الفن واللعب

مقالات
13
0

 

سعيد بنگراد

يُصنف اللعب ضمن كل ما يمكن أن يخرج عما ترسمه التجربة اليومية بمحدوديتها في الوظيفة والغايات. يدخل في ذلك الرقص والغناء والرياضات الفردية والجماعية؛ ويدخل ضمنه أيضا اللعب بالكلمات والشعر والإيماءات وكثير من الممارسات التي لا غاية منها سوى اللعب ذاته، ما كان يسميه كانط ” أهدافا بدون غايات”. بل قد يكون اللعب أوسع  وأشمل من ذلك، فهو يمكن أن يكون شاملا لكل الممارسات التي تقع على هامش “اللحظة الجدية” في حياة الناس، أي ما يستجيب لحاجاتهم الأولية : ضرورة العمل وضرورة الأكل والنوم وإشباع كل الغرائز الأخرى. لا نستثني من ذلك طقوس العبادة والحفلات الاجتماعية وحِلَق الذِّكر، والنكات وممارسات القمار ولعب الكبار في أسرتهم بحثا عن متعة أو راحة نفسية، فهذه أنشطة تُصنف جميعها ضمن اللعب.

ومع ذلك، فإن اللعب ليس ممارسة عارضة أو طارئة يقوم بها أفراد في وقت فراغهم، فهناك ما يشير في بقايا السلوك الإنساني اللاواعي إلى أن الإنسان بدأ، وهو يبحث في تفاصيل حياتية لم يعِ وجودها بشكل عقلاني، لاهيا بمحيطه، بأشيائه وكائناته، وانتهى لاعبا بكل شيء، بغاجاته وهاتفه المحمول، وعابثا بجسده ضمن تصوير ذاتي(السيلفي) أو الإبحار في عوالم افتراضية لا رابط بينها وبين الفعل الواقعي. فقد يكون اللعب ” فرصة للتخلص من الزائد في الحياة، ما يعود إلى الزمن والطاقة والاندفاع الفكري “(1)، إلا أنه يكشف أيضا عن روتينية الحاجات النفعية في حياة الفرد و ضآلتها أمام إغراءات عوالم المتعة عنده، بما فيها الرغبة الدفينة عند الإنسان في أن يظل المرء طفلا لا يكف عن اللعب.

إن النصوص الدينية ذاتها لم تسلم من هذا المضاف الفني، فترتيل القرآن، أي منح الكلمات بعدا صوتيا لا معادل له في الصيغة الكتابية، أمر مستحب، إنه يمنح النص “طاقة إقناعية” مضافة، فما يستهوي ملايين المؤمنين ليس المعنى الذي تحيل عليه الكلمات، فهؤلاء لا يفهمون إلا في النادر مضمونها، بل ما سيضيفه هذا الترتيل، أي ما يأتي من الطاقة الصوتية للمقرئ. ولم يُختر بلال ليكون أول مؤذن في الإسلام لذكاء أو لتقوى تفوق ما كان عند الآخرين، بل لأنه كان يتمتع بصوت جميل.

بعبارة أخرى، قد يُنظر إلى اللعب، في تجليه المباشر، باعتباره تعبيرا عن رغبة الفرد والجماعة في التخلص من كل الاستعمالات “الجدية” للمحيط القريب والبعيد، إلا أنه يُعد، في جوهره، واجهة من واجهات الإنسان في الحياة وقدرته على تصريف جزء من انشغالاته الذاتية والجماعية في ممارسات تنزاح بالفعل عن مردودية مباشرة، للبحث عن “حقيقة” ضاعت منه مبكرا، لحظة انفصاله عن الحضن “الطبيعي” وانغماسه الكلي في ثقافة نَأَتْ به عن التوجيهات الأولية لتركيبته الفسيلوجية والاجتماعية. وتلك هي طبيعة الإنسان حقا، فهو “يلعب لأنه إنسان بشكل كلي، ولكنه لا يمكن أن يكون إنسانا إلا من خلال هذا اللعب”(2). استنادا إلى ذلك لن يكون ” اللعب مجرد تسلية تبعدنا عن كل ما هو مأساوي في إنسانيتنا، إنه أيضا تعبير عن هذه الإنسانية”(3).

