ثقافة التسامح

سعيد بنگراد
مقالات
3 مايو 202119 مشاهدة
ثقافة التسامح

 

سعيد بنگراد

1

التسامح في مضمونه العام هو اعتراف بحق الآخر في القول والتفكير والاعتقاد. ومن هذه الزاوية، نُظر إليه باعتباره صيغة لتدبير التنوع والتعدد في اللغة والفكر والعقيدة والإيديولوجيا. إنه حاجة حياتية، أو هو “ضرورة يقتضيها التقدم الاجتماعي وتقدم المعارف أولا، وهو شرط ممارسة استقلالية الفرد وشرط للتطور الأخلاقي والثقافي ثانيا”(جون ستيوارت ميل). إن وجود الآخر يتضمن بضرورة العيش المشترك ذاته فكرة الاختلاف، فلا عيش خارج حدود الجماعة، فهي مصدر الأخلاق والقيم، وهي مصدر التنافس والتدافع أيضا.

لذلك كان الآخر دائما هو من يحددنا، فهو جزء من ذات لا يمكن أن تكون إلا إذا كانت قادرة على استيعاب ما ليس هي، أي ما يُخرجها من حالة التطابق مع نفسها إلى ما يفتحها على التعدد فيها وفي غيرها. إن الإنسان يهرب من وحشة الفردية فيه إلى دفء الجماعة خارجه. إن ما يوحدنا حقا ليس الإيمان بفكرة واحدة، بل القبول بالتعدد في سلوكنا ورؤانا، فذاك ما يكشف عن الغنى فينا وفي الطبيعة التي تحيط بنا. لذلك، لن يكون “العقل الذي يفرض حقيقته بالقوة، سوى عقل مريض لا يعرف عن الحقيقة أي شيء” (فولتير).

فكما أن الأخلاق هي من إفرازات البناء الاجتماعي، فالذي يعيش وحده ليس في حاجة إلى أخلاق، فإن العيش المشترك لا يقوم على وحدة مفترضة تشمل كل شيء في الوجود، بل يستند إلى القدرة الجماعية والفردية على إفراز التنوع والتعدد من داخل الوحدة ذاتها، فالوحدة ليست كلا منسجما، بل هي حاصل التفاعل بين الذوات التي تكونها. وهذا التفاعل ذاته هو الذي يقتضي وجود مبدأ للتسامح يكون ضامنا لهذه الديناميكية الداخلية للمجتمعات الحية، فهو ما يستطيع استيعاب تناقضاتها ضمن مقتضيات القانون أولا، وضمن ما يستجيب لمقتضيات حب البقاء عند الإنسان ثانيا. فحالات التطابق الجزئي أو الكلي سمة من سمات المجتمعات المغلقة، أي الميتة.

وبذلك لن يكون التسامح مرتبطا بمبادئ تخص السلم والحرب ومناهضة العنصرية فحسب، بل يشمل كل أنماط الحياة، أو كل ما له علاقة بإدارة الشأن اليومي في كل تفاصيله. فالقانون ليس قادرا دائما على استيعاب كل جزئيات السلوك اليومي، كما يتحقق في الفضاء العمومي، بل يحتاج إلى وعي الناس وتحضرهم وقدرتهم على التنازل عن حق خاص قد يقود إلى منفعة عامة. فحركة المرور في الشوارع لا تنظمها قوانين يحميها التناوب الضوئي، أو رجال الشرطة وحدهم، بل تحتاج إلى تسامح السائقين أيضا. وكذلك الأمر مع ولوج الملاعب والوقوف في طابور الشبابيك الإدارية والأسواق الممتازة. بل إن القانون ذاته يتضمن “جزئية” من التسامح حين يتحدث عن ظروف التخفيف، حيث إن الجريمة في بنوده واحدة، ولكن عقابها يختلف باختلاف سياقاتها، ما يشير إلى “العمد” و”القصد” و”الترصد” و”الخطأ” .

