السيلفي أو عندما يصبح الرقمي شاشة بَوْحٍ إفتراضي

مقالات
282
0

عبد الإله الهادفي

محمد الشنكيطي

باحثان من المغرب.

” وليكن !

و لننجرف في الكون .

من يدري . . .

لعل عناصِراً سَتَجِدُّ.

من يدري . . .

لعل هناك ضوءًا أوّلاَ، يفضي إلى الضوء الأخير”.

_ الانجراف 1 – سعدي يوسف

 

خلال سنة 2016، عن دار: Albin Michel  أصدرت الباحثة المختصة في التحليل النفسي، الفيلسوفة الفرنسية إلزا غودار، كتابها “je selfie , donc, je suis “. وفي بداية عام 2019، عن دار المركز الثقافي للكتاب، صدرت الترجمة العربية لهذا العمل، تحت عنوان ” أنا أو سيلفي، إذن، أنا موجود”، أنجزها الباحث السيميائي  المغربي، سعيد بنكراد.

بدءًا تطالعنا العتبة/ العنوان، بما يشبه الصفعة. هل نحن أمام زحزحة لفظية للكوجيتو الديكارتي؟ أم نحن إزاء لعبة تلتف على نفسها فيما يعادل تبادلا للمواقع داخل البنية النصية للجملة؟

يبدو أن الأمر، أعقد وأعمق من ذلك بكثير. العنوان يقذف بنا مباشرة أمام قطائع و إبدالات كبرى، شرطت، وما تزال، وضعية الانسان في عالم ما بعد الحداثة.

السِّيلفي، هذه الممارسة، “البسيطة”،  الفورية، المباشرة، تخفي ورائها عالما شائكا من الأسئلة الحارقة براهنيتها، وامتداداتها الوجودية النفسية، الاجتماعية، والثقافية.

وإذن:

بأي معنى، نحن اليوم معنيون بالسِّيلفي؟ ضمن أية حدود يتأسس شكل العلاقة بهذه الممارسة السوسيو -تقنية، بوصفها مؤشرا على تورط جماعي داخل المعترك الإفتراضي، بمستتبعاته الرقمية في عصر العولمة وما بعد الحداثة؟، ما الرهانات الاجتماعية، العلمية، الثقافية و الاديولوجية التي يضمرها السيلفي، ويتكتم بشأنها، قبل أن يواريها داخل خفاء البداهة وسلطة الاعتيادي، الطبيعي، المألوف؟(1)

هل يمكن الحديث عن سردية داخل هذه الممارسة السوسيو-تقنية؟ وقبل ذلك هل هي بنية دالة؟ كيف تشتغل الدلالة داخل السيلفي، بوصفه نسقا سيميائيا يتعالق مع غيره من انساق العلامات الدالة؟

تتناسل الأسئلة، ومعها يتوالد الانشغال بإنجاز مقترب نقدي يشتبك مع المعنى وشروط انتاجه داخل الصورة في السيلفي. كائنات بشرية من مختلف العقائد والجنسيات، تلتقط، بخيلاء وابتسامات عريضة، صورا شخصية لها، داخل هذه المربعات، المضيئة، المضاءة. سلوك، فردي، وأيضا جماعي، يؤسس لتحولات أكيدة في العلاقة التي يقيمها الانسان مع ذاته ومع الأخر، زمانا ومكانا وقيما جمالية.

لقد ظلت إلزا غودار، في اغلب إصداراتها مهووسة بالخيط الناظم الذي يترصد القلق الوجودي للكائن إزاء أمراض الحداثة وسعار التقنية، بدءا من “الكائن الصريح” (2006)، مرورا ب “ما يرتبط بي” (2011)، و “أن نكون أفضل مع أنفسنا” (2012)، و “أنا أو سيلفي، إذن، أنا موجود” (2016)، وصولا الى “هل يختفي التحليل النفسي؟” (2018). فعبر هذه السلسلة العريضة من البحث والتأمل، ما انفكت غودار تلامس محاور عديدة، تتحلق بمجموعها حول الذات، وتتقاطع مع مستويات الدلالة، في اللغة، الهوية، التكنولوجيا، الاخلاق،  والتحولات النفسية. إنه نسق نظري يغتني إجرائيا وتحليليا بالتماس النقدي الحي مع وضعية الذات، وسياقات انتاج المعنى داخل مجتمع وتاريخ مأزومين، تراجعت فيهما، السرديات الكبرى (قيم التقدم، المساواة، التحرر، وفلسفة الانوار) وانسحبت، ليحل محلها اكتساح هائل لتقنيات المنجز الرقمي وميتافيزيقا الشاشة.

الويب، الذي كان مفترضا، أن يسمح بتأسيس مجتمع المعرفة، وتكثيف قدرات الذكاء والتفكير الإنسانيين، أصبح تحت ضغط المقاولات، ومؤسسات الإنتاج والتوزيع في ثقافة الماركو تينغ، أشبه بورشة مفتوحة لما يمكن تسميته تجاوزا: “نمدجة الأعمال والصفقات” busnesmodéle . الانترنت كشكل من أشكال  تمظهر المعرفة  الإنسانية (لنتذكر هنا الكتابة في عهد اليونان)، اصبح، اليوم، وسيطا لتسطيح المعرفة، واختزال العمق، وتدمير الحميمي. هناك دائما في العالم إرادات قوة، سلطات مريعة للتدمير “تجد تحت تصرفها العلم والتقنية. انها المرة الأولى في التاريخ الإنساني، حيث ثمة إمكانية للقضاء نهائيا على الإنسانية”(2)، فالعلائق الاجتماعية الحية، لم تعد ممكنة في نسج مداراتها الخصبة، بمعزل عن استيهامات Fontasme   الشبكة العنكبوتية، و”المدى القصير الذي تقوم عليه حسابات المجتمع الاستهلاكي الحديث، يقوم بتوليد الحاجات بشكل مستمر.” لذلك تبدو  القيم الأخلاقية والراوابط الإنسانية العميقة، كما لو كانت شأنا قديما “يتحول في ظل تنامي الاستهلاك الى شيء مستهجن يستحق أن يوضع في سلة النفايات”(3) . ضمن هذا الأفق يمكن مقاربة السيلفي، كمنجز رقمي، كصورة تختفي في ثناياها حكاية، هي تحديدا، ما يؤثث هذه الصورة، ويشكل وحدتها(4).

ما طبيعة هذه الحكاية، وما هي حدودها الدلالية؟ وقبل ذلك كيف تشتغل هذه الصورة* في سيرورتها التداولية؟ ماذا عن الذات المرسلة، وسياق الإنتاج، ووضعية المتلقي لهذه الصورة داخل الشبكة الافتراضية لمواقع التواصل الاجتماعي؟

السِّيلفي بورتريه ذاتي، او صورة ذاتية(5) يلتقطها الشخص لنفسه بواسطة سمارتفون، ويتقاسمها مع ذوات افتراضية داخل شبكة النت.

       بهذه البساطة، المربكة، المخاتلة، يقترح السيلفي تقديم نفسه. انه مجرد صورة!  صحيح، لكن صورة ماكرة، تُشَرِّعُ للوجه الذي تتماوج في ظلاله سلطة ثقافية راسخة، باعتباره بوابةً ” للجسد وخزانا لانفعالاته(6) . الرهان، إذن، في السيلفي، جسدي بامتياز، والجسد* الإنساني “لا وجود له الا فيما يلتقطه وعي الرائي ويدركه”(7). هكذا، تتكشف شيئا فشيئا، حكاية الوجه في النسق السيميائي لالتقاط الصورة عبر  الشاشة المربعة لهاتف “ذكي”. الذات، تلك القابعة وراء هذه المربعات المضاءة/ المضيئة، يحلو لها ان تسعى لملءها، يحلولها ان تسرب عبرها شيئا، كما لو كان محكيا شخصيا(8). تُلَوِّحُ بالكلمات والصور، تنظر الى نفسها في عيون ذوات أخرى افتراضية، في افق ان تسجل تفردا ما، ان تحظى باعجاب وتقدير الآخر، في افق أن تستقبل اكبر عدد من “اللايكات”و “الجيمات”، لتطمئن إلى تحقق وجودها الفعلي. لكن ماذا، لو ان “لعبة التفرد هاته، يتم اقصاؤها فورًا، بمجرد إجتياز عتبة الوجود الرقمي؟(9).

لقد علمنا بارث أن الصورة، علامة، وحالما تشتغل بإفراط شأنها شأن أي علامة، فإنها  “تفقد مصداقيتها، مانحة إمكانية الظهور لغايتها”(10).  لذلك فبلاغة الالتباس هي ما يبنين شكل العلاقة بين العلامة والمرجع، في إشتباكهما داخل إكراهات ال “Ego(11) وهواجس سلطته النرجسية.

 

 

*معنى السيلفي، كما نرشحه موضوعا للتناول في هذه القراءة، هو ما ذهبت الزاغودار الى التنصيص عليه من حيث انه يظل سؤالا مطروحا على الذات، لا انطلاقا منها، ولا حتى من طرف الاخر، ولكن انطلاقا من الجهاز/الالة. فمن الان وصاعدا، سيكون هناك وسيط بين الذات ونفسها، هو : الموضوع/شاشة، (سيشوه او لا يفعل ذلك؟ سيغير أولا؟) “انظر الزاغودار: “انا او سيلفي، اذن انا موجود”- ترجمة وتقديم، سعيد بنكراد- المركز الثقافي للكتاب- البيضاء- الطبعة الاولى -2019-ص84

(1) غالبا ما تمرر الصورة، عنفها الرمزي، وتسرب ظلال سلطتها غير المرئية عبر غشاء “العادي، المالوف، الطبيعي”. من هنا نفهم سر الاحتراس الشديد والتوتر الدائم اللذين كان يبديهما، رولان بارث، على سبيل المثال، إزاء كل ما هو عادي وطبيعي. فالاديولوجيا، دوما، تظل “مخيوءة في العرض/الديكور لما هو طبيعي” وبديهي، انظر Reland Barthes-Mythologies-Edition du seuil-1957.p :9

(2) جان بودريار- ادغار موران- عنف العالم: ترجمة عزيز توما- دار الحوار- اللاذقية- سوريا- الطبعة الأولى- 2005- ص 84.

(3)زيغمونت باومان: الحب السائل: عن هشاشة الروابط الإنسانية: ترجمة حجاج أبو جبر. تقديم: هبة رؤوف عزت- الشركة العربية للأبحاث والنشر-بيروت- الطبعة الأولى- 2016- ص15.

(4) صيغة تعبيرية دالة في استقصائها لبعض من المنافذ الممكنة للصورة بوصفها شكلا تمثيليا رمزيا فاعلا في تخصيب ابعاد التجربة الثقافية الإنسانية. انظر سعيد بنكراد: السيميائيات، مفاهيمها وتطبيقاتها- دار الأمان- الرباط- الطبعة الأولى- ص122.