وهي صيغة أخرى للقول، هناك في الداخل النفسي رغبة حرَّى في التخلص من زمنية موجهة ومحدودة بغايات مرتبطة بالحس المشترك وحده، لاستعادة أصل أول يكون خاليا من كل الإكراهات، كائنا بلا ذاكرة وبلا وسائط يعبث بالأشياء قبل أن يسميها أو يصبها في مفاهيم تحول بينه وبين دفء الطبيعة في وجدانه. وهذا ما يؤكده سلوك البدائي نفسه، فهذا الكائن لا يُعير في الغالب أي اهتمام “لما يميز بين كينونته وبين لحظات لَهْوِه، فلا علم له بالهوية والصورة والرمز. وقد يكون ذاك هو الذي يسمح لنا بالقول إن الوسيلة المثلى للتعرف على حقيقة حالته الذهنية وهو يمارس طقوسه القدسية هي العودة من جديد إلى المعنى الأول لكلمة “لعب”. فداخل اللعب تنمحي، في تصورنا، الفواصل بين الاعتقاد والتمويه “(4).

وذاك ما يشير إليه سلوك الطفل أيضا، فاللحظات الجدية الوحيدة في حياته هي تلك التي يكون فيها منغمسا في لعبة تستوعب ذاته في كليتها، فهو لا يلعب من أجل الآخرين، بل يفعل ذلك تعبيرا عن كينونة لا ترى نفسها إلا في اللعب. وليس غريبا أن يكون منطلق اللعب عند الطفل هو محاكاته لمحيطه، ما يفعله الكبار من الأقارب والجيران وما تقدمه الصور وكل أشكال التشخيص؛ وكأن اللعب ليس سوى “بروفات” أولية عابرة، لكنها أساسية في حياته، فهي ما يمكنه استقبالا من الانتماء إلى الحياة “الجدية”، أو التأقلم مع قوانين الكون الفزيائية والميكانيكية. وذاك أيضا هو ما يشير إليه التعريف الأول للفن، فقد نُظر إليه قديما باعتباره محاكاة لطبيعة منها انبثق كل شيء، أو هو ” محاولة للتغطية على عناصر النقص فيها ” كما كان يقول كاندينسكي. بعبارة أخرى، ” قد تبدو الطبيعة ذاتها، باعتبارها لعبا دائما بدون غاية ولا قصد ولا جهد، وكأنها النموذج الأصلي للفن. وهذا ما أشار إليه شليجل حين اعتبر كل الألعاب المقدسة للفن مجرد محاكاة للعالم مغرقة في القدم، ذلك أن العمل الفني يتحدد دائما من خلال شكله “(5).

ومع ذلك، فإن اللعب ليس ممارسة عبثية تُعد نقيضا لحياة جدية محكومة بإكراهات وضوابط. إن اللعب ممارسة حرة، هذا أمر مؤكد، فقد يلعب المرء أو لا يستهويه اللعب، ولكنه لا يمكن أن يستقيم في الوجود إلا من خلال قواعد وقوانين تفصل اللعب عما ليس لعبا. ذلك ” أن اللعب هو نشاط إرادي يتم ضمن حدود زمانية وفضائية محددة، ويتم وفق قاعدة متوافق عليها بحرية، ولكنها مفروضة وتتمتع بغاية في ذاتها، ويصاحبها إحساس بتوتر وفرحة وبوعي يوحي بشيء مغاير للحياة اليومية. وبهذا المعنى، فإن هذه المقولة تشمل كل ما نطلق عليه لعبا خاصا بالحيوان والأطفال والكبار” (6) . فلكي يكون هناك لعب على اللاعب أن ينخرط في ” لعبة” تستمد جديتها من القوانين المنظمة لها، فاللعبة التي لا قانون لها، مجرد هذيان بلا معنى. تماما كما لا يمكن للحكي أن يكون فنا إلا إذا كان تنظيما لسلة محدودة من الملفوظات تبني عالما خاصا، وإذا كانت الكلمات في الشعر إيقاعا جديدا دالا على معنى، ودالا على اللعب بنظامها الأصلي في الوقت ذاته.

وهو ما يعني أن اللعب ليس لعبا في علاقته بالأمور الجدية، بل هو مشروط في وجوده بالالتزام “بجدية” هي التي تجعل ممارسته أمرا معقولا في ذاته وعند الذي يتفرج على اللعب. ولهذا السبب، لا يتحدد جوهر اللعب من خلال ذاتية فرد عابث، بل بوجود ” ميثاق” يحدد جدية اللعب. إن اللاعب الذي لا يأخذ اللعب “بجدية”، أو لا يحترم قواعد اللعب، لا يمكن أن يكون لاعبا جيدا. لذلك كان اللعب ممارسة محدودة في الزمان وفي المكان ومحدودة بأفق انتظار هو أصل المتعة عند المتفرج. فلا يمكن أن يمتد اللعب إلى ما لا نهاية،كما لا يمكن الفضاء المفتوح مسرحا للعب. إن جوهر اللعب أنه منتهي في الزمان وفي المكان، وضمن المنتهي يتحدد النصر أو الهزيمة.