إن التسامح ليس قانونا: ذلك أن القانون غطاء تشريعي يحمي الناس وقوم بإعداد الفضاء القابل لاستيعاب السلوك الإنساني وتصريفه في مواقف مخصوصة، أما التسامح فقيمة في المقام الأول. بعبارة أخرى، إن التسامح موقف فردي من طبيعة أخلاقية، لا يجازي عليه القانون ولا يحث عليه، بل تثمنه الأخلاق العامة وتُعلي من شأنه، فلا وجود لقانون يفرض على الناس تسامحهم أو تشددهم. ومع ذلك، فالدولة لا تحكم بالقانون وحده، إنها لا تكتفي بالردع والترهيب، بل تربي الناس على احترام بنوده، وبذلك يقبل هؤلاء التنازل عن جزئية من حريتهم ليصبحوا جزءا من سقف أخلاقي مشترك، وتلك أيضا صيغة من صيغ التسامح.

بعبارة أخرى، إنها تُنمي عندهم ملكة الحكم والتقدير والنظر إلى الحقيقة وفق سياقات بنائها، لا وفق أحكام مسبقة تُقصي التفكير والنسبية وممكنات خرق القانون والعادات. وهو ما يعني أن الدولة “فضاء فارغ”، إنها ليست طرفا في صراع، مبدئيا على الأقل، بل هي الحامي لوحدة تقوم على التعدد والتنوع. ومع ذلك، فإن “فراغها” أُعِد لكي يكون حاضنا لكل القيم التي تحتفي بالإنسان وتصون كرامته، أو هي فضاء يستطيع كل الناس، باختلاف ألوانهم وأفكارهم ومعتقداتهم، الاحتماء به من أجل التعبير عن قناعاتهم وفق ما يبيحه القانون ووفق ما لا يشكل مسا بحق الآخر في الرأي أيضا. وتلك هي الحاجة إلى علمانية لا تحارب الدين ولا تسفهه، ولا تتدخل في سلوك الناس وميولاتهم، بل تُعد فضاء يحمي كل القناعات داخل فضاء مدني تحكمه قوانين وضعية يخضع لها جميع الناس.

استنادا إلى هذا التسامح أيضا استطاع الإنسان حماية نفسه من الاندفاع الأهوج داخله، من قبيل ” رغباته المجنونة في أن يكون قويا وجبارا وأكثر من واحد، وأن يتعرى ويحقق كل نزواته، ويمارس ما يحلو له في فضاء عمومي هو مِلْك لكل الناس. فالإنسان ميال إلى الاعتقاد أنه على حق دائما، قد يكون ذلك تحت تأثير “أناه” التي تود أن تكون هي الأصل في كل شيء، أو تحت تأثير التربية والانتماء إلى قناعات فكرية أو عقدية أو إيديولوجية تدعي امتلاك الحقيقة كلَّها، أو يكون مصدر ذلك مجرد جهل وخوف من آخر لا يعرف عنه أي شيء. وليس غريبا أن يكون التسامح ذاته هو مصدر الحاجة إلى “الآداب” و”الأخلاق” و”الحياء” و”المشاعر الخاصة”، فهذه لا تشكل تقليصا من حرية الناس، بل هي ضوابط تَحُد من فوضى الانفعالات والأهواء وتسيبها” (انظر مقدمتنا لترجمة كتاب قول في التسامح). فعندما تعلم الإنسان كيف يكون حرا، أي مسؤولا، أصبح قادرا على إدراك حق الآخرين في التمتع بحريتهم أيضا.