*ما يثير الانتباه في مشترك الدرس النقدي حول الصورة، هو الإقرار باتِّساع حَيِّز الغموض الذي يكتنف ويشرط نمط ارتباطنا بالصور عموماً، فنحن إزاءها، لا نملك إلا أن نتأرجح بين التحفظ بشأنها حيناً، والإقبال عليها فيما يشبه التعّلق حَدَّ العشق حيناً آخر، وما ذلك إلاَّ لأن العلاقة التي نُقِيمُهاَ مع الصورة، تظل  “مرشّحَة” لأن تعزز قدرتنا على أن نفكر أفكارنا الخاصة، انظر: Serge Tisseron.

L’image comme processus, le visuel comme fantasme  in: cahiers de psychologie clinique : vol(1) n° 20.2003-pp :125-135.

http://cair.inf/revue-cahiers-de-psycologie-clinique-2003-1-page-125-htm.

(5)في منطقة الكيبيك، الاستعمال الشائع هو “Egoportrait“، والتسمية، كما يظهر، تؤشر على نزوعٍ نحو اضمار تَثْمِينٍ للذات وتمجيد مركزيتها.

(6) سعيد بنكراد- نفسه-ص121

 

* للجسد الانساني تقطيعاته المفاهيمية المخصوصة في كل ثقافةٍ على حدة، لذلك لن يكون ممكنا الشروع في تفكيك حالات الجسد واستقصاء اسئلته داخل حديث الثقافة العربية وقديمها الإسلامي  مالم يتم الانتباه لسطوة المتعاليات، التي رَسَّخت، بَدْءًا من النص الفقهي، آليات التسييج المفهومي للجسد الحي في اشتباكه مع الزمن والتاريخ. صحيح ان الأمر، يتعلق، هنا، بجسَدٍ إسلامي له محدداته التاريخية، والوجودية، والثقافية الخاصة به، لكن صحيح أيضا ان هذا الجسد سيلقي بظلاله الكثيفة على العلاقة بين العين والصورة. مع ما سيترتب عن ذلك من إرتيابٍ ملحوظٍ إزاء “جرأة العين”، التي “تقول أحيانًا ما تهاب الكلمات التعبير عنه”، وكذا إزاء الصورة، خصوصًا في جانبها القدسي، كصورة النبي مثلاً، والذي “يجب ان لايكون مُمَثّلَاً  من خلال صورة، فذاك يُقَلِّصُ من واجهات حضوره في ذهنِ المسلم”. الأمر، إذن، يرتبط بمصادَرَةٍ محسومَةٍ لمنطق التشخيص، الذي لا يستقيم إلا طبقاً لِآلِيَتَيْ: الألفة والمماثلة: انظر: فريد الزاهي: الجسد والصورة والمقدس في الإسلام، الطبعة الأولى- افريقيا الشرقية- 1999- ص 7 – 11. وكذا مقدمة سعيد بنكراد في ترجمته لكتاب: غي غوتيي: الصورة: المكونات والتأويل- الطبعة الأولى- 2012- المركز الثقافي العربي- ص 11.

 

(7) سعيد بنكراد- نفسه- ص 184

 

(8) انظر دراسة الباحث السيميائي الإيطالي:Massimo leone  

– Socio-Sémiotique des « livres à visages » in : Actes Sémiotiques n°120/2017. Théme : Sémiotique et engagement : Un lim.Fr/Actes – Sémiotiques/es 5816.

(9) :Massimo leone. Opcit-

 

(10) Roland Barthes- Mythologies – opcit – p27

 

(11) انظر Mathias Roux : La Dictature de l’Ego : Enfinir avec le narcissisme de masse Edition : la Rousse.2018 .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • إيكونوغرافيا الوجه في النت: بين التمثل الهوياتي وسعار الاعتراف.

 

       يشير ماسيمو ليون إلى ان التعطش لتمثل الهوية الشخصية، وتحديدها، غالبا ما يتم التعبير عنه، عبر الرغبة في رؤية الوجه داخل الصورة. طبعا، أتاح، البورتريه، تاريخيا، هذه الامكانية، لكنها ظلت مع ذلك محدودة، بفعل الطابع النخبوي والبورجوازي، للبورتريه. التكنولوجيا، اليوم، تسمح بالتمثيل الرقمي للوجه، وهو ما يفتح الباب واسعا امام هذا النزوع ذي التاريخ الطويل(1). لقد اصبح بإمكان أيٍّ كان أن يحوز لنفسه مكانا داخل المتخيل الجمعي، يكفي فقط، التوفر على إمكانية المرور الى الشبكة الافتراضية، حتى تسارع الذوات الى “تخليد” الايقونة الرقمية للوجه الشخصي باعتباره سيمولاكر، دائم التكرار داخل نوع من التعالي الضوئي للشاشة. طَوْعًا ستترك الذات صورة “لوجهها” داخل مواقع التواصل الاجتماعي، وأيضا ستمتلك صلاحية ان تؤرشف داخل فضائها الرقمي الشخصي، مجموعة كبيرة من صور “وجوه” الغير، وقد تحولت الى ايقونات متجانسة تماما، وقابلة للضبط والتحكم(2). ما الذي تعنيه هذه العمليات المتتالية من الارسال والتلقي لصوٍرٍ داخل فضاءٍ افقي، تخلص من ابعاد العمق فيه ليصبح حاضنا لكل اشكال الوهم والتيه والتضليل؟(3)

       انه السؤال الذي يفتحنا على البعد النرجسي(4) لصورة الوجه في السيلفي، وجه يسعى لان يكون مرئيا بافراط.

       لقد توقف الوجه، في الصورة، عن ان يكون استنساخًا حرفيا لواقع مرئي، تمثله الذات في العالم الخارجي، وتحول الى سمولاكر، وفتيشية مضاعفة، منذورة للتشذير، إنه مجرد إمكانية مفتوحة على نسخ مكررة لا نهائيا، من وجوه متشابهة*. ما يسعى ملتقط السيلفي الى تحقيقه، هو الإنجاز الفعلي للرغبة المسكونة بالقبض على تمثيلية وجهه الشخصي، ومن ثم إدراجه داخل مشهدية فوتوغرافية تقنية اجتماعية(5). “أن تكون. هو ان تكون مرئيًا”، في مجتمع زوبعه الرقمي، وأعاد صياغة أبعاده الرمزية. على أن ما يضمره هذا النزوع، ما يظل صامتا بشأنه، هو منطق الاغواء الذي يؤطر فعل الرؤية نفسها. فالعين ترى “ما تود ان تراه، لا ما يمثُلُ  أَمامهَا”(6). حين نلتقط السيلفي، لا نفكر فقط، في تخزين الصورة، بوصفها شهادة على حدث جدير بأن لا يُنسَى، ولكن أيضا نفكر، “وعلى الأخص” في ان وجهنا الشخصي سيكون موضوع “نظر”، موضوع اعجاب.

      السِّيلفي، بهذا المعنى، حامل لصورة أخرى، غير صورة ملتقطه، حامل للصورة “النموذج” التي تسعى ال “أنا” الى ترويجها، وتنشد الى تسويقها داخل عالم افتراضي، تؤثثه أفعال “التقاسم”، و “اللايكات”، و “الجيمات”. هذا ما يقوله السيلفي. صرخة استغاثة، تدعو الى تحقيق فعل “الاعتراف”* ب “أنا”، لا تطمئن الى وجودها، الا عبر دفق من الصور، يؤمنها الهاتف/ سمارتفون، عبر شاشة – نافذة – مفتوحة على عبور الحدود بين الواقعي والاستيهامي.

       لقد سبق لرولان بارث أن اختبر هذه الوضعية المفارقة التي تبنين وجود الذات في الصورة الفوتوغرافية. فال “أنا” امام العدسة، هي في الواقع  ذاته “الشخص الذي اعتقد انه انا، والشخص الذي اريد للاخرين ان يعتقدوا انه أنا”(7). تسويق ذاتي، إذن، ل “أنا”، تحولت الى “ماركة،(علامة تجارية)، منتجا موضوعا للتداول في السوق… فهذا يرفع من قيمة سلطتنا الاجتماعية، وهو ما يضمن خلق لحظة شعبية مباشرة”(8). ينجرف السيلفي، طبقًا لذلك، وراء موضوع الرغبة اللاواعية لترجمة “النموذج”، “المثال”، لجسدٍ توقف عن ان يكون، داخل شبكة النت، فاعلية رمزية، ليتخذ شكل توثيق لأبدية “اللذة في لحظة المتعة وانيتها، بلا توابع ولا مسؤوليات”(9).

      استنادا الى هذا التصور يتحدد  السِّيلفي كاستدعاء لصورة معيارية نموذجية، استدعاء لقناع، يحجب الوجه والجسد معا، ليظهرهما في صيغة مهيأة لاستقبال ردود أفعال افتراضية. والصورة، هنًا، لا يمكنها إلا أن تأخذ دلالة المعنى، كما يقدمه لاكان، اي “نشاز خاج عن قصد المتكلم”(10). فلا وعي “أنا” السِّيلفي، ليس إلَّا لغة انكمشت داخلها بنية اللوغوس، تاركة للانفعالي-العاطفي، حيزًا هائلًا من ممكنات تشغيل الدلالة. الوجه، اذن، سمولاكر، غفل، في منصات التواصل الاجتماعي، لا يقول اكثر من سطحه، لا يقول غير فراغه بالذات. أنه الوجه المفتقد، ذاك الذي لايمكن العثور عليه إلا داخل حركة دورية، يطبعها تكرار الصور وتدفقها، طبقا لاكراهات الرقمي-الافتراضي، مع ما يمليه من تسييج تقني- لامكانات التعبير الهوياتي كما يفصح عنها الوجه الإنساني. الهوية، ذاتها، تتحول في شبكة النت، الى بنية استعارية لأسماء متخيلة، مختلقة، تتقاطع داخلها، بيانات استمارة التسجيل، ومجموع المعلومات والاثار التي يخلفها الإبحار في الفضاء الافتراضي.

     انه “البروفايل”، كواقعة بصرية، تترجم الذات، وتؤطر ابعادها داخل واجهة الملف الشخصي. نحن هنا أمام سلسلة من الوقائع المرئية، المرشحة للتزييف، والتغيير، وحتى الاختراق، عبر ما يمكن تسميته ب “قرصنة الحسابات”.

     اين الذات، اذن، والجسد؟ وقبلهما، اين الوجه الإنساني، داخل هذه المتعاليات الرقمية الجديدة؟

     الصورة لغة، تتحدد كمركز لمعنى رمزي اجتماعي، اكثر من كونها تعبيرا لذات فردية(11). لكنها في عالم السِّيلفي، لا يمكنها الا ان تشتغل ايقونيا، لتسوق استيهامات مريحة، تخلِّصُ الأنا، من عبء الانخراط الحي في السياق الاجتماعي للزمن والتاريخ. هكذا تتحلل الانا من مسؤولية العلاقات الاجتماعية، لتنقذف، داخل “غموض الصلات العابرة”(12).

