آليات الكتابة السردية

ترجمات
32
0

 

 

تقديم

سعيد بنگراد

 

 

في سن الخمسين وبعد رحلة طويلة قاربت الثلاثين سنة في شعاب البحث السميائي، بدأ إيكو كتابة الرواية.لم يُطَلِّق السميائيات، ولم يتخل عن البحث في حياة العلامات، ولكنه آثر أن يمنح ” البحث” نفسا حكائيا تمْثُل من خلاله المفاهيم في الذهن من خلال وضعيات إنسانية تتغذى من العوالم الممكنة باعتبارها بناء ثقافيا يستمد مضامينه من التجربة الواقعية ومما تأتي به عوالم المتخيل. يتعلق الأمر بالتوسط الذي يقوم به الزمن، فمن خلاله يتحقق الفصل بين اللاحق والسابق، ويُدرك المدى المحسوس الذي يفصل بين الحالات باعتباره كميات زمنية تُصرَّف في الفعل ومن خلاله.

لقد جاء إلى الرواية مثخنا بجراح السميائيات، وبجراح سنوات عمر يجري دون توقف. فكانت رواياته مزيجا من التأمل الصوفي والرؤية الحكائية الطويلة النفس والرصد الاستكشافي لحياة العلامات، كما يمكن أن تتحقق في المسارات السردية المتنوعة، وفي كل أشكال التشخيص التي تمنح الزمن وجها ومظهرا. فالسرد، في نهاية الأمر وبدايته، هو احتفاء بالزمن، إنه محاولة لتلمس آثاره على الذات والأشياء. وربما تكون سن الخمسين وحدها كافية لتفسير ذلك.

صدرت روايته الأولى ” اسم الوردة” سنة 1980 . ونالت هذه الرواية شهرة فاقت كل تصور، وأثارت حولها نقاشات وصلت حد اتهامه بسرقة فكرتها. ولكن ذلك لم ينل من قيمتها، فترجمت إلى لغات متعددة، لتتحول في نهاية الأمر إلى فيلم أخرجه للسينما المخرج الفرنسي الكير جان جاك آنو ، نال بدوره شهرة كبيرة، وعرض في أكبر القاعات السينمائية في أوروبا بأكملها. وربما لم تحظ أية رواية بما حظيت به ” اسم الوردة” من النقد والتتبع والتأمل، بل إن المؤلف نفسه يخصها، في هذه النصوص التي نقدمها القارئ العربي، بعناية خاصة.

وستثبت التجارب اللاحقة قدرته على الخلق الروائي وباعه الطويل في ميدان السرد. فقد تتالت بعد ذلك رواياته. فكتب سنة 1988 روايته الثانية ” بندول فوكو “، وعرفت هي الأخرى انتشارا كبيرا وسحب منها مئات الآلاف من النسخ. وهو ما دفعه إل كتابة رواية ثالثة سنة 1994 حملت اسم ” جزيرة اليوم السابق”، عرفت هي الأخرى انتشارا واسعا. أما روايته الرابعة ” باودولينو” فقد ظهرت سنة  2002. ليعاود التجربة في رواية خامسة عنوانها شعلة الملكة لونة الغامضة” وقد صدرت سنة 2004 ، وهي رواية تتميز  بطابع خاص: إنها تشتمل على صور توضيحية. ولا ذكر لهذه الرواية في النصوص النقدية التي يتضمنها هذا الكتاب لأنها صدرت بعد كتابة هذه النصوص.

لا تكتفي هذه الروايات بوصف عالم، أو بنائه، كما يحلو لإيكو أن يعبر عن ذلك، وهو يتحدث عن النشاط السردي باعتباره تصريفا مشخصا لكميات زمنية لا يمكن إدراكها إلا من خلال” الحكي” في تصور ريكور، إنها تجاهد لكي تجعل من الفعل السردي رؤية شاملة تستوعب داخلها مناطق تتجاوز الموصوف الحدثي المباشر من خلال فعل الشخصيات وقولها وردود أفعالها، لكي تحول العالم إلى فرجة معرفية تعشش في الأوصاف والأفعال والإحالات الضمنية وتقدير المواقف. إنها ” فرصة فنية ” تستثمر من أجل خلق حالة تلاقح بين نصوص من مجالات شتى.