وقد تكون هي الفواصل بين ما يُسمح به، وما لا يمكن أن يكون أبدا موضوعا للتسامح. فكل ما يمس بإنسانية الإنسان ويحد من حريته أو يفرض عليه إكراهات جسدية لا يدخل ضمن ما تحميه الثقافة وتدافع عنه. مثال ذلك ما يثيره ختان الفتيات في السودان وصعيد مصر وفي بعض الدول الإفريقية. فهذا التقليد ليس ممارسة فردية معزولة، بل يندرج ضمن ” طقوس ثقافية” يقبل بها الجميع، أو تقبل بها الأغلبية على الأقل، ومع ذلك لا يمكن أن يكون موضوعا للتسامح، فهو يمس بالسلامة الجسدية للمرأة ويحرمها من جزء من متعتها في الحياة الجنسية. وهو بذلك لا يختلف في شيء عن العنصرية والكراهية والشوفينية. إنه في نهاية الأمر يحدد موقفا من المرأة، فهي لا تملك جسدا في الثقافة التي تبيح الختان، تقوم فقط بوظيفة بيولوجية صامتة.

وضمن هذه المعادلة يتحدد فعل المثقف وواجبه في الدفاع عن التسامح ضدا على إكراهات قد تأتي من السياسة أو الدين أو الإيديولوجيا. إنه ليس معنيا بسلوك الدهماء في الشوارع، وهي المنفذ الفعلي في حالات كثيرة لكل أشكال التعصب والتشدد، ولكن لا عذر له في عدم الوقوف في وجه كل العقائد، الدنيوية أو الدينية التي تنتج اللاتسامح وتدعو له بين الناس. إن الحشود لا تعرف عن مصدر سلوكها أي شيء، أو لا تعرف عنه سوى القليل، فالناس يرثونه عن أسلافهم كما يرثون أهلهم ولغتهم والكثير من طقوسهم. فقد يكون المثقف أعزل بلا سلطة ولا نفوذ له سوى ما يُمليه عليه ضميره، وقد يكون غير معني بخطاب السياسة وتقلباتها، ولكنه لا يمكن أن يهرب من اختياراته، تلك التي تحدد وظيفته في الدفاع عن الخير والصدق والعدل والفضيلة والتسامح أيضا.

2

وقد تكون هذه الوظيفة هي الدافع إلى التمييز بين مقولتي التسامح والاختلاف أيضا، أي التمييز بين نظام مدني قائم على القانون يضمن لكل الناس حقوقهم خارج كل الأحكام العقدية، وبين نظام قائم على معتقدات تتحرك على هامش القوانين الوضعية وهي ما يتحكم في سلوك الناس في الكثير من الحالات.

إن التسامح في نهاية الأمر وبدايته موقف “إنساني”، فردي أو جماعي، إنه يقيس الأشياء بمقياس الانفعال أو الشفقة والرحمة، أو بمنطق الإنسان النبيل الذي يحمل قدرا من التقدير لنفسه ولأمثاله. لذلك قد يكون التسامح أيضا إحساسا بالقوة، أو هو موقف من يملك سلطة يستمدها من الدين أو الإيديولوجيا أو العادات، ويمارسها حسب مشيئته ومزاجه أو مصالحه، ” لذلك قيل إن الأسياد وحدهم يتسامحون ليظلوا أسيادا”. فالعبيد يقتتلون فيما بينهم إرضاء لسيد يحميهم جميعا. لذك كان لا تسامح الفقراء هو أخطر أنواع اللاتسامح “، كما يقول أومبيرتو إيكو[1].

وهو ما يعني أن التسامح ليس قيمة ثابتة تحضر في السلوك بالقدر والدرجة ذاتها. فقد يتسع مداه أحيانا لكي يعم خيره كل الناس، كما هو سلوك المحسنين والطيبين من الناس، وقد تضيق دائرته لكي لا يستوعب سوى “الآخر”، المختلف في الدين والثقافة واللغة ( لا تتوقف وسائل الإعلام عن الحديث عن تسامح المغاربة مع غيرهم من الديانات الأخرى، ولكن لا أحد يقبل أن يكون المغربي على دين آخر غير الإسلام). إننا لا يمكن أن نكون متسامحين إلا تجاه ما نستطيع تغييره أو منعه أو إباحته[2]. فنحن نسمح للآخر بممارسة حق هو في تصورنا باطل لا شفاعة له، وبالإمكان منعه أو التضييق عليه. لذلك لا يحدد التسامح موقفا ثابتا في سلوكنا، بل هو “هبة” عارضة يمكن أن نستعيدها متى شئنا.