     إلتقاط السِّيلفي مع النجوم ومشاهير الفن والسينما، إلتقاط السِّيلفي مع الفاعل/ الزعيم السياسي (13)، القاط السِّيلفي بالقرب من االمآثر التاريخية، او المنشات العمرانية الشاهقة ذات الصيت الذائع،كل ذلك ليس الا ترجمة لامعان الذات في ان تكون مرئية، في الواجهة الامامية للصورة، نوع من التبئير FOCALISATION على “الأنا”، وعلى استراتيجيتها الخطابية المنظمة لسردية السِّيلفي. انه التوقيع على الحضور الشخصي  لذات- علامة فارقة، تستوجب الاعتراف. لكن “ما تستوعبه النظرة ليس واقعا، بل معرفة بهذا الواقع، معرفة مصدرها النظرة، ولا شيء سواها”(14)، والنظرة، هنا، تقول اكثر مما تفصح عنه الصورة، تقول “هومونرسيس” جديد، تقول تحيينا عصريا لكائن” يعيش لنفسه، وداخل نفسه”(15). بتعبير جوناثان دوداي.

      داخل هذا – Nexus(16)، تعلن اللوغاريتمات وتطبيقاتها على مستوى البرمجة داخل قاعدة البيانات والمعطيات الشاملة (Bigdata)، إمكانية حضور الذات ضمن وهم افتراضي، آخد في اجتياح كل أنماط الوجود الإنساني. انه الرقمي، بتنويعاته على مستوى الصور والاشكال، وحده، يمتلك اليوم صلاحيته التأشير على حقيقة حضور الذات. انه العتبة الأساسية لتوزيع الأدوار، وتنظيم التناوب على الفعل، وتأسيس التصريف “التقني-البلاغي” للرمزية التي يمثلها الجسد الإنساني، وتحديدا، واجهته الأكثر تعبيرية: “الوجه”. يقولنا الافتراضي ب “الايدلون”*(17) أمام انسحاب بحجم الظل في اللغة، وتراجع تراجيدي للوغوس، حيث السيادة، كل السيادة، “للفونطازم”، هذا المؤشر على علاقة تستوطن حقول الغواية في الصورة والدلالة. تلك عوالم السِّيلفي في مملكة الافتراضي. ارجاء متواصل لفعل الممارسة والحضور، لكن قبل ذلك، وبعده، يبقى السِّيلفي، حكاية، “وجه” و “جسد”، يبحثان معا، عن اعتراف افتراضي في منصات التواصل الاجتماعي، هو أيضا حكاية عين، تلتقط “وتنظر” الى الصورة، انتاجا وتداولا، لذلك فهو بالضرورة، حكاية “نظرة” أودعها الانسان كل طاقاته الانفعالية، كما يمكن ان تتحقق في علاقته بذاته، والاخرين، بما فيها علاقته بعالم الأشياء(18).

      ما ينساه السّيلفي، ما يتعمد نسيانه، هو ان الاحاسيس والانفعالات “ليست حالات مطلقة، ولا جواهر يمكن نقلها من فرد لأخر، اومن مجموعة لأخرى. انها ليست، وليست فقط، سيرورات فيزيولوجية يمتلك الجسد سرها. انها علاقات”(19)، في المقام الأول والأخير، لذلك فهي تعبيريا، تنضبط لنسق من المعاني والقيم، المشروطة بالتعامل الحي مع “الغير” داخل فضاء اجتماعي- زمني، تاريخي.  الغير/الاخر، ليس بوصفه واقعة بصرية افتراضية، ولكن بوصفه شرطا للمعنى” فعالم بدون “غير”، هو عالم بدون معنى (عالم) منذور للتبدد والعزلة(20).

     مايتناساه السيلفي،ما يتقصد نسيانه، هو أن الجسد واقعة انثروبولوجية، يتعذر الإمساك بها. “ان تكون جسدا، يعني على نحو ما، ان تكون محروما من القدرة على استعادة تامة لحياتك، هنالك تاريخ لجسدي لا استطيع ان اتذكره(21). اما الوجه، هذا الحيز الجسدي، المتميز لظهور “كل آخر”، العاري امام انظار الاخرين، بما هو ابراز لشكل “السِّمات التي تحدد هويتنا وتسمينا”(22). فسيتوقف، داخل الافتراضي، عن ان يكون تجربة للتفرد الإنساني، ليغدو وجها- شاشة- تعتقل رمزية التعبير،وتؤسطر سلسلة “بدائل” لانهائية، ل”أنا”، في اختلاط ملغز للحدود بين الواقعي والافتراضي.

     مع  الرقمي* لم نعد، بعد، نمتلك وجهنا الشخصي، بتعبير ماريون زيليو(23).

 

 

 

 

  • في دراسته Socio-Semiotique des « livres  à visages»، يشير ما سيمو ليوني الى تجذر سلطة الوجه في الأصول الأولى لِلاّهوت المسيحي، فهذا المنحى ذي التاريخ الطويل يؤشر على المركزية المتعالية لايكونوغرافيا الوجه في طقوس وشعائر الممارسة الدينية المسيحية عبر امتدادها الزمني تاريخا.

 

  • » opcit Socio-Semiotique des « livres  à visages Massimo leone-

 

  • انظر مقدمة سعيد بنكراد في ترجمته لكتاب الزا غودار “أنا او سّيلفي، اذن انا موجود” ص11.

 

  • نرسيس، على مايبدو، كان مفتونا بصورته، لكنه، على الأرجح، لم يكن معنيا بتقاسمها مع الاخرين، لذلك فشبهة النرجسية التي تطارد السّيِلفي، تظل مرتبطة باشتراطات وضعية الذات في زمن الحداثة وما بعدها، مع ما يرافق ذلك من افراط في تعميق التمركز حول “الأنا”. والا فان جرعات، معتدلة، من النرجسية، تبقى شرطا معقولا في سيرورة بناء الذات وتكوينها.

 

* نشير هنا إلى دراسة جيل دولوز حول الصورة في الممارسة السينمائية، حيث نبه الى أن اختلاط الوجوه، لا يعود، بالأساس الى التشابه فيما بينها، ولكن الى فقدانها لتفردها: انظر: جيل دولوز: الصورة- الحركة او فلسفة الصورة- ترجمة حسن عودة – منشورات وزارة الثقافة- المؤسسة العامة للسينما- دمشق 1997- ص 140.

 

  • Massimo leone : Sémiotique du Selfie : la glorification du présent : in :punctum 4(2) :pp :33-48 ;2018  Revue internationale du Sémiotique, numero Special sur : Sémiotique des Selfies : Edité par :Gregory paschalidis . http:// punctum.gr.

 

  • غي غوتيي. الصورة، المكونات والتاويل. ترجمة وتقديم: سعيد بنكراد المركز الثقافي العربي- البيضاء- الطبعة الأولى- 2012-ص 8.

*عرفت مقولة “الاعتراف” تحولات أساسية، في ظل الرَّجّات الكبرى التي اجتاحت مجتمعات ما بعد الحداثة، وهذا تحديداً ما يسطره جيل لوبوفتسكي، حينما يشير إلى أن “الاعتراف”، شهِد نوعًا من الخوصصة، بل اكثر من ذلك، هو الآن “آخِذٌ في التشخصن” إذ لم يعد مهما التصنيف الاجتماعي، أمام الأهمية الإستثنائية التي باتت تحظى بها الرغبة في الاعجاب والإغراء، لأطول وقتٍ ممكن،(أي) الرغبة في الحصول على إنصات الآخرين وقبولهم. هذا التحول المركزي في السياق الاجتماعي الاستهلاكي لزمن ما بعد الحداثة، ترافق مع تحرر الإغراء، من اشتراطات البنية الفوقية وإكراهات الأيديولوجيا، وهو ما رَشَّحَهُ لأن يصبح “علاقة” إجتماعيةً مهيمنةً، ومَبدأً يقوم عليه التنظيم الشامل لمجتمعات الوفرة. ومعنى ذلك أن الإغراء كاستراتيجية بات قادرًا على تحصين مواقعه، بالتزامن مع “تمكين الجمهور من تنوعٍ أوسع للسلع والخدمات بفضل التكنولوجيا والسوق”. انظر: جيل ليبوفتسكي: عصرا الفراغ، الفردانية المعاصرة وتحولات ما بعد الحداثة: ترجمة حافظ إدوخراز- الطبعة الأولى- بيروت- 2018 – مركز نماء للبحوث والدراسات – ص 19 – 20.

 

  • Roland Barthes- la chambre claire : note sur la photo graphie. Edition de l’etoile ; Gallimard ; le seuil-1980 p :29

 

  • ألزا غودار : أنا أو سيلفي إذن أنا موجود، ترجمة وتقديم سعيد بنكراد – ص 78- 79.

 

  • زيغمونت باومان: الحب السائل: ترجمة حجاج أبو جبر: تقديم: هبة رؤوف عزت ط 1 – بيروت 2016- ص: 18.

 

  • مصطفى صفوان. الكلام او الموت. ترجمة مصطفى حجازي- مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت- لبنان- أيار (مايو)- 2008- الطبعة الأولى- ص9.

 

  • مصطفى صفوان– نفسه- ص17.

 

  • زيغمونت باومان – الحب السائل – ص16

 

  • يرى مايسمو ليون في دراسته: Sémoitique du Selfie :la glorification du present ، ان السيلفي مع الزعيم/ الفاعل السياسي، يمكن اعتباره نوعا من “الميتا-سيلفي”، وذلك بالنظر الى الطابع الكاريزماتي للزعيم، الذي يسند حضورا وجوديا لاي كان، لمجرد ان يظهر الى جانبه في الصورة. قديما كانت “التوقيعات”، “الاوتوغراف”، جسر العبور نحو الحضور. اليوم، السيلفي، صيغة اكثر فعالية للتاشير على نمط الحضور الجديد. وهذا ما يعود بنا الى التصور الذي قدمه رولان بارث للفاعل السياسي الذي يرغب في ان نرى في صورته “وعاء اجتماعيا”، أي حمولة اديولوجية يسعى لترويجها وتسويقها لدى الراي العام، انضباطا لآلية “l’hethos “، كميكانيزم للتدليل والحجاج المنَظَّمَيْنِ لرهانات المعنى في الخطاب السياسي، انظر: Roland Barthes : Mythologies .opcit .p :150

 

(14) غي غوتيي – نفسه –ص9

(15)جوناثان دوداي – السيلفي بوصفة تمجيدا للتقاهة. ترجمة: سامية شرف الدين – مجلة : المجلة (ثقافة الموبايل) (عدد خاص) – العدد 46 – لندن – نوفمبر – 2018 ص54

 

(16) Nexus  : تستعمله الزا غودار، بوصفه رابطا افتراضيا يربطنا بالاخرين، مثلا مع هؤلاء الذين نتعرف عليهم في الشبكات الاجتماعية “اصدقاؤنا” « . انظر – الزا غودار – انا او سيلفي اذن هنا موجود –ص208.

