تعلم كيف يمشي فأطلق يديه

مقالات
13
0

 

سعيد بنگراد

 

انتشر الإنسان خارج ملكوته الضيق من خلال طاقات الصوت عنده، فابتدع اللغة أداة للفكر والتحليل المنطقي ورصدا لإيقاع التطور في الزمان، فكان الوجه واجهة العقل وعضوه المباشر؛ ولكنه امتد خارجه من خلال اليد أيضا، فكانت الإيماءات لغة موازية انبثقت عنها كل أشكال الغْرافية التي تعلم من خلالها الإنسان كيف يكتب ويرسم وكيف يخط على جدران الكهوف وعلى أديم الأرض والرمال ما استوطن وجدانا لا يقول دائما بالصوت كل انفعالاته. فكان بذلك ينفتح على عوالم المتخيل والأسطوري في حياته: يتعلق الأمر بما يُطلق عليه “الزوج الوظيفي”(2) الذي يوازي بين اللغة والوجه من جهة، وبين اليد والأداة من جهة أخرى؛ فعاليتان مختلفتان في الوجود والاشتغال، متكاملتان في الطاقة الرمزية والمردود الإبلاغي. “ففي البدء كانت الكلمة وكان الفعل، وذاك ما وحَّد بين الصوت واليد في البداية أيضا”(3).

ومع ذلك، لا شيء يوازي اليد في القيمة النفعية والتعبير الرمزي على حد سواء، إنها عضو الأعضاء ومركز لتنفيذ كل المقاصد والنوايا. فهي الفاصل الدينامي بيننا وبين عالم يأتينا عبر الحواس في المقام الأول، فبها نقيس المسافات وبها نحتمي من الأخطار وإليها نستند وبواسطتها نتقي كل الشرور؛ وباليد نتقزز ونصد ونغري ونتهكم وننذر ونحذر ونأمر وننهي؛ وهي مثوى ومنطلق كل الأحاسيس، ففيها الحزن والفرح والسعادة والانطلاق والانكماش، وهي موطن كل النوعيات، الخشن والناعم والحريري والمدبس والرقيق واللين، فالـمَلْمس فيها وحدها، أما العين فتكتفي برصد ما يَمْثُل صامتا في المحيط؛ وهي الرابط بين كل المنافذ الحسية أيضا، إنها الـمُنَفِّذ لغايات العين والموجه لأمداء الصوت، إنها تتكلم حين تصمت العين، وتصرخ حين تنفَد الكلمات؛ وهي ما يخصص ويَسِم كل حالات الإبلاغ اللفظي، فجزء كبير من مدلولات التواصل تحدده اليد، أما ما يَفْضُل منها فمودع في سياقات القواميس والوضعيات المسكوكة.

لذلك قد تكون اليد هي أساس انفصال الإنسان عن الطبيعة وسبيله نحو التأنسن، وقد تكون هي شرطه الأول والأخير، فمن يملك يدين يملك القدرة على تحويل الأفكار إلى حقائق تستوعبها أفعال من كل الطبائع. ” فبدون استعمال اليدين ما كان للإنسان أن يصل إلى ما وصل إليه أبدا” (داروين). إن اليد واسطة مثلى، إنها توازي بين أفعال الإنسان وبين قدراته العقلية في تنظيم تجربته الذهنية وتحديد المحتمل السلوكي وممكنات التبادل الاجتماعي في الوقت ذاته. إنها الفكر في وجهه العملي، أو هي الوِجاه(4) الذي يتم من خلاله التبادل بين المفهومي والعملي فينا، ذلك أن اليد تجسد فعليا ما يفكر فيه الذهن في الممكن المفهومي. بعبارة أخرى، إن” اليد فعل: إنها تُمْسك وتبدع وتفكر (…) ومن خلالها تتأمل العادة والغريزة وإرادة الفعل في الإنسان (5). فليس هناك أحن من يد تداعب، وليس هناك أقسى من أخرى تهدد وتتوعد.

وليس غريبا أن تكون كلمة يَدا في العِبْرِية، الدالة على المعرفة، مشتقة من اليد التي تعين في هذه اللغة عضو اليد ذاتها. وليس غريبا أيضا أن تكون اليد العَربية مستودعا للفعل والحركة والدينامية والإبداع، وهي صفات الحياة وحالات التطور داخلها. لقد قامت اليد، من خلال ذلك كله، بالنفخ في العالم من روحها فأصبح هذا العالم إنسانيا. وهو ما يعني أن بؤرة الإنساني مودعة في اليد وحدها، أما الأعضاء الأخرى فهي مصدر للانتشاء بالحسي في الطبيعة. بعبارة أخرى، إن اليد ناطقة في ذاتها وناطقة في غيرها، فمن خلالها وحدها تتكلم كل الأعضاء. وليس للأصم الأبكم سوى اليد أداة لقول كل شيء، ففيها يضع القول والمقول وصيغ القول في الوقت ذاته: الانخراط في الملفوظ أو الانفصال عنه أو التملص من تبعاته. فاليد عنده صوت “صامت” يقول ما تقوله اللغة في التسمية والفصل بين الانفعالات والتمييز بينها. إنه يفرح ويحزن ويقبل ويرفض ويرغب باليد وحدها.