وهي صيغة أخرى للقول، إن الحقيقة هي مِلك “للقوي” وحده، فهو من يمارسها وفق موقعه في العقيدة أو الإيديولوجيا، ولكن بإمكان هذا القوي أن يسمح للضعيف بممارسة “ضلاله” تحت راية حقه وحقيقته التي أنعم الله بها على فرقته أو مذهبه أو دينه وحده ( الشيعة متسامحون مع السنة في إيران، ولكنهم ضالون في نظرهم). ويمارس المسيحيون عقيدتهم في الكثير من الدول الإسلامية، ولكنهم يمارسون عقيدة محرفة، فهي بذلك باطلة.

بطبيعة الحال، لا يعني هذا أن ليس من حق الناس الإيمان بحقيقة تخصهم وحدهم، فالإنسان يحيا بالنماذج العامة والخاصة، ويحيا بالذاكرة الجماعية أيضا، فداخلها تُبنى الكثير من الحقائق، ولكن ليس من حق الفرد أو الجماعة أيضا أن يعتقد في كونية ما قام هو ببنائه ضمن سياق ثقافته أو إكراهات العقيدة عنده. فقد لا يشكل ما يبدو لنا حقيقة بداهية لا يأتيها الباطل من كل الجهات، سوى تفاهات لا يُعتد بها عند الآخرين. وقد كان أندري الكونت-سبونفيل يقول: ” إن الحقيقي ليس بالضرورة خيرا، والخير ليس بالضرورة  حقيقيا”. إن الحقيقة ليست دائما ثورية كما يقول الماركسيون ثورية.

بعبارة أخرى، هناك فاصل بين حقيقة العلم المجردة، فهي كونية ويقبل بها كل الناس، فالحديد يتمدد بالنار في أرضنا وفي كل ربوع الدنيا والماء يتبخر بالنار في شمال الأرض وجنوبها، وبين الحقائق التي يبنيها الناس استنادا إلى ما أفرزته الممارسة عندهم، وهي حقائق لا تخص أحدا غيرهم. فلا يَدَ للعقل في ما يأتي من العقائد أو يقود إليها، فالناس يتوارثون الإيمان كما يتوارثون انتماءاتهم إلى الأهل واللغة والثقافة ( لا نتحدث هنا عن الحالات التي يُغير فيها الناس عقائدهم أو يتخلون عنها طوعا). فقد نكون حقا في حاجة إلى دين يحمينا من إغراءات النفس الأمَّارة بالخير أو بالسوء، فهو ضمانة للطمأنينة والراحة النفسية، ولكننا في حاجة إلى قانون يحمينا من جرائم الحق المدني في المقام الأول.

لذلك لا يجب الخلط بين القيمتين، إن الجمع بينهما قد يُفقد الدين طبيعته ليتحول إلى أداة للبطش بالآخرين، وقد يمنح السياسة وظيفة ليست من طبيعتها في الوقت ذاته، فلا يمكن أن نحكم الناس بالضمائر والنوايا. ولن يكون التسامح، استنادا إلى كل هذا، حقا يتمتع به كل المواطنين في ظل قانون مدني يحمي الخصوصيات في الانتماء والسلوك الفردي، بل سيكون تنازلا عن حق كان من الممكن ألا يتنازل عنه صاحبه، أو يكون بإمكانه استعادته.

وهذا ما يميز مفهوم “التسامح” عن مفهوم “الحق في الاختلاف”، والمفهوم الأخير هو من إفرازات شروط العيش الجديدة في حاضرنا المعاصر، وهو الأساس الذي قامت عليه الدولة المدنية الحديثة، إنه شرط أساسي في كل بناء ديمقراطي يمكن الأغلبية من ممارسة السلطة، ولكنه لا يحرم  الأقلية من الاحتفاظ بقناعاتها، فهو لا يبيح لها التحكم في أهواء الناس وميولاتهم ورغباتهم. إن الحق في الاختلاف يضمنه الدستور، فهو فوق كل العقائد والانتماءات الإيديولوجية أو السياسية، أما التسامح فقيمة فردية، إنه يكشف عن درجة التحضر عند الناس وعن قدرتهم على بلورة صيغ للعيش ليست متضمنة في بنود أي دستور مدني.