 

(17) الايدلون، تستخدمه الزا غودار باعتباره “دالا على الصورة الهشة. انه يكشف عن عالم من الصور التي تتتابع بسرعة دون ان تكون محل تاويل، لا لأنها لا تعمر طويلا في الشاشة فحسب، بل لأنها ايضا ليست سندا لاي مضمون. انها تضع اشياء للرؤية فقط – الزا غودار- انا او سيلفي اذن انا موجود – ص208.

 

(18) غي غوتيي – نفسه –ص12

 

(19) David le Breton : les passions ordinaires Anthropologie des emotions. Collection « Chemin de traverse »- Paris – 2001-p :9

 

(20) David le Breton – opcit. P :29

 

(21) جوديت بتلر – الذات تصف نفسها – ترجمة فلاح رحيم – دارالتنوير- الطبعة الاولى – 2014 –ص88

 

(22)  DAVID LE Breton : le visage et le sacre. Quelqus jalons d’Analyse. In :Religio logique n°12- printemps :     1995 – p :51

http://www.Religiologiques.uqam.ca/visage.

*  ما تعرضه الأزمنة الحديثة، اليوم، أمامنا، هو تقنية رقمية “تنفلت من عقالها، بتخلصها من الإنسانية المنتجة لها” أي أنها تقنية ترتدُّ ضد الإنسان، الذي هو شرط انتاجها الأول والأخير، طبعًا الأمر، لا يتعلق بشيطَنَةٍ للرقمي-التقني، ولا بمؤامرةٍ يُدَبِّرُها البعض ضد الآخر، ذلك أن المسألة تعود، في عمقها، لِقَدَرٍ تاريخي بالأساس، قَدَرٍ “اندلع يَوْمَ اتّخَذَ الوجود صبغَة رياضية، فتعينت علاقة للإنسان بالإنسان جديدة، وعلاقة لهذا بالوجود”. واستنادًا إلى ذلك، لم يعد ممكنا للتقنية ان تتحدَّد إلا بوصفها انتاجًا، ليس بمعنى الصنع، ولكن بمعنى الإنكشاف المرتبط بالطبيعة، بما هي “مستودع للطاقة”. حتى الآلة- والتي هي نفسُهَا أداة التقنية- ليست آلة ألاّ بمقدار ما فيها من رياضيات. لذلك فالتقنية لن تكون، في المقام الأول والأخير، سوى شكلاً من أشكال الحقيقة وكيفية من كيفيات الوجود، وهي الكيفية التي يختفي فيها الوجود ليظهر كمستودع”. انظر: أدغار موران، ثقافة أروبا وبربريتها. ترجمة محمد الهلالي – الطبعة الأولى- 2007. دار توبقال للنشر – ص 6 . وكذا : عبد السلام بنعبد العالي: الفكر في عصر الثقنية – الطبعة الألى. افريقيا الشرق – 2000 – ص: 10- 14- 15.

 

(23) Marion Zilio. Face world :le visage aux XX le Siecle. Edition . puf- collection (perspectives critiques) – Paris – 2018

ترى زيليو في هذه الدراسة ان تاريخ الوجه يظهر كما لو كان تاريخا لِنِسْيان اصوله، فالتعاطي مع الوجه كقيمة ثقافية، لم يتم الشروع فيه الا بدءا من منتصف القرن التاسع عشر، لذلك جاء الكتابُ اسْتِقْصَاءً  لِثِيمَةِ الوجه” منذ الاصول الاولى للانسانية وصولا الى مرحلة السيلفي، مع ما يصاحب ذلك من تساؤلات حول تقنيات صناعة الوجه، سياسيا، اقتصاديا، قانونيا وفنيا.

 

  • حميمية في العراء:

     “هنا، والآن” هو زمن الافتراضي بامتياز، انه الإيقاع المتسارع الذي لا يرضى بغير زوبعة أنماط الحياة الإنسانية وضروراتها، مع ما يعنيه ذلك من افتتاح لامكاناتِ الانفلاتِ من الشرط المكاني، والحيز الترابي، وشرط المحدودية، وهذا تحديدا ما يضاعف الإحساس بعدم الاستقرار إزاء التحولات الدائمة، ويصعد الشعور باللا يقين والقلق، والعزلة”(1). فالافتراضي، يضعنا امام علاقات اجتماعية، تتوسطها الصور، لذلك لا يمكنه الا ان يطوِّح بنا داخل ” عالم فيه للخدعة نصيب من الحقيقة والفعل والفعالية… عالم يكون فيه الشيء بقدر ما لا يكون”(2).

     التأرجح هنا، بين الحضور والغياب، هو ما تختبره الذات عبر تجربة السيلفي داخل منصات التواصل الاجتماعي، فالتكنولوجيا المعاصرة اغرقت الافراد بحضور كلي للصور عبر الشاشات، حضور تعطلت معه ممكنات تأسيس المعنى، وتحول، بمقتضاه، الفضاء الحميمي الى امكانٍ في تضاؤلٍ مستمر، مادام التقني اخد في اختلاس ما تبقى من مناطق الظل في النفس.

    لقد سبق لايريك لاندوسكي- Eric Landowski، ” في سياق مقاربته السيميائية لانظمة التفاعل، التنصيص على كون تجربة اللقاء بين الذات والأخر، لا يمكنها الا ان تكون تجربة ، “خطر واثارة”(3)  في الوقت ذاته، ذلك ان التفاعل، هنا، يغدو تأسيسا استيطيقيا لبلاغة التعامل الدال مع وجه الاخر، ليس بوصفه قناعا مبرمجا على نحو قبلي، لتحقيق امتدادات تَخُصُّ “أناي” الشخصي، ولكن كأفق للتعايش الحر والمسؤول مع الاخر.

    هل تسمح بنية مواقع التواصل الاجتماعي، كفضاءات لللِّقاء، بهذا النوع من التفاعل؟

    يقترح السيلفي نفسه بوصفه صورة تحادثية*، أي صورة تستهدف انجاز عملية تواصلية مع سلسلة من المتلقين الفعليين او المحتملين، فهل يحقق السيلفي، عمليا، هذا الشكل التواصلي الحي، داخل التجربة الرقمية الافتراضية؟

    المدى الذي يفتحنا عليه السؤالان، هو نفسه ما يستوجب الاقتراب من دلالة المتلقي ومعناه داخل البعد الافتراضي لتجربة السيلفي، فالمتلقي يمكنه ان يكون “شخصا بعينه، ولكنه قد يكون في الغالب آخر” متعدد الأوجه، هو ما يمثله مجموع “الأصدقاء” في الشبكات الاجتماعية(4). المتلقي هنا، يتحول الى فرضية، لاتحضر الا لتختبر فعل “التلصص” على حميمية شخصية، ينبري السيلفي لترجمتها وصياغتها، طبقا لمتخيل “الأنا” وضوابط الشبكة. ان إعادة البنينة، التي تخضع لها الذات في تمثيلها وعرضها لنفسها داخل السيلفي كممارسة رقمية، لا تتناسب على الصعيد النفسي، الا مع اختفاءٍ للفضاء الصراعي الفرويدي، لفائدة إحساس بالفقر (ضياع النموذج)، بالفراغ الداخلي، الذي يجعل الذات اكثر حساسية إزاء التغيرات الثقافية والاجتماعية(5). والدور الذي تلعبه شاشة السمارتفون هو نفسه الدور الذي تتكفل المِرْآة بتقديمه ، فهي “قد تضل وتغوي” (6). وقد تعكس نسخة لصورة الذات “في اللحظة والحين”، قد تصدر حكما، لكن ” لا دوام لحكمها”(7). الظهور على الشاشة هو ما يفتن، ليس فقط لانه يضمر نزوعا لتكثيف الانفعالي/ العاطفي في الحيز المرئي للصورة، ولكن أيضا، لانه يسمح لمتلقي السيلفي بإمكانية “الاستيلاء على حميمية الآخر”(8). فالفيسبوك، كمنصة تواصلية اجتماعية، لا يتوقف عن ترسيخ بنيته كبيت مرايا، داخله تنعكس صفحات الوجوه، وتتردد أصداء ما تود النفس سماعه(9)، دون ان يكون قادرا على ان يبلغ وضعه الاعتباري كجسر لللقاء الحر بالغير داخل تجربة حية في الزمني-الاجتماعي-التاريخي. الافتراضي عبر “الصورة-النموذج” التي يسوق لها السيلفي، يؤسس لما يسميه عبد السلام بنعبد العالي “السعادة بالتقسيط”(10). يدعونا لأن نقدم أليق صورة عن انفسنا، يستدرجنا عبر منطق اللعب والمتعة، الى الانخراط في فضاء “للاستعراء” (Exhibition)، حيث الاحاسيس أطياف لاتأتي الآن، الاَّ لكي تنقضي في اللحظة الموالية، وكلما اتسعت دائرة الزمنية الافتراضية، ضاقت دائرة “الآنا” الواقعية … الانفتاح على العالم، لا يمكن ان يتحقق إلاَّ من خلال عزلة قاتلة: سيكون المرء في الشبكة وحيدا وسط الجموع . اقصى درجات العزلة(11). ان نكون بالشاشات، بينها ومعها، هو ما يميز نمط حضور الانسان في حداثة التقنية الرقمية. وسؤال الحميمية المحتجزة، المنذورة للتقاسم، سيظل علامة فارقة على “الكيتش” الذي بات عنوانا ل”جماليتنا واخلاقنا اليومية”(12). الرقمي، هنا، ومن قبله التقني، لا يَعِدُ الاَّ بتعاظمٍ وهمي، لحضور كلي ينعش الذات، ويسعف رغبتها في ان تكون مرئية بإفراط، ولكنه في الواقع ، ليس الا تعميقا لتغييبها. انه “إستيهام محض”، لا ينتج الا مزيدا من العمى، بتغيير ادغار موران(13)، وهو ما يتواشج مع منطق الاستهلاك الذي سرعان ما يغدو هو ذاته، متعة ولذة(14). الى الحد الذي يندفع معه المرء “نحو استهلاك الاستهلاك”(15). السيلفي، في مواقع التواصل الاجتماعي، حيز افتراضي لنسج علاقات التفاعل مع الاخر، الذي يظل في الغالب الاعم “مجهولا”. لذلك فهو يقترح ذاته كصيغة دالة داخل فضاء التواصل البصري، كرديف للمعيش اليومي الذي توقفنا عن ان نعيش داخله، لنستبدله بالعيش “ضمن واجهات تزينها الصور وحدها، وهو ما يعني ان الاخرين لا يبحثون عن الحقيقة فينا، بل “يتمتعون” بنا كما نحن في الصورة(16) او بالأحرى، كما نرغب ان تقدمنا الصورة. إنَّ ما كان حتى عهد قريب شانا شخصيا، حياة خاصة، نُغَلِّقُ دونها الادراج والدواليب، ها هو الان امام انظار العالم، ملك مشاع، منذور لان تتشاطره اعين مجهولة متلصصة … حميمية* تخلصت من عالمها الجواني، غادرت ملكوتها  الباطني العميق، لتحط رحالها في عراء الشاشة المستباح، باتت الرغبة غاية نفسها، و”الوجود في محط الأنظار (صار) أسلوب وجود في حد ذاته”(17). لقد أتاح المنجز التقني في بعده الافتراضي، إمكانات هائلة للتشويش على الحدود بين الفضاء الشخصي الخاص، والفضاء العمومي، وباتت العلاقة  بين الفضائين، عائمة، ملتبسة، بعيدة عن سلطة التحديد والترسيم. هذا التشويش، تحديدا، هو ما بلورته منصات التواصل الاجتماعي، حينما رسخت منطق اشتغال الدلالة داخلها، بوصفها راسمالا اجتماعيا مشرعا على اكتساح الصورة ومنظورية المستخدمين، والحميمي، نفسه، بوصفه هامشا للتواري، لما لا ينقال، للصمت(18)، تحول الى فضاء عمومي مفتوح على الاغيار، تماما مثلها هو مفتوح على” الإستعراء”(19) كالية دالة داخل بنية تنظيم الخطاب بصريا كما اتاحته الصورة في السيلفي.