وهذه الخاصية هي التي قادته، في مناسبات عدة، إلى الحديث عن السيرورة الإبداعية التي لا يدرك سرها أحد عدا المؤلف الذي يبني عوالم في الخفاء لا يرى منها القارئ سوى المتحقق بشكل صريح أو ضمني داخل الشكل الروائي ومضامينه. وهي المناسبة التي يكشف فيها إيكو عن ” الصنعة” الفنية التي تتطلبها كتابة رواية ما، لا كما يتصورها روائي فحسب، بل أيضا كما يمكن أن يعيشها سميائي حرفته البحث في ذاكرات العلامات عما لا يراه الآخرون. فقد تسلل، من خلال فعل السرد وتقنياته، ومن خلال طريقته في تصريف الزمن، من دهاليز النظرية السميائية ومسغلقاتها المفهومية لكي يلج عوالم التخييل بكل رحابتها وسعتها وقدرتها على الامتداد خارج الحدود التي تفرضها النظرية وتحرص على صرامتها ونقائها. إن الفعل السردي بإكراهاته، يقدم الوجه المجسد للحياة خارج الحدود القيمية المجردة، ولكنه قابل للتصريف، من خلال هذه الإكراهات ذاتها، في حدود مجردة هي الضابط للعوالم الدلالية والضامن لانسجامها.

ولقد كتب على هامش هذه الروايات وامتدادا لها، كتيبا صغيرا مستقلا بعنوان : ” حاشية على اسم الوردة ” صدرت ترجمته الفرنسية سنة 1983 2، ثم كتب نصا آخر بعنوان ” كيف أكتب ” سنة 1996 [1]، ثم نصا ثالثا يحمل العنوان التالي : ” السخرية والتناص ومستويات القراءة ” سنة 1999[2]. وهي نصوص خصصها للحديث عن رواياته الأربع، وخاصة منها روايته الأولى ” اسم الوردة “. فقد ضمن هذه النصوص مجموعة من الملاحظات الخاصة بـ”سيرورة التأليف والخلق” و” بناء الكون الروائي وتأثيثه”، كما تحدث فيه عن “الميتافيزيقا البوليسية” و”الرواية التاريخية”، وتحدث فيه أيضا عن “النفس “و” القناع “و”التعريض” و”الحداثة وما بعدها”. كما تحدث عن الإحالات الضمنية والاستشهاد والسخرية، بل تحدث أيضا مطولا عن الإكراهات الفنية : إكراهات البناء وإكراهات الزمن والأسلوب والفضاء، وكل العناصر التي تسهم في بناء عالم ينتمي إلى التخييل رغم إيهامنا بغير ذلك. وهذه النصوص هي التي نقدم هنا ترجمتها العربية.

فماذا عن هذه النصوص ؟

لن نتحدث في هذه المقدمة عن مضمون هذه النصوص وفصولها والآراء الواردة فيها، ولن نتحدث عن الروايات وأحداثها وشخصياتها وحبكتها. فالنص موجود والروايات فاقت شهرتها كل الآفاق، وللقارئ الحق في أن يكتشف هذه المضامين وحده دون توجيه من أحد. فنحن لا نبحث في هذا النصوص عن أشياء معطاة بدون وسائط، فغايتنا هي ما لا يقوله النص، أو ما يقوله في غفلة من الكلمات ونواياها الصريحة. وإيكو نفسه لا يشير إلى مضامين الروايات أو غاياتها الإيديولوجية أو الأخلاقية. فتلك مهمة القراءة، لا مهمة المؤلف، والنص، في نهاية الأمر، أوسع من قصديات المؤلف، وما يراه القارئ ليس مدرجا بالضرورة في هذه القصدية. لذلك لا يتردد في أن يصنف القراء استنادا إلى قصديات لها علاقة بأنواع المعاني لا بقصديات النص أو المؤلف.

لذلك قد يكون كل ما يقوله إيكو في هذه النصوص أو في غيرها ( انظر مثلا كتابه التأويل بين السميائيات والتفكيكية، وأيضا كتابه ست نزهات في غابة السرد) خاصا بتجربته وحدها ولا يمكن أن يُعمم ويطبق على تجارب أخرى ليست من الطبيعة نفسها وليس لها الغايات نفسها. إلا أن هذه النصوص تحتوي مع ذلك على إرساليات كونية تهم كل الروايات وتصدق على كل التجارب. فما هو أساسي في نصوص إيكو لا يعود إلى هذه التجربة في ذاتها، ولا إلى مادة الروايات ومضامينها وتأويلاتها الممكنة والمستحيلة. إن ما هو أساس يعود إلى التصور الإبداعي الذي يجعل من النص فرجة معرفية لا تنتهي عند حد، أو يحول المعرفة إلى وضعيات إنسانية ترقى على الفردي وتتجاوز اللحظة العرضية الزائلة، لكي تلج الكوني والعام.

