الـتأويل الصوفي وتجربة الحقيقة

مقالات
16
0

سعيد بنكراد

 

يُراد بالتأويل في أكثر تعريفاته شيوعا محاولة لاستعادة تجربة صيغت في المعاني المضافة بعيدا عن المحددات التعيينية المباشرة، أو هو الكشف عن “مناطق” في الإنسان لم تستوعبها حالات التمثيل التقريري. يتعلق الأمر بالبحث في ذاكرة الوقائع ذاتها عن قصد آخر غير ما يقوله المنطوق أو الممثل فيها؛ ما يشكل استحضارا لما استوطن الاستعارات والرموز ومجمل الصيغ المجازية. إنه في الحالتين معا “نقل لظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما تُرِك ظاهر اللفظ” (لسان العرب)، أو هو” العدول باللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر لا دليل عليه” ( المعجم الكبير). إن المؤول في هذه السياقات مجتمعة لا يبحث عن معنى جاهز في النص، بل يلهث وراء ما يمكن أن يقود إلى استنفارٍ لمخزون دلالي، لا يشكل الظاهر في الألفاظ والوقائع سوى طبقة من طبقاته. هناك تشكيك في قدرة الكلمات على قول شيء ما يصدق على حقيقة الكائنات والأشياء وحدها.

إنه يتضمن، من هذه الزاوية، التفسير الباطني للنصوص الدينية ( نظرية المعاني الأربعة في الكتاب المقدس)، كما يتضمن تأملات القباليين اليهود وغيرهم، وتُصنف ضمنه أيضا شطحات الغنوصية والهرمَسية القديمة وكل التأويلات التي تبناها أصحاب المذاهب الدينية، بغاية الانزياح عن تفسير مشترك يستقر على معنى واحد يمكن أن يؤلف بين الضمائر والعقول. وهو المبدأ ذاته الذي تبنته كل التيارات الصوفية على اختلاف مشاربها واتخذته سبيلا وحيدا نحو الاستغراق في ملكوت الله. وذاك هو معنى التأويل في اللغة ذاتها، فهو دال على الرجوع والعودة، ومنه اشتق الأَوَل والمآل الذي يشير إلى مصير نهائي، أي ما يصير عليه “الحال”. هناك رغبة عند الذات تدفعها إلى الاستقرار على معنى كلي هو القصد النهائي من الواقعة، ما يوازي حالات انصهار المؤول في موضوع تأويله: العودة إلى الماء، أو ذوبان العاشق في جسد المعشوق، أو تشبث الوليد بجسد أمه. وتلك هي الحالات التي يجسدها “مقام الغيبة” حيث يغيب الصوفي عن كل شيء عدا حضرة الخالق في قلبه، أو تتحقق في”مقام السكر”، حيث يتلاشى الكون وتتخلص الذات المتصوفة من محيطها لتذوب في ذات الله.

وهو ما يعني أن التأويل في الطقس الصوفي لا يقود إلى معنى قابل للتجلي داخل سياق مخصوص، وإنما يدعو إلى الانحلال في “عادة” سلوكية تفتح الذات على باريها ضمن حالات انفعال مطلق: قد يكون ذاك هو الحالات التي يشير إليها التطابق المطلق بين العلامة وموضوعها: إلغاء للتوسط المفهومي والإمساك بالمعيَّن من خلال جوهر مفترض وفق ما يؤدي إلى انتفاء مطلق لكل تأويل، فالعلامة تموت لحظة انكفائها على ذاتها، إنها تختفي لتسمي، أو ” تجنح إلى تشكيل عادات هي الفعل العملي” (بورس). يتعلق الأمر بمحاولة لتقليص “الفجوة الفاصلة بين المعرفة والحس”(كريماص): انجذاب الذات نحو الوحدة المنشودة، أو هو تجلٍ لانفجار الواحد الكلي في شظايا هي الوعد بالعودة إلى الأصل الأول، في الرحم أو في التراب. ف “الحلول هو أن يكون الشيء حاصلاً في الشيء وتكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر تحقيقاً، أو تقديراً” (الكليات لأبي البقاء الكفوي).

وإلى ذلك استند تصور المتصوفة للألولهة: فهي” كنز مخبوء قرر أن يُعرف”(1) كنت كنزاً لا أعرف، فأحببت أن أعرف فخلقت خلقاً فعرفتهم بي فعرفوني”، وذاك سر “إيجاد الوجود” وغايته. واستنادا إلى هذه المعرفة أيضا يَصِل المرءُ ذاتَه بذات خالقه “فمن عرف نفسه فقد عرف ربه”. ففي “العماء كان ربنا قبل أن يخلق العالم”، أي كان يستوطن حالة “متصل” يضع مضمونه في “الكلي” فيه لا في أجزائه، والكلي ليس بؤرة لمعنى عارض، بل هو المادة التي تتشكل منها كل المعاني الممكنة. إنه الجوهر غير القابل للتصنيف لأنه هو أصل كل التصنيفات.