لذلك كان الفرد مؤمنا في التسامح، الديني أو الثقافي أو الإيديولوجي، ولكنه مواطن في الاختلاف. لا يقتضي التسامح تنازلا عن الفضاء العمومي، فهو ملك للمُتَسامح وحده، أما “الاختلاف” فيجعل هذا الفضاء ملكا لكل الناس، فذاك شرط من شروط تحققه، فهو حق دستوري. إن التسامح تحميه عاطفة الناس ومزاجهم، لذلك فهو مفهوم أخلاقي، أما الاختلاف فيحميه القانون، إنه بذلك مفهوم سياسي. لذلك نُعلي في الدين من شأن قناعاتنا ونسفه قناعات الآخرين، أما في المجال المدني، فنُعلي من شأن قوانين الدولة التي تحمي كل المواطنين، المؤمنين وغير المؤمنين، فلا دخل لإيمان الناس في احترام القانون.

استنادا إلى ذلك، سيكون من العبث الحديث عن السمْح والمتشدد من الأديان، فهي في واقع الأمر تشترك جميعها في السماحة والتشدد، والتأويلات هي التي توجهها إلى الشدة أو تعود بها إلى اللين (وإلا كيف يمكن أن يكون مالك سمْحا ويكون ابن تيمية متشددا وهما ينطلقان من النص ذاته؟ وكيف يقتتل السنة والشيعة وهما ينطلقان من القرآن وسنة الرسول). وهذا ما يجعل التسامح مبدأً موجها للمساواة بين كل المذاهب والأديان، وهو أمر يجب أن يحميه القانون، ويحوله إلى حق في الاختلاف. فمن حق الدولة أن تنشر بين الناس قيم التسامح، ولكنها لا يمكن أن تجعل منه مصدرا للحكم.

لذلك لا يصح أن تكون العقيدة مصدرا للتشريع، فالشريعة سبيل إلى الله وحق من حقوقه، وهو أمر لا يعني سوى المتدين الذي لا تحاسبه الدولة عن حجم الإيمان عنده، فوظيفتها هي أن تحثه على احترام القانون في الفضاء العمومي وتعلمه كيف يمارس قناعاته في بيوت الله، أما الدستور، مصدر التشريع القانوني، فيرسم حدود مساحات سياسية جديدة قادرة على استيعاب مستجدات الفعل الإنساني ضمن ما يصالح بين الحرية في “المطلق الإنساني”، وبين ممكنات التحول الاجتماعي والسياسي ضمن فضاء ثقافي بعينه. فقد تتغير مظاهر الخير والشر وأشكال تحققها، ولكن مضمونها سيظل واحدا عند كل الناس.

وهو ما يعني أن الفضاء العمومي مِلْك لكل “الناس”، أما فضاء العبادة فمن حق “المؤمنين” وحدهم. إن التسامح تربية وتنشئة على التعدد والتنوع في النفوس وفي الوجود، أما الاختلاف فمنصوص عليها في الدستور، وذاك ما يضمنه القانون المدني. فلا أحد يمكن أن يُصدر حكما على المتشدد مع نفسه، في اللباس والأكل وفي طريقة التعبد، فذاك حق منحقوقه، ولكن لا أحد من المؤمنين له الحق في تعميم سلوكه ليصبح قاعدة يجب أن يخضع لها كل الناس.