    إن مفهوم العالم الداخلي، باعتباره حدًّا للحميمية، حدًّا يصعب اختراقه، أي بما هو ضامن لإستقلالية الذات، غدا معرضا لان يفقد حيزه واراضيه، لفائدة تمثيل معلوماتي، يعرض الذات ويقدمها للاخرين، وهذا ما يتناسب مع ما يسميه فيليب بروتون “الذات دون دخيلة”(20)، أي ان الحميمية باتت فرجة، ومشهدا للعرض، بعد ان كانت نواة الكائن، وشرطه الأساس في الحرية والكلام والتفكير والابداع. الحميمي تحول الى شيء يعاش داخل الفرجة، لذلك فهو يحضر في السيلفي/ فضاء الفرجة “مبتعدا” عن ذاته، مفوضا بديله وصورة عنه(21). ينكمش العالم الداخلي ، ليتيح للرقمي الافتراضي، ان يصير”Second Self” بتعبير Turkle (1986)(22). وهنا، يحق للذات ان تلملم بقاياها المهشمة، لتطرح سؤالها الصاعد من صميم مدارها الحيوي. هل مازال بالإمكان العثور على مكان، يكون المرء داخله بِمَنْأَى عن نظرات واحكام الاخرين؟ هل للذات الخيار في ان تحدد ما يمكن ان تقدمه عن نفسها. بوصفه عرضا/ موضوع رؤية من طرف الاخر بالمطلق، وما يمكن ان تحتفظ به لنفسها كسرٌ شخصي لا يعني أحداً غيرها؟

    يأتينا الجواب من الزا غودار، صاعقا، حاسما في شأن هذا الخيار: “الدخول الى شبكة اجتماعية، معناه، “القبول، بشكل ما، ان تكون متلصصا”، ورقيبا وقاضيا، هذا بالاضافة الى كونك تتعرى امام الاخرين. فالتلصص جزء من لذتنا. انه يمنحنا نوعا من السلطة على الاخر، وهي سلطة يمثلها التقدير الحر(23). لا مجال، اذن، للمساومة بين حَدَّيْ الذات: الجواني والبراني، كلاهما صورة في مزاد التسوق. لم نعد على وشك ان نستبدل حياتنا الحقيقية بالعالم الافتراضي. بل شرعنا بالفعل في عملية الاستبدال هاته. لقد اختفى الحلم والمتخيل والفعل الاستعاري، وتراجعت المساحات الخاصة بالرمزي، لتحل محلها الرغبة في “الاتصال الدائم”، أي “كل ما تحقق في اللحظة” كما يمكن ان تعاش، في زمنية تنتشر في “فضاء افقي”، مصدره كل الشاشات: التلفاز والحاسوب واللوحات والهاتف المحمول”(24).

    الذاكرة نفسها أصبحت موضوع برمجة، يمكن تجريبيا، تخزينها داخل الجهاز، والتمثيلية الفرويدية للاوعي، شرعت في النزوع لأن تتشكل كاستبدال بالنموذج المعلوماتي الذي يجسده الحاسوب”(25). لذلك فالسيلفي لا يمكنه، بدءا من هذا المنظور، الاَّ أن يكون سعيا الى تفريغ طاقة الذات، عبر ظاهر الصورة “في الرغبة وحدها، خارج آفاق الحلم وطريقته في تدبير الانفعالات”(26). ففي العالم الافتراضي، هناك دوما، من يبدي استعداده، ليقرأ لنا، وليشاركنا “اللايك” معربا عن إعجابه ودعمه”(27). انه فخ انسان العصر الحديث، بتعبير باومان، فخ يصطاد عواطفنا، وبقايانا الهشة، حيث تسود أنماط علاقات غير مستقرة، لاحس للمسؤولية داخلها. ملتقط السيلفي، كما يظهرفي السياق التداولي لشبكات التواصل الاجتماعي، يظل غير معني ب”الدائم” في الزمان، بدلا من ذلك، “يسعى جاهدا الى تصوير اللحظة، من خلال اسقاط صورة عنه، لن تكون “أناه”، داخلها، هي ذاتها في اللحظة الموالية”(28). الامر يتعلق، اذن، بسلسلة متواصلة من النسخ الثابتة، الخالية من روح الحياة، وخطر التجربة الحية. بهذا المعنى يقولنا السيلفي، في الشرط الرقمي. حتى الصداقة*، هذه القيمة الرمزية في التجربة الإنسانية، ستتوقف عن أن تكون أفُقًا مفتوحا على اختبار المشترك الأخلاقي في الحياة، لتتحول الى مجموعة أعداد و”بروفيلات” باهتة، معلقة على جدار الفايسبوك، مجموعة ارقام يمكن احصاؤها، وبرمجتها، بل وتحييدها بمجرد حركة اصبع، بنقرة باردة من ابهام اكثر برودة.  

    الصديق “اخر، هو انت”، كما عبر التوحيدي، سيتحول مع الافتراضي، وبه، الى مجرد صدى، او “شبيه ساكن” “Pseudo Statique“، لا يحضر الا بوصفه امتدادا للذات في ذوقها، واهتماماتها المشتركة داخل “غرف الدردشة”.

    ان الحضور المفرط للصور في الشاشات، هو ما رشحها لان تحل محل العالم، الذي كان يفترض، حتى عهد قريب، ان تعيد عرضه وتمثيله. كل شيء يخضع، اليوم، لمنطق التشبيك، لاوجود للمؤسسات خارج الشبكة، الانتماء الى الشبكة، يبدو كما لو كان قرينة اشعاع، وعلامة تألق وانتاجية. لكن ما يجهله التقني، هو هذا الحيز غير المحسوب، هو ما لا يقبل العد والقياس “كالحياة والالم والفرح، والبؤس، ونوعية الحياة والجمال، والعلاقات مع الوسط الطبيعي”(29).

    صحيح ان السمارتفون، قد فاقم من حدة اختراق الحدود بين الفضائين، الخاص والعام، واتاح للذات إمكانية ان تتمظهر عبر عرض يتجذر في زمنية “اللحظة”، داخل البعد الكوني للشاشة. لكن صحيح أيضا، ان الانسان مع الرقمي في بعده الافتراضي، قد خسر الشيء الكثير، خسر “الحميمية والحياة الخاصة والحرية والحس النقدي، لقد ردت هويته بكل غناها الى دائرة الاستهلاك وحده”(30).

    ان سيرورة رقمنة الجسد، وعلى راسه الوجه/فضاء الدلالة بامتياز، وتشفيرهما في مختبر الشاشات، فضلا عن مسلسل اعتقال الحميمية، واحتجاز ابعادها الرمزية، كل ذلك لم يسمح. الا بتعميق الإحساس والوعي معا، “بموت الواقع”، كما يعبر جان بودريار، أي انتاج النمادج التي يمكن ان تظهر كما لو كانت “اكثر واقعية وتطورا ودقة من الواقع نفسه”(31). لذلك فالرهان النقدي، معرفيا ووجوديا، لا يمكنه الَّا أن يسارع الى العودة بالشخصي، او على الأقل، بما تبقى منه، الى دائرة الرمزي-الإنساني العميق، الى الحياة الخاصة، التي “ليست شيئا آخر، غير هذا الحيز الفضائي-الزماني، حيث لا أكون صورة، ولا موضوعا”(32) بتعبير رولان بارث.

 

  •                        Claudine Haroche : le Sujet face à l’accéleration et à l’illimitation Contemporaine. In : Educ. Recherche.vol .41 n°4saopaulat. Oct/dec.2015. p :2

http://www.dx.doi.org/10-1590/s1517-97022015041920

  • عبد السلام بنعبد العالي- ضد الراهن – دار توبقال للنشر- الطبعة الأولى- 2005 –ص 37.
  • Massimo leone-Socio-Semiotique des « livres a visages » opcit.   