وبذلك عُد التأويل عند الصوفي أداة لتحرير المعنى من قيود السياقات المألوفة، أي تخليصا للكلمات من طاقات التسمية والتعيين داخلها. ما يقود إلى انتشال الذات المتصوفة مما تراه العين عيانا، أو مما يتشكل في الذهن باعتباره معادلات لعالم مصدرها الإحالة على التجربة المشتركة وحدها. لذلك انزاح الصوفي عن المعجم المتداول بين المتخصصين لكي يصنع معجما خاصا به وحده. فما يعيشه الصوفي في اللغة وفي الطقوس وفي تفاصيل حياته لا يمكن أن يكون سوى سبيل نحو الانغماس في “حالات استيهام” تستوعب كل “حالاته ” بما يؤدي به إلى مطلق ينتهي عنده كل شيء ضمن “مقام” هو الدال على “الفرق”: “فناء عن الخلق بقاء للحق”، “فلا وجود للأعيان الثابتة خارج الذات الإلهية”، فتلك ليس سوى ما يأتي من فيض هاته: ما يشد إلى “الأفق المبين وهو نهاية مقام القلب”، أو  ما يقود إلى “الأفق الأعلى، وهو نهاية مقام الروح”. وفي المقامين انفصال الذات عما يربطها بوجود عرَضي في حياة ليست سوى ظاهر لجوهر هو الفناء، أي عودة إلى حالات استهواء قصوى ليست سوى الانصهار في الذات الإلهية.

إنها عودة الذات إلى الواحد الكلي القادر على استيعاب كل التناقضات، أي استثارة حالة إيجاب مطلق تُصفي الكون من شروره (نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا). فإذا كان العقل يدرك التعدد وحده، ففي المتصل انتفاء للمعنى، فإن الوجدان الروحي يُمسك بالهلامي والملتبس وما استعصى على التقاطبات الضدية، أي ما ليس مدرجا ضمن آليات التأمل المنطقي. يتعلق الأمر بالانتشاء بما يمكن أن يوجد خارج الزمنية وضدها، ذلك أن “الزمن محاكاة مشوهة للخلود”، كما أعلنت الغنوصية عن ذلك منذ قرون خلت. إن الله يوجد خارج التقاطب، فهو ” ليس محصورا ولا محمولا ولا محدثا “، كما يقول المتصوفة، “فالله تعالى ليس في شيء أو من شيء أو على شيء”، ومن قال بذلك فقد أشرك.

وبذلك تكون الصوفية أقرب التجارب إلى التأويل الهرموسي(herméneutique) وأشدها ارتباطا بممكناته في تناسل السياقات رغبة في الوصول إلى ما يشكل “جوهر” المعنى، وهو “جوهر” الذات الإلهية التي يفيض عنها الكون كله، “فالكل لها، بل هي الكل عينه ” (ابن عربي)، ما يوازي بين “فيض” أول هو من عند الله، وبين “شوق” إليه هو من عند الذات العاشقة. وهذا أمر تتضمنه الطبيعة التي يكون عليها “الحال” ذاته؛ فهو انفعال خالص، أي استهواء كلي لا يعرف التجزيء أو التفصيل، لذلك ستكون الاستكانة إلى محدداته إلغاءً للوسيط المفهومي الذي يعوق الذات من الاستغراق في “حسيتها الأصلية”. “فبقدر ما يعرف العبد من ربه يكون إنكاره لنفسه، وتمام المعرفة بالله تمام إنكار الذات” (ذو النون المصري). إن المعرفة عند الصوفي لا تشير إلى التراكم، بل تقود إلى التلاشي.

وتلك هي “حال الشهود” حيث لا يرى الصوفي سوى الله، ما يشبه الذوبان، أي مغادرة القمقم الجسدي والانصهار في ذات أخرى هي مصدر الوجود فيه، ما يسمى في لغة الأهواء العودة إلى الحسي الأدنى حيث لا شيء هناك سوى الانفعالات، ما يوجد سابقا على ممكنات الدلالة، وما يُعد سبيلا إليها، كما يمكن أن تنبثق عن المتناقض والمختلف والمتشابه، فالواحد في ذاته لا متناه، والثاني فيه حد للسلسلة، أما الثالث فتسبيح بحمد الممتد منه  وإليه إلى ما لا نهاية. وتلك أيضا “حال الوجود ” حيث ينهض الكون بكل موجوداته شاهدا على وجود الله وحده ( وسع ملكه السماوات والأرض)، فنحن لا نتوفر على لغة تقود إلى الله، ولكننا نوضع أمام عالم هو الدليل على وجوده، فنحن لا نستطيع تحمل أشعة النور، إننا لا نقوم سوى بالاستماع بالأشياء المنيرة. فالنور الأصل هو الله ذاته.