وهي صيغة أخرى للقول إن اللعب معناه احترام سلسلة من القواعد التي تحول اللعب إلى ممارسة جدية تحد من ذاتية اللاعب وهواه، وتقدم اللعب فيما يشبه المؤسسة الضابطة لأشكال اللعب في الوقت ذاته؛ هناك بعد موضوعي في اللعب هو ما يشكل هويته ويميز الألعاب بعضها عن بعض.

ويصل اللعب إلى أبهى صورة فيه حين يتحول إلى عمل فني ( غدامير)، حينها يتحول اللاعب إلى فنان، إلى كائن قادر على التخلي عن موقعه في الحياة النفعية لكي ينتشي بما يخلقه من علاقات جديدة بين الكائنات والأشياء. وقد تكون طبيعة اللعب هي التي قادت غادامير إلى الفصل بين “الوعي الجمالي” وبين “تجربة العمل الفني”، فهذه “التجربة وحدها يمكن أن تكون مصدرا للتأمل” (7). لذلك كان اللعب ذاتية مطلقة، ولكنه، وبشكل مفارق، موجود في استقلال عن ذاتية اللاعب، إنه شبيه بالفن، فليست ذاتية الفنان هي ما يحدد جوهره، بل “التجربة الفنية”، إنها هي ما يشكل موضوع اللعب ويحدد أبعاده، إنها تجسيد لخبرة لا تعبر عن نفسها إلا من خلال الانزياح الكامل عن الاستعمالات المألوفة للمادة التي تتحقق فيها ومن خلالها.

فكما أن اللعب يلغي مؤقتا الالتزام بقواعد السلوك الاجتماعي المتداول: الوقار والرزانة والاستعمال النفعي للجسد، فإن الفن هو الآخر يُعد انزياحا عن عالم نفعي إلى آخر يُبنى من خلال الطاقات التي يفجرها. إننا في حالة اللعب نُبيح لجسدنا قول ما لا يستطيع قوله ساعة الجد. “ففي اللعب وفي الفن على حد سواء، يختفي اللاعب والفنان، وما يبقى أمامنا حقا هو اللعب الذي نمارسه” (8). إن اللعبة وحدها، كما هو العمل الفني، هو أساس الفرجة في العين والانفعال في الوجدان.

وذاك ما تؤكده الحاجات الجمالية عند الإنسان أيضا. فبإمكان المرء أن يقضي الكثير من حاجاته النفعية بلائحة قصيرة من الحركات، ولكنه إذا أراد أن يقول لامرأة : في عينيك أشعة شمس تدفئني وأنا قش لا تذروه رياح، فإنه لا يستطيع القيام بذلك إلا من خلال اللغة: في الحالة الأولى هناك استعمال جدي لإيماءات تحل محل كلمات بمضمون نفعي مباشر، إنه وثيقة الصلة بما يتطلبه البعد الغريزي في الإنسان؛ أما في الثانية فهناك لعب بكلمات لا مضمون لها سوى التعبير عن انفعالات لا معادل لها في الاستعمال ” الجدي”، إننا ننزاح بالكلمات عن استعمالها المألوف لكي تصبح دالة على شيء آخر غير النفعي فيها. وذاك هو الفاصل بين الضروري في حياتنا، وهو الفن، وبين العرضي فيها، أي إشباع حاجات لا تثير فضولنا.

إن التلقي ( الفرجة) هو الجرعة المضافة إلى ما يأتي من ذاتية تلعب أو تبدع. ومن هذه الزاوية، لا يخرج الفن عن قاعدة المزج بين ما يأتي من الذات، وهي أصل كل الانفعالات، وما يتم استيعابه داخل موضوعية تعمم وتجمع بين كل الذوات المنفعلة. “إن الفن موضوعي ( لأنه موجود “هنا” في العمل الفني الذي يفرض علينا سلطته استنادا إلى سموه وتساميه)، ولكنه في الآن نفسه ذاتي، ذلك أنه يستدرجنا إلى عوالمه بشكل سحري لنتحول داخله إلى أدوات”(9).

 

—–

1-Roger Caillois : Les jeux et les hommes, éd Gallimard,1967, p.36

2-Elsa Godart : Je selfie donc  je suis, les métamorphoses du moi à l’heure du virtuel, éd Albin Michel , 2016, p.115

3-نفسه ص115

4-Hans-Georg Gadamer : Vérité et méthode, éd Seuil, 1976-1996, p.122

5-نفسه ص 123

6-Elsa Godart op cit p.115

7- H. G Gadamer op cit, p.121

8- نفسه ص 130

9- Jean Grondin : Introduction à H G Gadamer, p.66