*نحيل هنا على الدراسة التي انجزها  Andre gunther – بعنوان : L’image conversationnelle. In : Etudes photographiques /N° 31 printemps 2014 la levue Francophone de reference en matiere d’etudes visuelles)./journals. Openedition. Org/ etudes photographiques/ 33877

  • الزا غودار –نفسه –ص141
  •  Céline la fontaine : nouvelles technologies et subjectivité : les frantieres renversses de l’intimité. In : sociologieet      societes 35 (2) – Automne 2003 .p :204  http:// doi.org/107202/008531a
  • عبد الفتاح كيليطو – بحبر خفي – دار توبقال للنشر – ط1 – 2018 –ص39
  • عبد الفتاح كيليطو – بحبر خفي – دار توبقال للنشر – ط1 – 2018 –ص3
  • الزا غودار – نفسه – ص144
  • زيغمونت باومان. كيف أوقعت بنا وسائل التواصل الاجتماعي؟ ترجمة: حورية عمر موسى : مجلة : حكمة : من اجل اجتهاد ثقافي وفلسفي //www.hekmah.org   http:
  •  عبد السلام بنعبد العالي – الفلسفة فنا للعيش  – دار توبقال للنشر – الطبعة الأولى -2012- ص 135
  •  سعيد بنكراد : السيلفي اقصى درجات العزلة – موقع سعيد بنكراد – http://www.saidbengrad.net
  • عبد السلام بنعبد العالي – نفسه- ص14
  • إدغار موران. الى اين يسير العالم؟ ترجمة: احمد العلمي الدار العربية للعلوم ناشرون – الطبعة الأولى – 2009- ص36
  • عبد السلام بنعبد العالي – نفسه- ص13
  • عبد السلام بنعبد العالي – نفسه- ص135
  • سعيد بنكراد – السيلفي اقصى درجات العزلة – موقع سعيد بنكراد –  http://www.saidbengrad.net

*  في دراسته  l’intime : l’abri du sujet ، اوضح Pascal Dupond  أن الحميمي لا يفصح عن بِنيَتِه إلا في اللحظات التي يكون فيها مهدَّدًا أو مُعرّضًا للإقتحام. “ومعنى ذلك أن الحميمي علائقي بالطبيعة، فهو لا يمكن ان يوجد إلا” داخل توتر داخلي، داخل لعبة، اللعبة المزدوجة لتمظهره وتواريه، لنهاره وليْله، يختفي الحميمي إذا كان مُجْبَرًا أن لا يكون إلا نهارًا (مَرْئِيًا). أو لَيْلًا (غير مرئي)”. هذا التصور، هو تحديدًا، ما سَيَعْمَدُ   سيرج تيسرون إلى اسْتِقصائِهِ ضمن سياق نظري مفتوح على استثمار آليات التحليل النفسي، فنحن- حسب تيسرون- لا نرغب في إظهار أجزاء أو مقاطع من الذات، إِلاَّ لأنّنا نعرف كيف نستطيع التواري”، فالحميمية والمنظورية l’intimite et la vesibilite ، يُشَكِّلانِ معًا، الوجه والوجه الآخر لنفس الإشكالية”.

انظر: Pascal Dupond : l’intime . l’abri du sujet. in : philopsis : Revue Numerique. P : 1-6                                 http://www.philopsis.fr

 وانظر أيضا: Sergetisseron : intimite et extimite. In : Communication : cultures du Numerique : n° 88 Annee 2011 seuil – Paris . pp : 84-85 .

  • زيغمونت باومان – الحداثة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. تقديم: هبة رؤوف عزت – الشبكة العربية للأبحاث والنشر- بيروت- الطبعة الأولى – 2016- ص 125
  • الاستعراء ، يتحدد بوصفه سلوكًا، يساعد على استثارة الاستيهامات ويغديها، وهنا يكمن الانحراف الذي يميز المجتمع ما فوق حداثي: أن يحُلَّ الاستيهام محل المتخيل. انظر – إلزا غودار – أنا أو سِّيلفي، إذن أنا موجود – نفسه – ص 137. و يشير ميكاييل فوصل، إلى أن الإستعراء، يكون أقدر على الإفصاح عن جانبه الوظيفي، الأيديولوجي، حينما يتحول إلى آلية لتنظيم الخطاب وإنتاج الدلالة داخل استراتيجية الفاعل السياسي، الذي يلتمس أن يكون مرئيا طبقًا لهذه الآلية، وبالتالي أن يتم تقويم وتثمين أدائه ضمن المدارات الدلالية التي يبلورها الاستعراء كميكانيزم يسندُ رمزيًا مستوى الشفافية في تعاطي الفاعل السياسي مع جمهوره.

 انظر: Michael Foessel :laprivation de l’intime mises en scene politiques des sentiments                                                    Edition du seuil- paris- octobre- 2008 – p 7.

  • Céline la fontaine : nouvelles technologie et subjectivité. Opcit- p :204
  • عبد السلام بنعبد العالي- ضد الراهن –ص6
  • Céline la fontaine : nouvelles technologie et subjectivité. Opcit . p :207
  • الزا غودار – نفسه –ص141
  • انظر المقدمة التي خص بها سعيد بنكراد ترجمته لكتاب الانسان العاري. الديكتاتورية الخفية للرقمية. لصاحبيه : مارك دوغان وكريستوف لابيه – المركز الثقافي للكتاب – الطبعة الأولى – 2020 – موقع سعيد بنكراد  http://www.saidbengrad.net
  • Céline la fontaine. Opcit . p :208
  • سعيد بنكراد : السيلفي اقصى درجات العزلة. موقع سعيد بنكراد .  http://www.saidbengrad.net
  • زيغمونت باومات. كيف أوقعت بنا وسائل التواصل الاجتماعي  http://www.hekmeh.org

*كيف يمكن ان نحدد الصداقة؟ أهي حاجتنا إلى العيش معًا؟ أم هي مجرد ميل أو تعاطف متبادل بين شخْصَين يتقاسمان قيمًا أخلاقية مشتركة؟ هل تتححقق الصداقة خارج روابط الدم ووشائج القربى؟… تلك عَيِّنَةٌ من الأسئلة، يلتمس عبرها الشاعر منصف الوهايبي، التعريج على الصداقة كتجربة حية في الزمن والتاريخ، وأيضا كمعطى ثقافي نظري أختبرته أدبيات الثقافة العربية القديمة، كما هو مُسطَّرٌ في “الادب الكبير” لابن المقفع، و”باب في معاملة الصديق” لابي سليمان الخطابي، وفي “الصداقة والصديق” لابي حيان التوحيدي، إلى جانب ابن مسكويه، وابي حامد الغزالي، وابن حزم الاندلسي في رسالة “في مداواة النفوس ” وغيرها من المتون العربية القديمة، التي ظلت شاهدةً على الوضع الاعتباري للصداقة كتجربة أخلاقية استثنائية على صعيد الوجود الإنساني: انظر: منصف الوهايبي: الصداقة يأسًا : جن سقراط.  القدس العربي – 30 دسمبر 2017.

  • جان بودريار – ادغار موران – عنف العالم – ص82
  •  انظر التقديم الذي خص به سعيد بنكراد ترجمته لكتاب الانسان العري. الديكتاتورية الخفية للرقمية. http://www.saidbengrad.net
  • عبد الله الهميلي: الشاشة الكونية وميتافيزيقا الحضور.- مجلة المجلة- (عدد خاص – ثقافة الموبايل)  العدد 46 – لندن – نوفمبر 2018 – ص30.

 

  • Roland Barthes- la chambre claire opcit . p :32.

 

  • السِّيلفي: زوبعة اللغة، الزمن و الفضاء.

 

    عالمنا اليوم، عالم الشاشات بامتياز، أينما وليت وجهك، فثمة شاشات باحجام وقياسات متنوعة. الشاشة، راهنا، منعقد الأسئلة، ما الذي يمكن ان يعنيه، اذن، التقاط السيلفي داخل هذا السياق المحتشد بالشاشات؟ ماموقع السيلفي داخل هذا العالم المأهول بدفق الصور وتلاحقها؟ ثم مذا لوكان السيلفي لغة جديدة؟ ماذا لو اجترح، أستاذا الى مركزية الصورة، نمطا تعبيريا جديدا ؟ أسئلة عديدة، وغيرها كثير، تتسابق لتضيء وضعية اللغة داخل البنية التداولية للسيلفي. لقد أوضحت إلزا غودار ان العالم “لم يعد قابلا لان يُحْكَى. انه يكتفي بان يكون قابلا لأن يُرَى، لقد حلت الرؤية محل الفكر”(1). مع الرقمي، اذن، اصبحنا امام قطيعة بين عالمين. عالم يحكي نفسه، وعالم ينصِّبُ نفسه موضوعًا للرؤية، وهو ما يؤشر على نوع من الانتصار للعين، على حساب اللغة، التي ما انفكت، تقترح نفسها كسند للتبادل والفهم.

    مايحضر في العالم الافتراضي، كما تؤسس له مواقع التواصل الاجتماعي، هو “النشاط الكلامي” الذي يظل قاصرا عن تلبية حاجة التواصل، ذلك ” انه هو، في ذاته وظيفة تحتاج الى منتج موضوع للاستهلاك” لقد بتنا، مع المنجز الرقمي، مدعويين الى تخصيص زمن “للكلام” يكون خاليا من اية مردودية عدا الكلام ذاته”(2)، فالصور الرقمية، كما هي في السيلفي، تشهد على اختفاء لغة، وميلاد أخرى، “لم يعد التأويل فيها أولوية”(3)، لان الأولوية، استاثر بها الايدلون، وحازها الرديف، الهش والعرضي*، بحيزه الانفعالي، ذاك الذي لا دوام له، المعرض للمَحْوِ، دون ان يخلف اثرا، يختفي ليحل محله آخر، و “السنابشات”، نموذج صارخ لهذه الوضعية، فهو يتحدد كتطبيق متحرك لرسائل بصرية، يقوم بمحو الصور ثوان بعد رؤيتها”(4).

    صحيح ان السيلفي، يقدم صورة “الأنا” كصيغة للضبط التوثيقي داخل الفضاء الجغرافي “كنت هنا، في هذا المكان، وفي هذه اللحظة تحديدا”، أي نوع من الشهادة، لكن صحيح أيضا انه يسعى الى الإفصاح عن المغامرة المتفردة لل “أنا”، اثناء التقاط الصورة، وهذا تحديدا ما يعجز عن صياغته وترسيخه، فالصورة، لا يمكنها  الَّا أن تكرر ميكانيكيا “مالم يعد ممكنا ان يتكرر وجوديا”(5). هكذا نفهم، اذن، انتقال ملتقط السيلفي من وضعية الاستمتاع الحي باشياء العالم الى وضعية الاستمتاع بعرض صورته مع اشياء العالم، وهذه مفارقة تنغرس عميقا في تحجيم الدلالة داخل الارسالية البصرية للسيلفي، فاذا كانت اللغة لا يمكنها ان تتاسس الا انطلاقا من نظام الوجود من حيث هو مظهر، فانها مع ثقافة الشاشة، تستبدل العالم ب “التيلي-عالم، (أي)، بمقتطف من الصور التي توجد فوق المحسوس، (و) تقدم نفسها على انها هي المحسوس بلا منازع(6). لذلك فالصورة، في السيلفي، تظل قاصرة، عن أنْ تحمل المعنى، فهي لاتقول شيئا عدا ماتظهره، مما يفسح لانخراطها في لغة معممة، تندرج في مجال المباشر، وهو ما اسمته إلزا غودار، Pic-Speech، والذي يعني حرفيا “خطاب عن طريق الصورة”(7). لقد توقفت الكلمات والجمل ، عن ان تكون ذات شأنٍ في صور السيلفي، وبدلا من ذلك تربع على عرش البصري “الايدلون”، الذي، لايمكنه الا ان يرسخ ضحالة المرئي، بكل مايعنيه ذلك من” هيمنة للعواطف والمحسوس على العقلي”(8). إن وابل الصور التي تنهال على الانسان الرقمي في كل لحظة وحين، وتقتحم عليه فضاءاته من كل حدب وصوب، لايمكن الا ان يؤسس لتحول عميق في بنية البصري الذي بات، شيئا فشيئا، “يقترح نفسه كبديل كلي عن الواقع”(9)، لذلك فما تسعى الذوات الى تحقيقه، في زمن الرقمية الحديث، لا يمكن ان يجاوز حدود” الإمساك بمضمون شحنة انفعالية لا تشبع الا في الافتراضي”، ولا يستوعبها الا ما يقدمه الهاتف المحمول، او ما تلوح به “جدران” الفايسبوك، التي تعطي، وتستعيد ما اعطته، حسب ما تقوله “الجيمات” (اللايكات)، او تتجاهله”(10). وهذا تحديدا ما يفسر الهروب الى الافتراضي، من واقع يتعذر استيعاب أسئلته وقضاياه خارج الصور الدالة عليه. على ان اللغة، ليست وحدها التي طالها الانكماش داخل عالم الرقمية ومداراته الافتراضية، الزمان أيضا إنكفأ على نفسه، ليتخلص من حدَّيْهِ (الماضي والمستقبل)، قبل ان ينحشر في زمنية اللحظية والمباشرية، يتعلق الامر بزمن ثالث “يقتطع من دفقه الدائم، ويوجه الى المتعة والانتشاء(11)، وهذا مايتواشج مع منطق العصر الحديث، الذي لم يشرع في الوعي بنفسه الا عبر سيرورة العولمة، التي نهضت أساسا على بناء كوني لزمنية مهيمنة، لم تمارس حضورها الا بدءا من التعبئة المتزامنة “للاجساد، واشكال الوعي، لفائدة تمدد اقتصادي عالمي يخص سوقا في نمو دائم”(12).