لذلك يُدرج المتصوف “الحالات” مجتمعة ضمن الحنين إلى الواحد المطلق، الحقيقي في العقيدة أو المفترض في المتخيل الإنساني. ففي هذا الواحد تنصهر كل التناقضات ضمن “منتهى” في الزمان وفي المكان لا شيء قبله ولا شيء بعده. يتعلق الأمر بإحساس جديد يتجاوز حقيقة الانفعال، كما تصفه اللغة، لكي يطلق الطاقة الحسية في الذات ويدفعها نحو الالتحام بالحسي في الوجود، تماما كما هي التجربة الفنية محاولة للإمساك “بالعيان العيني في ذاته باعتباره يحتضن الذات المطلقة باعتبارها المثل الأعلى”( هيجل). فالتأويل عند المتصوفة كشف عن حقيقة، وليس إعدادا للسبل التي تقود إليها، كما هو الشأن في السميائيات. إن السميائي معني بالسيرورة، أما الصوفي فيستهويه جوهر المعنى ولا شيء غيره.

وذاك أيضا ما تشير إليه الأنوثة عند المتصوف، فجزء كبير من مفاهيم تجربته العرفانية مستوحى، بشكل صريح أو ضمني، من عوالم تحيل على فكرة التزاوج، حقيقة ومجازا، فهو المنبع الذي يفيض عنه كل شيء في الوجود: في الألوهة باعتبارها مصدرا لوجود أصلي، (الفيض الذي نشأ عنه الكون)، وفي المرأة باعتبارها تُحاكي من خلال جسدها فعل الخلق ذاته ( الإنجاب). لذلك ليس هناك من شيء أقرب إلى سر الخلق مما يمكن أن يصدر عن أنثى “تحيض” و”تستوعب” و”تعطي”، ففي جسدها إيقاع الطبيعة وتحولاتها، وهي مصدر الحياة وعودة إلى الأصل في الوقت ذاته. فمن الرحم نخرج وإليه نعود حين تبلعنا الأرض، وفي هذه وتلك كل معاني العطاء. وقد يكون ذاك ما حاول التعبير عنه  غوستاف كوربات Gustave Courbet في لوحته الشهيرة  التي سماها ” أصل العالم”، حيث لم يلتقط من جسد المرأة سوى عضوها التناسلي وما يحيط به، فهو الأصل والبوابة التي تشير إلى سبيل المجيء وسبيل العودة في الوقت ذاته.

إن الخصوبة في الطبيعة عفوية، وهي عند المرأة مُستثارة، إنها حاصل تلاقح بين ذكر وأنثى. ومع ذلك، هناك تناظر دلالي قوي بين رحم الأم وبطن الأرض، وهو مصدر الدلالات الاستعارية التي تجعل الفرد مشدودا إلى حضنه الأول. إن الفعل الجنسي ذاته، بحسيته الصريحة، ليس سوى رغبة دفينة في العودة إلى جنة منها خرج الإنسان قسرا، ما يسميه أوتو رانك “صدمة الولادة”، حين أُجْبِر على الانغماس في معيش أرضي تحكمه المكائد والشرور. يتخلص المرء حين يعود إلى حضن الأم، أي إلى الأنوثة في مفهومها المطلق، مما علق به من موبقات الممارسة النفعية في حياته، إن ” وصل الحبيب هو الصفاء” (ابن حزم). إننا نتطهر بالجنس من شرور الدنيا، ففي اللذة تنتفي الفواصل بين الجسد وبين العقل الذي يفكر فيه.

إن إحالة الفعل الجنسي على الانصهار والفناء في جسد الآخر هو الظاهر في رحلة تتم في الروح وحدها: هناك تناظر قوي بين احتكاك ذكر بأنثى ( الاتحاد الآني) وبين التحام الذات الفردية بالخالق للكون ( الانصهار الأبدي). لذلك ” لم يكن الفعل الجنسي في المتخيل الأسطوري وفي التمثلات الجماعية ” متعة فردية ونشاطا شخصيا معزولا، بل طقس يربط الإنسان المتناهي بالملكوت اللامتناهي، يتعلق الأمر بعبادة يكرر فيها الفرد على المستوى الأصغر ما قامت به القدرة الخالقة على المستوى الأكبر”(2).