وربما هذا ما يفسر أننا لا نعثر في نصوص إيكو هاته على مفاتيح تفيدنا في فهم الروايات وشرح ما استغلق منها، كما قد يوحي بذلك عنوان الكتاب. وهو لا يقدم أيضا، قراءة خاصة أو” تأويلا صحيحا ووحيدا ” لإحالات الروايات التي تناولها بعيدها وقريبها، فذاك أمر مستهجن. فالتأويل ليس من شأن المبدع، وهو في جميع الحالات أمر يرفضه الكتبة والمبتدئون، أحرى أن يقبل به سميائي مهنته هي التأويل وأسراره. فالرواية، كما هو حال كل نص إبداعي،” آلة مولدة للتأويلات، لذا على الروائي أن يموت لكي لا يشوش على مصير نصه “. وبناء عليه، فإن هذه النصوص لا يمكن أن تكون تطفلا من المبدع على عالم التأويل وليست توجيها للقارئ من أجل إنتاج قراءة بعينها، بل هو سرد لسيرورة فعل إبداعي لا نعرف عنه سوى وجهه المتحقق.

إنه لا يؤول ولا يشرح ولا يفسر، ويكتفي، على امتداد صفحات طويلة، بـ”سرد السيرورة” أي تقديم تأمل خاص في بناء الرواية : من أين جاءت فكرة الروايات وكيف تطورت وتشعبت واستقامت كونا عظيما يعج بالكائنات والأحداث والإحالات الثقافية المتنوعة الموغلة في الرمزية أحيانا والمنغرسة في تربة واقع تاريخي بعينه أحيانا أخرى. إنه يقوم من خلال هذا السرد، بمحاولة لرصد السيرورة من زاوية التكوين والخلق والإكراهات، مستبعدا في الآن نفسه كل ما يتعلق بالتلقي، فذاك شأن آخر. بل إن مناقشته للتلقي لا تتجاوز التوضيح وتصحيح الإحالات، أو الكشف عن مصادرها التي عادة ما تفلت من بين يدي القارئ الساذج.

صحيح قد يتداخل الأمران، وهذه حالة واردة وممكنة، وقد تؤثر السيرورة الأولى في الثانية وتوجهها، إلا أن الصياغة النهائية عادة ما تُخفي متاهات البحث عن بداية أو علاقة أو رصد لموقع كيان من كيان آخر، أو شيء من شيء آخر. فالرواية ” واقعة كوسمولوجية” الأساسي فيها ليس الكلمات، ولكن كيفية بناء عالم وتأثيثه. ” فما يهم هو تشييد عالم أما الكلمات فستأتي فيما بعد “. كما يقول في النص الأول. فالفكرة/البذرة، لا تتجسد في معطى سردي صريح، ولكنها تشكل لحظة البناء الأولى. لذلك يتحدث عن الكثير من الأفكار الأولى التي سقطت ولم تنبثق عنها رواية. وهو ما يعني أن الرواية لا تستند إلى حالات السرد العفوي، بل هي صنعة.

وسيكتشف القارئ، من خلال هذه السيرورة، حقائق كثيرة. سيكتشف أن ” السرد تفكير بالأصابع”، فما تخطه الأصابع يترجم وضعيات محملة بانفعالات من كل الألوان. وسيدرك أن “الفن هو انفلات من الانفعالات الشخصية”، فلا يمكن أن نكتب رواية تقتحم التاريخ بالاستناد إلى الأحقاد الصغيرة والانفعالات المصطنعة. فالطاقة الانفعالية لا يمكن أن تتحول إلى إبداع إنساني راق إلا حين تتخلص من الشخصي والعرضي والاصطناعي.