ليس للجسد مأوى آخر غير اليد ذاتها، ففي غيابها سيُضَيِّع جزءا من ممكناته في التواصل والدلالة والفعل. ففيها الدفء والبرودة والصد والاستقبال الحسن. بل قد يُختصر الإنسان كله في اليد وحدها حين يُصبح مجرد أداة عند غيره (اليد اليمنى). وقد تكون اليد بذلك رمزا للوجود ذاته، إنها حامل للسلب والإيجاب، ما يشكل شرط الوجود الزمني على الأرض: منها اشتُق اليسار واليمين في السياسة والدين والإيديولوجيا؛ وهي مصدر اليانغ واليينغ في التقليد الصيني الفاصل بين الصالح والطالح في القيم والأخلاق : المشمس والظليل، والذكر والأنثى، والولوج والاستيعاب. وذاك أيضا هو الفاصل بين الأخذ( اليسرى) و”العطاء” (اليمنى) وبين “السر” (المضمومة) و”الثقة والحقيقة”(المبسوطة)، وبين “الأعلى”( الكبرياء والعظمة) والأسفل (الذل والمسكنة). ففي هذه الحركات تُكثَّف كل التقابلات التي تحدد مضمون الحياة وشرط التطور داخلها.

استنادا إلى ذلك، لا يُشكل الـمَسْك واللمس فيها سوى وظيفة أولية لا قيمة لها قياسا إلى مخزونها الرمزي. إنها ليست أداة ضمن أدوات أخرى، “إنها أداة الأدوات، ما يحل محل كل شيء، إن الإنسان يتمتع بيدين لأنه أذكى الكائنات على الإطلاق” حسب أرسطو. فكل ما في الكون له يد، يد الله ويد القدر ويد المنون ويد القاتل ويد الكريم والمانح وكل الأيادي الأخرى. “فوحده الكائن المتكلم، أي الكائن الذي يفكر، يملك يدا بها ينجز أعماله” ( هايدغر ). وفي اليد تثوي ثيمات الوجود الكبرى أيضا، فهي التملك والتخلي والإباحة والمصادرة والمنع والهيمنة: في ملك اليد، ووضع اليد ورفعها، وطلب اليد أو سحبها وبسط اليد. وفيها الحجم والامتداد وهي الفاصل بين كائنين.

لقد تسربت اليد من خلال موقعها ذاك إلى كل الصفات وإلى كل حالات النفس، فهي الخير والجود والعطاء والبذل، وهي السلطة والجبروت والرحمة والقسوة. أو هي” النعمة والقوة والقدرة والملك والسلطان والطاعة والجماعة والأكل، وهي الندم والاستسلام والتوبة”( لسان العرب). كل شيء يمر عبرها، إنها تحمل وتُمسك وتضرب وتغري وتداعب وتتوعد وتنادي وتتشبث. وهي السبيل إلى مواطن اللذة واقتفاء أثر الشهوة فيها. إنها ترى وتسمع وتتحسس وتُغري وتصل العين بالعين، وتهدي بواطن الأمور إلى ظواهرها. فليس للأعمى سوى يديه لكي يرى، ولكن العين عند الرائي لا يمكن أن ترى إلا بعون اليد. إنها “وجه بلا عين ولا صوت، ولكنها ترى وتتكلم”(6). إنها تغطي على الكلمات أو تفضحها.

لذلك لم يكن للحيوان سوى سلاح واحد لم يَسْع إلى تغييره أبدا، وذاك ما تقوم به قوائم الأسد والنمر والضباع، وما تبدعه أظافر القط، فهذه كانت موجهة منذ البداية لكي لا تقوم سوى بهذه الوظيفة وحدها، أما الإنسان فلا يتوقف عن تنويع أسلحته لأن اليد عنده مطواعة قابلة للتمدد والانكفاء والتثني. لقد تأنسنت يده قبل أعضائه الأخرى، أو هي وحدها استطاعت التخلي عن البيولوجي فيها لكي تصبح حاملة لقيم ثقافية هي ما يحدد جزءا من هوية الإنسان.

إن اليد ليست فاصلا بيننا وبين ما يأتينا من خارجنا فحسب، بل هي مصدر لكل التصنيفات أيضا: هناك تفاوت بين يد الفلاح ويد العامل ويد الحضري والبدوي، ويد المرأة ويد الرجل؛ في اليد طعم التراب وفيها الدقة والعنف والغنج أيضا. إن اليد واحدة عند كل الناس، ولكنها لا تنصاع إلا للثقافي فيها؛ فهي لا تُنَفذ برنامجا مودعا في الجينات، بل تكتب نصوصا تستمد مضمونها من الثقافة لا من التشكيل الحركي فيها.

