammarion,1991,pp.25-31