وهنا نكون أمام سلسلة من المحددات الأولية التي تقابل بين الوجود الإنساني على الأرض، وبين ما يُصنف ضمن القوانين المخصوصة. فهذه المحددات كونية، لا تمايز بين الشعوب والأمم داخلها، إنها ليست مشروطة بنمط ثقافي بعينه، فهي موجودة خارج الرأي والمعتقد الديني أو الإيديولوجي أو السياسي، من قبيل الحرية والكرامة والعدالة والحق في الحياة. فهذه حقوق يحددها الشرط الإنساني ذاته. أما القوانين الوضعية فهي الضمانة على تصريف هذه المحددات ضمن سياقات سياسية بعينها، أي وفق ما يقود إلى توفير فضاء عام يستوعب حريات الناس جميعَها، أي ما يوازي بين خلاص النفوس، وضمان المشترك من المصالح في الوقت ذاته. وهذه القوانين ذاتها هي التي تحد من الشطط في استعمال الحرية الفردية للإضرار بالآخرين، واستعمال القناعات الدينية لحرمان الآخرين منها.

3

استنادا إلى هذا التمييز وجب النظر إلى مقولة “التربية على التسامح”، أو ما يطلق عليه في بعض الأوساط “التربية على القيم”. فنحن لا نتعلم مبادئ “التسامح” من خلال الوعظ والإرشاد والحث والتحفيز، تماما  كما لا نتعلم “الثقافة”، إننا، في الحالتين معا، نتعلم كيف ننتمي إلى سقف قيمي ينتشر في التفاصيل الحياتية وفي طريقة تقدير الأشياء والمواقف. لذلك راهن الناس، في جميع السياقات الثقافية، على المدرسة، فهي المدخل الرئيس لبناء إنسان متسامح وبلورة مجتمع يقبل كل الثقافات، أي قابل لأن يعيش تناقضاته ويستوعبها ضمن ممكنات التقدم والنمو واحتمالات النكوص أيضا. وفي هذه الحالة أيضا لا نُعِد إنسانا يقبل الآخر في الدين، أو السياسة فحسب، بل نبني إنسانا يدبر شؤون حياته استنادا إلى وجود آخر قريب منه يقتسم معه الفضاء والزمان، ولكنه قد يختلف معه في الطقوس والقناعات.

وتكاد هذه الصيغة تكون غائبة في الكتاب المدرسي. فالتسامح لا يحضر فيه إلا من خلال صيغ الأمر والنهي والحث، وفي أحسن الحالات من خلال الإعلان العام عن انتماء إلى قيمة بعينها انطلاقا من نصوص هي في الأصل “وجهة نظر” مسبقة حول الحقيقة لا الحقيقة ذاتها. فلا تقدم مجمل النصوص المعتمدة “حالات تسامح ” استنادا إلى حقيقة الإنسان في الوجود ورغبته في العيش المشترك مع غيره، بل من خلال موقف مسبق هو الحاضن لكل صيغ التسامح الممكنة. بعبارة أخرى، يتعلم الطفل كيف ينتمي إلى التسامح استنادا إلى عقيدته، لا انطلاقا من قانون إنساني يشمل كل العقائد.

والحال أن التربية هي فن بناء الإنسان، لا إنتاج لمؤمنين أو كفارا. لذلك كان المدخل إلى ذلك يمر عبر تعليم الطفل كيف يميز بين حقائق العلم، وبين حقائق الثقافة التي ينتمي إليها أو ينتمي إليها آخرون. فحقائق العلم كونية يشترك فيها كل الناس، أما حقائق الثقافة فلا تخص إلا المنتمين إليها، كما أشرنا إلى ذلك أعلاه. لذلك، لا يمكن للإحالة الدائمة على نصوص تتحدث عن “قيم جاهزة “، من قبيل التسامح، في انفصال كلي عن تعقيدات الحياة، أن تكون رادعا عن فعل شيء ما أو محفزا عليه، كما لا تصلح أن تكون أسلوبا موفقا في التلقين، فهي في جميع الحالات تقدم جوابا مستوحى من قناعة سابقة، وليست مبنية على ما يستثيره السلوك الفعلي من أسئلة. والأسئلة وحدها هي مصدر المعرفة، وهي مصدر كل تفكير نقدي.