إننا في الكثير من الحالات” نتكلم بأفواهنا، ونصمت بأيدينا”(7) ، تماما “كما نرى في عوالم ونتكلم في عوالم أخرى” (دوبري). وتلك حالات “الاصطدام” بالعالم، فنحن موجهون من داخلنا لكي نحتضن ما يلتقطه الوعي من خارجه دليلا على وجوده في العالم. ولليد في ذلك أرقى الأدوار، من خلالها نحسه فينا ومن خلالها يحس بنا داخله، ذلك أن “الإنسان يتنفس العالم من خلال يديه، ويمد أصابعه ليمسك باللامرئي في محيطه”(8). فكل حالات الانتشاء بالكون مودعة في اليد: الأيدي المرفوعة إلى السماء ابتهالا إلى الله أو استسلاما أو خوفا من خطر داهم، والأيدي التي تستقبل نور الشمس أو تتقي وهجه، والأيدي التي تحتضن العائد، أو تتسلل إلى المخفي، وتلك التي تداعب ماء الأنهار، أو تمسك بجذوع النخل. لا تتعرف اليد في كل هذه الحالات على محيطها، إنها تثبت انفصالها عنه ووجودها فيه في الوقت ذاته.

لذلك احتضنت اليد كل حالات النفس التواقة إلى سكينة في العالم أو طمأنينة في الروح: في اليد السلام والخشوع والتوسل والابتهال. فنحن نصلي بأيدينا، ونتوجه إلى الله من خلالها، فلن يتكلم الفم إلا من خلال يديْن تصوغان التوسل وتكشفان عن نوايا النفس وقصدها. وتلك هي الحالات التي تشير إليها المودرا (9) في التقليد السانسكريتي حيث تصبح اليد هي المادة التي يُصاغ منها ما يحيل على مجموعة من الأحاسيس أو الوضعيات كما يمكن أن تتجلى في الرقص واليوغا وفي طقوس العبادة أو التمثيل الرمزي لشخصيات بعينها.

إن التأمل في اليدين، فليس بوذا سوى سلسلة من الحركات هي مجمل حياته ومراحلها المتنوعة. وليس للفنان سوى يديه، إنه يكتب باليد، ويرسم بالأصابع وبها وحدها يصوغ مادته. إن اللوحة إبداع “يدوي”، فلا شيء يمكن أن يستقيم في اللوحة خارج ما توده العين وتنفذه اليد. وذاك ما يميز حقيقة الوجود عن عبث الأحلام،” إن الحالم لا يُبدع فنا، لأن اليد عنده تكون نائمة. إن الفن ينتج عن اليد فهي أداة الخلق” (10). وجزء كبير من المسرح الميمي تصوغه اليد وحدها، فبدونها ستظل الكثير من حركات جسد الراقص بدون معنى.

ومن هذه القدرة على صياغة الكون في حركات اليد انبثقت لغات عديدة، يتعلق الأمر بالتفكير بالأصابع والكف والقبضة: الشهادة والقَسَم والقدر والقوة والاتهام والإشهاد. وفي خطوط اليد تُختصر المصائر: “خط الحياة” و”خط الرأس” و”خط القلب” و”خط القدر”؛ وفيها تتكثف الجودة في المعيش والمواهب والإبداع والصحة والمزاج والطابع. إن قدر الإنسان مكتوب في يده، وفي اليد خطوط تهدي إلى المرصود من الكنوز. وفيها “خميسة ” الدالة على المرأة المتفوقة وعلى صد العين وعلى فاطمة الزهراء. إنها شعار دال على الموت والحياة في الوقت ذاته.

لذلك قد تأتي البدائل الاصطناعية بالعجب العُجاب، لكنها لن تحل محلها أبدا، إنها في حاجة دائما إلى عضو الأعضاء أو أداة الأدوات، اليد التي وحدها تمنح الآلات، عن بعد أو عن قرب، قدرة الاشتغال.

—–

1-العبارة مستوحاة من رواية نجيب محفوظ ثرثرة فوق النيل، حيث يقول أنيس زكي وهو يحاور نفسه في الصفحة الأخيرة من الرواية : ” أصل المشاكل قرد، تعلم كيف يسير على قدميه فحرر يديه”.

2-انظر André Leroi-Gourhan :Le geste et la parole, éd Albin Michel,1964, p262 et suiv

3- Henri Focillon : Vie des formes, éd P U F 9 édition, 2000,p.109

4-الوِجاه interface

5- Henri Focillon : Vie des formes, p.104

6–نفسه ص 103

7-نفسه ص 109

8-نفسه ص 107

9-mudra  كلمة من اللغة السنسكريتية وتدل على سلسلة الحركات الرمزية التي تتخذها اليد في حالات الفن أو التأمل أو العبادة.

10- Henri Focillon : Vie des formes, p.112