ديال ميلودة وعبد الإله

مقالات
17
0

 

سعيد بنكراد

أثيرت من جديد قضية الدارجة في الساحة الثقافية، ولكن من باب السجال السياسي هذه المرة، فقد وردت على لسان رئيس الحكومة المغربية، في جلسة من جلسات البرلمان، كلمة عابرة (ديالي)* أحدثت “التباسا” لغويا وأخلاقيا أساء إلى المشهد السياسي المغربي كله. لقد كانت هذه الكلمة مرتبطة بسياق صريح يحيل على الحزب ولا شيء غيره، حزب السيدة ميلودة(1) وحزب السيد عبد الإله(2). والكل كان يدرك هذه الحقيقة، والكل كان يعرف أن عبد الإله بنكيران لا يمكن أن يصل، في اجتماع رسمي لممثلي الأمة، إلى هذا المستوى من السوقية والبذاءة اللغوية (والسياسية)، وأعتقد أن الذين اتهموه بذلك لم يكونوا صادقين في السر وفي العلن.

ومع ذلك، هناك في الاستعمال العامي لهذه الكلمة ما يبرر هذا الاتهام، أو على الأقل، ما يستثير حالة الحرج التي أحس بها المتهِمون والمتهَمون على حد سواء. لقد كان هذا الاستعمال يتضمن في التداول اليومي حمولات أخرى دفعت الكثيرين، بل دفعت كل الناس، بمن فيهم  الذين يدافعون عن الدارجة، إلى استحضار دلالة جنسية لم يكن من الممكن تجنب الإحالة عليها بحكم طبيعة اللغة المستعملة في هذا السياق وفي غيره.

وهو ما يعني أن “المتهم” الرئيسي في هذه النازلة ليس كيانا آخر غير هذه الكلمة بالذات، وليس الناطقين بها، فهي جزء من نظام لغوي عامي مرتبط، في أغلب حالاته، بتدبير شأن نفعي عادة ما ينزاح عن التجربة المباشرة ليعود بالمتلفظ، أو بالكلمات، سيان، إلى أصل الوجود حيث كان كل شيء مرتبطا بـ”العري” في الأشياء والكائنات وفي السلوك، أي استثارة حالات تماس مباشر للذات مع محيط خارجي حَرْفي في وجوده وفي معناه. وهو أمر يؤكد أن اللغة العامية وثيقة الصلة في الكثير من الحالات بما يشير إلى البعد “الحسي” في التجربة الإنسانية.

وعلى الرغم من وجود إجماع صريح أو ضمني على أن مضمون الكثير من الوحدات المتداولة في الدارجة المغربية “القحة”، ما يسميه البعض من المتحمسين للفرنسية لغةً للعلم، “المغربية”، عائم وملتبس ويولد، في الكثير من الحالات، انزلاقات دلالية قد تعصف بأكثر النوايا براءة وصدقا. فلا أحد منهم حاول وضع هذه الكلمة المثيرة للجدل ضمن ما هو أوسع منها، أي ضمن نظام “السجلات العامية” التي تشتمل على الكثير من شبيهاتها من قبيل “جَبْتُو” و”حْشيه” و”خرجو”، و”دخلو” و”التقبة”… وسلسلة أخرى من الكلمات التي عادة ما يتحاشى الناس استعمالها ضمن المقامات المحترمة، أو يحيطونها بالكثير من “ضمانات” التداول. ذلك أن هذه الكلمات موجهة من داخلها نحو معنى “فاضح”، فهي محكومة بدلالات تُعد جزءا من سياقات إبلاغية تم استبطانها اجتماعيا وفرديا منذ اللحظات الأولى للاستعمال الواعي للغة.

بعبارة أخرى، إنها تتضمن “قوة تعيينية” كبيرة تشد الاستعمال إلى الفعل المباشر عبر صيغة استعارية من طبيعة تناظرية، ضدا على ما يمكن أن تتضمنه من دلالات تحيل على المقصود الظاهر. والفكر التناظري معروف بعدم أهليته لإنتاج معرفة أو التفكير فيها، فما يهم “النظرة الشعبية” هو البحث عن تناظرات بين ما تفكر فيه وبين ما يوفره المحيط من أبعاد أو ظواهر. وهو الفكر الذي تبنته لفترة طويلة الكثير من الشعوب التي كانت تشكو من خصاص في المفاهيم أو تعوزها طرق البرهنة المنطقية (نحن نقنع باللغة في المقام الأول).