وهو ما تشير إليه أسطورة عشتار التي جسدت ألوهة أنثوية تعلق الناس بها طويلا، فقد “ولدت ابنها، شقها الذكري الكامن فيها منذ الأزل، ثم تزوجته لتُخصب نفسها به فتستعيد قوتها الإخصابية الذاتية التي أطلقتها نحو الخارج” (3). لا يبحث الرجل، وهو الراشد العاقل، عن متعة وهو يقبل حلمات نهدي زوجته، بل يستعيد الأمومة التي ضاعت منه.

لذلك لا يتجلى “الانتصاب الصوفي” في الجسد، بل في قدرة الانفعال على التخلص من العابر فيه، لكي يصبح “حالا”، أي وَجْدا يقتات من عشق دائم. وعلى عكس الكتب الإباحية التي روج لها الكثير من الفقهاء، فإن المرأة في نظر الصوفي كيان استعاض عن الحسية فيه بالروح الاستعارية المنبثقة منه. إن تفاصيل الشبق والإيروسية ليست سوى ظاهر لغابر هو التعبير عن ” إيقاع” خاص لحركة الذات داخل العشق الصوفي. وبذلك تتحول الأنوثة، في وعي الصوفي، إلى رحم كوني منه تنبثق الحياة وإليه تعود. وهي الصيغة الاستعارية الكبرى التي يشير إليها المثل العامي عندما يربط بين الدار والمرأة والقبر ( قبر الدنيا)، أو بين حاجة هذا إلى ذلك: الولوجي والاستيعابي، السيف الباحث عن غمده، أو الخيط الذي يتحسس طريقه إلى سم الإبرة.

استنادا إلى هذا الترابط بين ظاهر عياني وبين ملكوت تختصره اللغة الصوفية في الكثير من الحالات في النور، يبني الخطاب الصوفي تصوره للحقيقة. فلا شيء في الوجود قادر على تجسيد جزئية منها إلا بالإحالة على واحد أحد هو الحقيقة ذاتها. “فالنور” و”البهاء” و”الضياء” و”الإشراق” و”التجلي” و”الكشف” كلها مفاهيم تحتفي بجوهر الحقيقة باعتبارها كل ما يتغنى بالذات الإلهية القادرة على النفخ من روحها جزءا من الحقيقة في مخلوقاتها. إن الحقيقة، بعبارة أخرى، ليست في ما تقوله النصوص في منطوقها، فلا يمكن للعبد المنغمس في الملذات أن يدرك سرها، إنها في نص آخر يُبنى في التأويل، أي ما يمكن أن يُلغي الفواصل بين الذات وبين الموضوع الذي تتأمله.

لقد كان على الصوفي أن يؤول النص لكي يصل إلى “الخالص” في كل شيء، في “الحق” و”الخير” و”الصدق” و”الجمال”، أي التوق إلى إيجاب مطلق ضمن دائرة تخلو من زمنية شريرة في النفس وفي المحيط. لذلك واجه المتصوفة الشر في الطبيعة فتغنوا بالنور الذي هو، في مجمل السياقات، مصدر للحقيقة والوضوح والصفاء والطهارة والرؤية الصاحية. ولكنه نور لا يُسَلم نفسه إلا من خلال إجلاء طبقات النصوص الظاهرة، للوصول إلى ما يشكل جوهره، أي حقيقة لا يملكها أحد، فهي عند الخالق وحده، ونحن لا نقوم سوى بالبحث عنها.

بعبارة أخرى، إن التأويل عند الصوفي ضرورة، لا بحكم ما يتسرب إلى الذات من بقايا معان لا معادل لها في حقيقة الوجود، بل لأن التمثيل المفهومي ذاته ناقص، فالعاجز عن الإحاطة المباشرة بالعالم لا يمكنه ادعاء امتلاكه. فنحن، مثلنا في ذلك مثل الصوفية، منتجات لغة ليست وفية دائما لما تقوم بتسميته. لقد كان الصوفي يبحث عن تجدد الظاهر وتنوعه في الكلي، ففي” الألوهة سر إن انكشف سقطت الألوهة ذاتها”.

——

1- حديث يُنسب إلى الرسول يقول “كنت كنزاً لا أعرف، فأحببت أن أعرف فخلقت خلقاً فعرفتهم بي فعرفوني”

2-فراس السواح : لغز عشتار، أصل الألوهة والدين والأسطورة، دار علاء الدين، الطبعة السابعة 2000، ص 178

3-نفسه ص 175