   لقد تم توجيه الزمنية، في ثقافة الاستهلاك، طبقا لتطلعات نظام اقتصادي هاجسه الربح، ولاشئ غير الربح وحده، فنحن لم نعد معنيين بالصدى الجواني للزمن، ولا بتمططه او تمدده، بقدرما اصبحنا منشدِّين الى الحاضر في آنيته المباشرة، لذلك، فليس تصورنا الموضوعي للزمن هو الذي تغير فقط، بل أيضا “احساسنا الداخلي بما يسميه برغسون “المدة الداخلية”(13). لقد ظهرت للوجود زمنية جديدة*، هي الزمنية الاستهلاكية، بوصفها فضاء وجوديا، يتحدد “من خلال” كميات “زمن، ينتشر في شبكات التواصل، او يباع ويشترى في الأسواق، كما تباع كل السلع. الساعة والدقيقة، والثانية”(14). خاصية الاستعجال، هذه، هي ما يطبع زمن الرقمية: صور تتلاحق على نحو سريع، وبإيقاع يصعب قياس امدائه، ويبقى الزمن اللحظي للشبكات والمعلومات، هو ما يقدم نفسه بوصفه زمن انجاز الواقعي، “زمن ما يحدث”(15). من هنا نفهم زمن السيلفي “هنا والان”: تمجيد للحاضر، وتبخيس للماضي والمستقبل، ف”ما يهمني”، هو ما يمكن ان احصله الآن”(16)، وزمن الشاشة، لا يحجب زمن الواقع، الاَّ لأن الشاشة هي “الواقع ذاته في مباشرته، وحيويته وحياته in live(17). حتى الأشياء توقفت في زمان حداثة الاستهلاك، عن ان تكون سلعا، “وعلى نحو اصح، لم تعد حتى علامات يمكن تفكيكها وادراك معناها ورسالتها (وغدت) اختبارات تسائلنا، ونحن مطالبون بالاجابة”(18). يتعلق الامر، اذن، بزمن الصورة في السيلفي، بكل هشاشتها، وعرضيتها، صورة تُسَطِّرُ سيادة اللحظية، وتراهن على تبئير اللعب على العاطفي، مع ما يرافق ذلك من محو للْحدود بين المسافات والامكنة. انه اقتصاد المتخيل الانفعالي. لقد عمد منطق السوق الى بنينة الزمان الإنساني طبقا للايقاع المنهك لحاضر خالص (دون ماض او مستقبل)”(19). لذلك انكمش الزمان: ماض- حاضر- مستقبل، ليشكل زمنية واحدة، هي زمن “النقر”  أي ما تسميه الزا غودار: l’emidiat connecting، ولم تعد القيمة الاستعمالية للزمن، داخل عوالم الرقمية، موصولة بالأُفق الحاضن لاستثمار ممكناتنا، بقدر ما أصبحت قيمته في ما يقدمه لنا من حيز منذور لاشباع رغبة الانتشاء واللعب، “اننا نعيش الزمن” بالمباشر ” الافتراضي، خارج تمفصلاته الاصلية، التي تجعل منه كيانا قابلا للعد، لقد تحولت الحياة الحقيقية الى “موعد” عابر في الواقع، لحظة بسيطة مستقطعة من زمنية، تعاش في الافتراضي وحده. لقد حرمنا النيت من ان نكون وحدنا، عندما اوهمنا اننا لن نكون وحدنا ابدا”(20). لا مجال، اذن، لفسحة الترجي او مرارة الصبر، لا إمكانية متاحة لاستيعاب الانتظار، او المبادرة بالاستباق، المباشر المتصل، وحده، هو الزمن الافتراضي بامتياز، لذلك تاتي الصور، داخله، بوصفها نسخا لاروح فيها! محركها الأساس، الافتتان بالصورة/النموذج، مما يؤسس لعزلة تتمادى في استهلاك الزمن، لا من داخل حميمية مباشرة، ولكن عبر السطح المحايد لشاشة اكثر حيادا.

   إن أبعاد “الأنا” في صورة السيلفي، ضمن سياقاته التداولية، كما تحددها منصات التواصل الاجتماعي، تظل محدودة وفقيرة، طالما انها تقتصر على “مايجب أن يحضر في العين حافيا، أي ما يجب ان يوجه الى اشباع لحظي، كما تقتضي ذلك كل حالات الاستهلاك المباشر”(21). انكماش اللغة، وانسحابها، فضلا عن انكفاء الزمن، كل ذلك لا يوازيه داخل العالم الرقمي، الا افتقاد الفضاء لِبُعْدِ “العمق” فيه. “الانا” مع النت “ستكف عن ان تكون ضحية “المراقبة والعقاب” كما هو الحال عند ميشيل فوكو، لتغدو فاعلا أساسيا في بناء سجنها المرآوي الخاص”(22).

    الفضاء في الافتراضي، سطحي، وخطي، لاغور، ولا عمق له، لذلك فهو يحول  دون الحضور الحي “للأنا” في اشتباكها بأبعاد اللقاء المشروط بأسئلة الزمان والمكان. الفضاء الرقمي، يحيل، حسب ما لديني، على عالم كل شيء فيه اصبح مسالة تدبير، مسالة قرار وتخطيط”، أي “مسالة نظام”(23)، فضاء قابل للعد والقياس، والشاشة كما في وضعية السيلفي، تأتي لتؤسس عبور “الأنا” نحو إمكانية ان تعيش تجربة الحضور داخل فضاءات وامكنة لم تختبرها جسديا*. كما لو أننا أوكلنا الى الرقمي مهام ادراك العالم، فهو يرى، يراقب، ويبادر بدلا عنا. أن الدفق الهائل من الصور رقميا، لا يأتي الا ليقترح نفسه علامة على اشعاع ناجم عن “سيطرة الفرد على فضائه، مع ما يعنيه ذلك من ضرورةٍ لتقاسُمِ هذا الاشعاع”(24). على أن الفضاء الاوقليدي، الهندسي، الذي نعيش داخله، ليس  فضاء ثابتا. انه معرض بقوة للتغيرات، ان على مستوى الاتساع، او التقلص، او التمدد، (لذلك)، تبقى محدداته مرتبطة ببعد وجودنا “هنا”، مرتبطة بالبعد الخاص لوجودنا “هنا”(25). و الوجود الخاص ب “أنا” الصورة في السيلفي، يتمركز، في “هنا والان”، وهو ما يعني ان “الفضاء، لم يعد حاملا لمشاريع آتية. إنه يشكل فقط تمزقا، او تكسرا في الحاضر” أي ان الفضاء اصبح سجنا لما “لا نستطيع القيام به”(26). إن “أنا”، السيلفي، والرقمي عموما، لا يمكنها الاَّ أن تعيش فضاء الشاشة، بدلا من فضائها الخاص، فضاء الشاشة الذي يعيد ترسيم قواعد القرب والبعد داخل مقتضيات اللحظية المباشرة. هكذا نفهم كيف “أقصي” الزمن الفعلي، من الفضاء العمومي، واودع في مساحات الافتراضي، ضمن ما تبيحه الحواسيب واللوحات والهواتف المحمولة”(27). لقد تم استبدال فضاء الواقع، بفضاء الشاشات، الذي لا يمكنه الا ان يمعن في تسطيح الطبقات المحجوبة داخل الذات، ولا يستطيع الا ان يكون كذلك، لأنه فضاء موجه، يقودنا “الى ما يجب ان نراه، وكيف نراه، وما يجب ان نرغب فيه ونشتهيه، لقد كانت العين حرة في التصرف في عوالمها، يوم كانت تختار موضوع نظرتها، ولكنها الان أسيرة ما يعرض عليها في كل مكان”(28).

وبعد

    إن الإقدام على قراءة السيلفي، وعبره اكراهات الرقمي واشتراطاته، ليس ترفا فكريا، ولا حتى جنوحا للانشغال بالجزئي، العابر، غير الدال، بل هو على العكس من ذلك تماما، ذهاب نحو تعرية الضحالة والبؤس اللذين يؤطران حضورنا داخل المشهد التقني بواجهاته الرقمية الاخذة في اجتياح أكثر المناطق عتامة في النفس البشرية، فما يقدمه الرقمي في سياق ثقافتنا العربية، راهنا، هو المعلومة وليس المعرفة*. صحيح ان مواقع التواصل الاجتماعي، استطاعت، بهذا القدر او ذاك، ان تربك كل السلط التي تسعى الى مركزة حق بث ونشر المعلومات، وتحولت، بموجب ذلك، الى فاعلية منفصلة عن صاحبها وعن المدى المغلق لكل تمركز في بث الوقائع ونشرها والتعليق عليها. لكن صحيح أيضا ان هذا التوجه المحموم نحو تكثيف عمليات البرمجة التقنية، لم يفرز الّا فقدانا معمما للمشاركة في سيرورة الفردانية، وفقرا رمزيا، أي فقدانا وغيابا لحس المشاركة في انتاج الرمزي *(29) .