ويكفي أن “نترجم” عبارة السيد رئيس الحكومة إلى العربية لكي يصبح كل شيء واضحا، فضمائر الامتلاك فيها مرتبطة بالضرورة بالشيء المملوك ( حزبي، قميصي سيارتي…) ولا يمكن أن تنزاح عن هذه الدلالة إلا في الحالات التي تتحول فيها الجملة كلها إلى حامل لدلالة تشير إلى امتلاك من طبيعة رمزية، أي استحضار سياق خاص تصبح فيه العبارة كلها من طبيعة استعارية. وهذا دليل آخر على أن هناك تفاوتا بين العامية التي يدعو البعض إلى التدريس بها، وبين العربية التي تبني معانيها استنادا إلى سياقات يحددها القاموس المتخصص، لا الاستعمالات الفاحشة، أي هناك تفاوت بين معنى مرتبط بتجربة حسية، وبين دلالات تُبنى في اللغة في انفصال عن المحددات الأولية لهذه التجربة.

وهذا التفاوت ينعكس على مستوى التسميات والأوصاف في المقام الأول، ولكنه ينعكس أيضا على قدرة كل منهما على الفصل بين مناطق انفعالية متميزة في الهوية والدرجة من قبيل تمييز العربية بين الحزن والفرح، وتمييزها داخل الحزن ذاته بين السوداوية والكرب والغم والهم والاكتئاب…، وهذا ما لا تستطيع الدارجة القيام به. لأنها في الأصل صيغة مبسطة من عربية “معيارية” وموجهة إلى تدبير شأن نفعي.

والحاصل أن القيمة التعبيرية للكلمات لا ترتبط بجمالية تنميقية تخص لغة أدبية مغرقة في مثاليتها، كما يزعم البعض، بل لها علاقة بطبيعة التواصل بين الناس وقيمته وعمقه، ما يعود إلى التواصل بين الأفراد والجماعات، وما يتحكم في العلاقة بين المربين والتلاميذ وبين الأساتذة وطلبتهم. فوظيفة اللغة، كما سبق أن رددنا ذلك مرارا، لا تكمن في تسمية الأشياء والتمييز بينها فحسب، فهذه وظيفة نفعية لا مردودية لها خارج المعيش اليومي، إنها تقوم، بالإضافة إلى ذلك، “بتهذيب” العالم وتخليصه من كتلته المادية السابقة على الحجم الإنساني.

إن اللغة، استنادا إلى كل هذه الحيثيات، لا تنقاد بشكل طوعي لقصد من يستعملها، فقد استضمرت من السياقات ما يجعلها قادرة في الكثير من الحالات على استيعاب قصد المتكلم ضمن قصدها الخاص وتوجيهه إلى ما لا تُحمد عُقباه من الدلالات. بعبارة أخرى، إن الاستعمال لا يُخْلِص لنوايا المتكلم دائما، بل يكشف عن الآليات التي تتحول من خلالها الكلمات إلى نص أو واقعة إبلاغية معزولة وفق نواياها هي، في انفصال عن نوايا المتكلم في الكثير من الحالات. بعبارة أخرى، إن المعنى ليس في نفس المتلفظ، بل في التاريخ “السري” للكلمات.

وهذا أمر ينعكس على الممارسة السياسية ذاتها، فالتواصل السياسي يتحقق خارج ما تقتضيه الحاجات اليومية، إنه في المقام الأول تصريف لمواقف عادة ما تتم من خلال اللغة ووفق إكراهاتها. وهي صيغة أخرى للقول، إن “النية” لا قيمة لها في ميدان السياسة، وفي ميدان كل تواصل من طبيعة عمومية، فوحده مضمون الخطاب يحدد القصد الفعلي لكل سياق إبلاغي. ومصدر هذا القصد ليس الذات المتكلمة وحدها، بل مودع في اللغة في المقام الأول. لذلك قد تكون ” لغة الشعب” مُرْبِحة سياسيا، كما يتصور السي عبد الإله، ولكنها تتحول، في الكثير من الحالات، إلى تهريج يحط من الفعل السياسي ويحوله إلى مناورات ودسائس يمكن أن يمارسها كل الناس.  إن السياسة تصريف برغماتي للفكر، أداته الأساسية اللغة.

——

*-تعني في الدارجة المغربية ما هو في ملكيتي، هذا الشيء ديالي، أي ملكي، ولكنه قد يصبح دالا في الكثير من الحالات، إذا كان منفصلا عن موضوع الامتلاك، على العضو التناسلي للمرأة والرجل.

1-ميلودة حازب عضوة بارزة في حزب الأصالة والمعاصرة.

2-عبد الإله بنكيران : رئيس الحكومة المغربية ورئيس حزب العدالة والتنمية  ذي التوجه الإسلامي.