لا تكتفي المدرسة المغربية بأن تعلم الطفل كيف يكون مسلما، بل يجب عليه أن يكون مالكيا وأشعريا وجنيديا وتفاصيل أخرى ترافق ممارسة الطقوس. حينها لن تكون المالكية طريقة نحو الله لا تلغي بالضرورة الطرق الأخرى، ولا تسفهها، بل تصبح هي الصيغة الوحيدة الممكنة لممارسة الدين الإسلامي. إننا بذلك نعطيه الحقيقة كلها في سياق عالمه الثقافي، فهو على حق دائما، ولكننا نشير عليه بنسبيتها في سياق التعامل مع الآخر، الأجنبي لا مواطنه. والحال أن التسامح قبول برأي مخالف قد يشكل حقيقة عند شخص آخر، يمارسه وفق قناعاته. وبذلك تصبح الأحكام النصية، بكل أنواعها، جزءا من برهنة يتعلم من خلالها التلميذ كيف يتكيف استقبالا مع “صروف الدهر”، لتستقر في ذهنه بعد ذلك كأطروحة جاهزة تُغْنيه عن التفكير. إن اليقين نقيض التسامح.

تماما كما نحشو رأسه بمواقف تخص البيئة وضرورة حمايتها، ولكننا لا نعلمه كيف يحب الورود والشجرة والخضرة في الأرض والزرقة في السماء. والحال أن البيئة مفهوم مجرد لا يستقر في الذهن باعتباره قصة، أي سلوكا اجتماعيا محتملا، أما الشجرة فحقيقة موضوعية يمكن أن تحدثنا عن قصص كل الذين يبحثون عن ظل هربا من شمس محرقة، أو وقاية من خطر داهم. إن المربي في هذه الحالة معني بحقيقة موجودة خارج التاريخ، إنه يحتفي بالنص أكثر من احتفائه بمصير صغير ناشئ لا قِبل له بنصوص تأتيه من عالم لا يعرف عنه أي شيء. إن الطفل في منطق الكتاب المدرسي ليس “وعيا في طور التشكل”، بل هو “مؤمن صغير”.

بعبارة أخرى، لا يمكن أن نقدم للطفل الحقيقة كلها من خلال رسم حدود انتماء كلي يتضمن السلوك والحكم وتدبير التفاصيل، وفي الوقت ذاته نشير عليه بما يمكن أن يجعل منه طفلا متسامحا. إن الأمر يتعلق بما يشبه “الصوت الخارجي” (  VOIX OFF)، فهو يتحقق خارج مدار الفعل وخارج مدار ممارسة القناعات. وبذلك، فإنه يهمش المعيش الحياتي، وينتصر للنص “الثقافي أو الديني” الذي يحضر في حقيقة الحياة متعاليا وكليا يسمو فوق المشاعر، بما فيها مشاعر أطفال صغار لم يدركوا بعد حتمية الموت وما يعقبها من عقاب جهنم أو خيرات الجنة.

والحال أن هذه العوالم ليست فطرية في النفس، وليست سابقة على التنشئة الاجتماعية ومجموع المؤثرات الخارجية، كما يتوهم المربي أو الواعظ، بل تُكْتَسب من خلال وعي الإنسان لسلطة الزمن على الوجود وأثره في تشكل الوجدان والذاكرة ومراكمة المعارف وتداولها. فنحن لا نتعلم من النصوص وحدها، وقد لا نتذكر من التعاليم إلا الشيء القليل، بل قد لا تحضر ممنوعاتها في النفس إلا في لحظات طقسية مخصوصة مفصولة عن زمن السلوك الفعلي[3].

[1] -أومبيرتو إيكو : دروس في الأخلاق، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، 2010 ص 144

[2] -فولتير: قول في التسامح، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، 2015، مقدمة المترج ص 13

[3] -انظر مقالنا : لا أغش ، بل ساغش، مسالك المعنى، منشورات الزمن

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.