فما تؤكده هذه النصوص، وتؤكده أخرى أيضا[3] هو أن الرواية معرفة، ولكنها معرفة لا توضع بشكل مباشر على لسان الشخصيات، ولا يتم تداولها من خلال الحوارات أو تعاليق السارد أو أصوات أخرى. إنها رؤية تخص نسج العلاقات الإنسانية والأشياء وتخص صياغة الوضعيات ونمط تصورها. إنها، بعبارة أخرى، تجسيد فضائي وزماني للمعنى. فالمعنى لا يوضع عاريا على شفاه الكائنات التخييلية، ولكنه يولد من خلال ما يؤثث الكون الذي تتحرك داخله هذه الكائنات. ولهذا السبب، فإن المعرفة لا تلج عالم الرواية على شكل قوالب وأسماء وإحالات على كتب أو نظريات، ولكنها تتسرب من خلال التعليق على الحدث وتصوير الشيء وطريقة في رؤيته ووصفه وتداوله. إنها المادة التي يصاغ عبرها المتخيل ويستقيم، وتتحدد من خلالها العلاقات الإنسانية وتتجسد.

إن إيكو وهو يحكي سيرورته لا يتوقف عند تأويل أو تفسير لحدث ما، ولكنه يومئ إلى ما يقف خلف هذا الحدث ويحيط به ويبرره ويمنحه معنى : دوافع اختيار هذه الفترة التاريخية دون غيرها، دوافع اختيار المحقق، إحالات على قراءة الأمارات، صراع بين أجنحة الكنيسة، غطرسة التفتيش الكنسي، كاسوبون ورحلة البحث عن الذات في شوارع باريس، الرجل الحائر المنفي على ظهر سفينة وسط محيط هادر … الخ، وهو في كل هذا لا يوحي بأنه يريد أن يضمن نصه معرفة ” عالمة”، ولكنه يبث المعرفة في الحدث والشيء والشخصية.

وما بين المعرفة التي يتضمنها خطاب علمي وبين المعرفة التي تأتينا عبر الكتابة الإبداعية، بون شاسع. فـ ” المعرفة في الخطاب العلمي ملفوظ، وهي في الكتابة تلفظ ” (بارث)، وشتان ما بين الحالة الأولى والحالة الثانية، فالملفوظ إنتاج، إنه كيان جامد لا روح له، أما التلفظ فهو طريقة وتصور في الإنتاج، إنه انفعال إنساني، أو هو إمساك بأحوال الذات وابتهاجها بنفسها وما يحيط بها، لذا “فالكتابة تحول المعرفة إلى احتفال دائم ” (بارث)، وتجعل من العرضي والزائل لحظة خالدة في التاريخ الإنساني.

سيدرك القارئ، من خلال هذه النصوص، أن الإبداع الروائي جهد وعناء وبحث في ذاكرات النصوص السابقة وتجاوز لها، وأن المواقف تصوير لطبائع وتعبير عميق عن حالات إنسانية، سيدرك أن الثورة كشف لحقائق الحياة التي تتوارى خلف جزئيات اليومي والمألوف، والروائي الحقيقي لا “يشاغب” ولا “يشاكس “ولا يكتب “نصوصا ماكرة”، ولكنه يقدم لنا روايات سيذكرها التاريخ طويلا.

يبقى أن نشير في خاتمة هذه المقدمة إلى أننا قد سبق أن نشرنا النص الأول منفصلا تحت عنوان: ” حاشية على اسم الوردة ” وصدر عن منشورات علامات. وقد حرصت دار الحوار مشكورة، وكعادتها في انتقاء النصوص الرائدة في كل المجالات، على إعادة نشره مع النصين المشار إليهما إغناء للتجربة وتوسيعا لمداها. وعنوان الكتاب هو : ” آليات الكتابة السردية ” – نصوص حول تجربة خاصة.

 

العناوين الأصلية للنصوص  

 -Apostille au nom de la rose- Grasset 1985

– Comment j’écris- de la littérature, Grasset 2003

-Ironie intertextuelle et niveaux de lecture- de la littérature, Grasset 2003                                            

 

 

 

 

2 الطبعة الإيطالية : Alfabeta 49 , juin 1983 و أما الطبعة الفرنسية فقد ظهرت سنتين بعد ذلك  سنة 1985 عن دار النشر  تحت عنوان :  Umberto Eco : Apostille AU NOM DE LA ROSE, éd Grasset , 1985

[1] – comment j’écris : in de la littérature, Grasset ,2003

[2] comment j’écris : in de la littérature, Grasset ,2003

[3] انظر كتابه : Interprétation et surinterprétation, éd P U F , Paris 1996 . وقد قمنا بترجمته إلى العربية تحت عنوان : التأويل بين السميائيات والتفكيكية، المركزالثقافي العربي  بيروت – الدار البيضاء، 2000