    إن سيرورات الحوسبة، وتكنولوجيا المعلومات، وتحليل البيانات، فضلا عن التعلم الآلي والذكاء الإصطناعي، إلى جانب الرياضيات التطبيقية ومعالجة الإشارات، وغيرها من الممارسات العلمية الحديثة، كل ذلك لا ينبغي ان يحجب عن انظارنا هشاشة الكائن ورمزية الحميمي الإنساني الذي يتعذر تقاسمه رقميا*(30). خارج المدارات التعبيرية للغة، والابعاد الإيحائية للوجه، بوصفه “رأسمال الجسد”(31) الإنساني.

   في مطلع الثمانينات، تساءل جيل دولوز، مستقصيا أبعاد الوجه الإنساني وملامحه الدالة عبر تاريخ تجربة الأداء السينمائي: “ولكن، أليس وَجْهُ شخْصٍ مَا، هو الشيء نَفْسُهُ؟”(32). اليوم. وبعد انصرام ما يقارب اربعة عقود، على طرح هذا السؤال، لا نملك، مع الرقمي بامتداداته المنظورة وممكناته غير المرئية، إلا أن نعيد تركيب صياغة السؤال نفسه على نحو مغاير: “ولكن أليس وجْهُ العَالم في شاشة الرقمي الكونية، هو الشيء نفسه؟.”

   نطرح السؤال ، ونحن موقنون أن المستقبل، قريبا كان أم بعيدا، سيتكفل بترجيع أصْدَائِهِ في قادِمِ المنجز الرقمي.

    ربما قد نستفيق، يوما، على “تطبيق ذكي”، يعي أخيرا، عمق الهوة السحيقة، بين فورة الحياة بحرارة تفاصيلها، وبرودة بلازما الشاشات ! إلزا غودار – نفسه –ص61

  • إلزا غودار- نفسه – ص70

         *عرضية الصورة في السّيِلفي، هو ما يرسخ بداخلها منطق الستيوديوم كما حدده بارث،” أي الحقل الشاسع للرغبة البليدة”. مفرغًا إياها بالمقابل  من القدرة على   الفعل، كما يضطلع به البانكتوم. أي “جرح الصورة ولسعتها. “انظر: Roland Barthes – la chambre claire . opcit – pp : 49-50  

  • إلزا غودار- نفسه – ص70
  • Roland Barthes – My thologies- opcit. P :99
  • عبد السلام بنعبد العالي – ضد الراهن – ص36
  • إلزا غودار- نفسه – ص7
  • إلزا غودار- نفسه – ص61
  • انظر مقدمة الانسان العاري . الديكتاتورية الخفية للرقمية http://www.saidbengrad.net
  • سعيد بنكراد : الزمن والفضاء الافتراضي- الملحق الثقافي-   http://www.alittihad.ae/article/54734/2016 
  • سعيد بنكراد : الزمن والفضاء الافتراضي- الملحق الثقافي-     http://www.alittihad.ae/article/54734/2016 
  • Benjamin Fernandez : le temps du monde : critique de la chronostrategie planétaire à l’age de la      mondialisasation- (these de doctorat d’etat de philosophie) – soutenauce le 24 fevrier 2010 – paris I pantheon – sorbone. Sous la direction de m denis duclos. Directeur de recherche au CNRS p.13  http://rhuthmos.eu/IMG/                                                        
  • إلزا غودار- نفسه – ص53

*الزمن، كغيرية، أي كحركة متفردة، داخلها يتحول الكائن ليصير نفسه، سيغدو – بفعل الطابع الاستعجالي الذي يسِمُ المجمّعات الحديثة- مؤشرًا على تحول ثقافي متجذر في “الأن”. نحن في الحاضر نطالب بما يمكن أن يتحقق في المستقبل، و”الاستعجالي”، هنا، لا يتجاهل الزمن، بقدر ما يُثْقِلُهُ  بإلزامات  مسجلة في المباشرية واللحظية. هكذا نفهم كيف أن اللحظة، لكي تكون “يجب أن تُمَثِّلَ بصريا، فالحاضر أمام العين، وحده قابل للتداول، أما تمثلاتنا عنه في الذاكرة البعيدة والقريبة، فلا قيمة له”. هذا التصور للزمن، هو ما سيُرَشِّحُهُ لأن يكون طاقة إقصاءٍ لكل ما يقع خارج دائرة الحساب والبرمجة، فالاشياء  بمجموعها ملزمة” بأن تكون قابلةً للقياس، وأن تدخل ضمن نطاق التبادل، وإلا يتوجب أن تختفي تمامًا. الأمر هنا، يتعلق بما يمكن أن نُسَمِّيه البناء الرمزي للزمن عبر المتخيل التقني”، زمن-تكنو-سوق، كما تصوغه وتُصَرِّفُه الأجهزة التكنولوجية. انظر في هذا الصدد:                                          – Benjamin Fernandez : le temps du Moude- opcit. pp :13-15

– Olivier Abel : l’humanisme. Le transhumanisme. Et l’inhumain : quelques remarques apartir d’un ou deux textes de jeau- François lyotard  http://www. Academiedenimes.org>0-Abel-transhumanisme.

– Zaki laidi : lurgence ou la Devalorisation culturelle de l’avenir.in  esprit (24 fevrier 1998):pp :1-2

سعيد بنكراد: مدارات النظرة والصخب البصري. http://www.maghress.com/alihihad//230267laidi   

  • سعيد بنكراد : الزمن والفضاء الافتراضي- الملحق الثقافي- http://www.alittihad.ae/article/54734/2016 
  • . opcit .p :14  Benjamin Fernandez : le temps du monde
  • Zaki Laidi : l’urgence ou la dévalorisation culturelle de l’avenir. Opcit  p :2                                                http://www.esprit.presse.Fr/article/caidi-laidi                                                                                               
  • عبد السلام بنعبد العالي – ضد الراهن – ص 6-7
  • Jean Baudrillard : Simulacres et simulation editions : galilée . Paris – 1981 – p :113-114
  • . opcit .p :14 Benjamin Fernandez : le temps du monde
  •  سعيد بنكراد: الزمن الافتراضي Ae/arcle/54734/2016            
  • سعيد بنكراد: مدرات النظرة والصخب البصري. م س
  • Serge Tisseron :intimité et extimité. In : comunications : cultures du numérique :n° 88 Année 2011/ seul- Paris. P :84
  •  Anne Boissiere :Henri Maldiney et l’art :une pensée intempestive ; l’œuvre d’art en présence. In : philopsis : revue numérique. P :11 . http://www.philopsis.Fr                                                                                                                    

*جاء عن موقع “lebanese Forces Official Website ” ان شركة “فيسبوك” قد كشفت خلال اليوم الثاني بمؤتمرها للمطورين “8F“، عن اخر ابتكاراتها التي تعمل على تطويرها مع الشركة التابعة لها “اوكيولوس” المتخصصة بتطوير تقنيات الواقع الافتراضي. والابتكار هو عبارة عن عصا سيلفي تتيح للاصدقاء المتواجدين في أماكن بعيدة جغرافيا التقاط صور السيلفي معا في مكان ثالث بعيد عنهم أيضا.

  • Louise Vigneault : Repenser le temps et l’espace : du wampum au Selfie . p :98. In : RACAR. Revue d’art             canadienne : continuité entre les epoques ; volume 42 N°2/2017  http://www.id.erudit.org/iderudit/104 2948 ar                             
  • Caroline Gros : vers une psychopathologie de l’espace. In : Activité artistique et spatialité (ouvrage colectif)  l’harmathan- Paris – 2010 – p :11. http://www.librairieharmahan.com                                                                                                 
  • إلزا غودار – نفسه- ص57
  • سعيد بنكراد : الزمن والفضاء الافتراضي- الملحق الثقافي- http://www.alittihad.ae/article/54734/2016 
  • سعيد بنكراد : – مدارات النظرة والصخب البصري م س.

*المعلومة، هي ما يمكن أن يقدمه السمارتفون، أي المعلومة ، بما هي مادة خام ومعطى أولي لبناء المعرفة. وهذا تحديدًا، ما يسعف في إضاءة مسلسل التَّفقِير الذي تخضع  له الذات في سياق تعاطيها مع بعض التطبيقات داخل المدونة التقنية للهاتف “الذكي”، “فعندما تصلني المعلومة، عبر واتساب مثلا، “فإنني لا أشعر أنَّ عليَّ تمحيصها، بقدر ما أُحسّ أنَّ عليَّ أن أساهم في نشرها واقتسامها مع آخرين. هذا ما توصيني به كل رسالة أتلقاها: اقتسم مع غيرك “Partager“. فأنا في نظر واتساب “نقطة  توزيع” و “محطة بث”، أكثر مني “نقطة فحص”، من الصعب، إذن، الحديث، ضمن هذا المعطى، عن تواصل حقيقي. ذلك أن التواصل يقتضي اختلافًا في العلائق ومراعاةً لدرجة التقارب بين المتواصلين، والحال أن الموبايل، عبر واتساب، يُسَوِّي بين العلائق، ويجعلني أشارك غيري، أنَّى كان، وكيفما كان، المعلومات نفسُهَا”. فعل التقاسم، هذا، يتشكل كإطار يسمح بتدفق المعلومات، وتواليها، إلى الحد الذي يمكن القول معه إننا في عالم “تزداد فيه المعلومات اكثر فاكثر، ويغدو فيه المعنى أقل فأقل”، حتى الرؤية نفسها، لم تعد قادرة على الإسهام في إنتاج المعنى، لإننا أسَاسًا، لم نعد نملك حق الرؤية، فهي “مودعة بشكل سابق في مجمل الشاشات التي تفصل بيننا وبين العالم، وتمنعنا من التعرف على الواقع. “لذلك فما يتعاظم امامنا، هو سيادة مُعَمَّمَةٌ للبلاهة التي تُحصِّنُ كل يوم مواقعها، مستفيدةً من المنحز التقني نفسه، فما يبعث على الفزع، هو أن البلاهة، لن تمَّحي أمام العلم والتقنية، بل إنها تزداد تقدُّمًا مع التقدم”.

 انظر: عبد السلام بنعبد العالي : الموبايل  في زمن واتساب- مجلة المجلة (عدد خاص – ثقافة الموبايل)- العدد 46- لندن- نوفمبر 2018- ص 82.

وانظر أيضا: – عبد السلام بنعبد العالي : الفلسفة فنا للعيش – م.س –ص13

                          -سعيد بنكراد: مدارات النظرة والصخب البصري –م.س.

– Jean Baudrillard : simulacres le  simulation –opcit .p :119

  • .opcit. p :16 Benjamin Fernandez : le temps du monde
  • Serge tisseron : intimité et extimité. Opcit – p :88
  • Le visage et le sacré : pp.49-64 David le Breton :
  • جيل دولوز : الصورة – الحركة او فلسفة الصورة، ترجمة حسن عودة- منشورات وزارة الثقافة. المؤسسة العامة للسينما – دمشق – 1997- ص124