الإرهاب

مقالات
89
0

سعيد بنگراد

 

ما وقع في الدار البيضاء في مايو 2003 شيء بشع. للمرة الثانية يستيقظ المغاربة على دوي الانفجارات والجثث المنتشرة في شوارع هذه المدينة نتيجة عمل إرهابي. سقطت أسطورة ” الاستثناء المغربي” إذن، ولم يعد هناك من ستار نختفي وراءه سوى مجابهة الحقيقة كما هي دون مساحيق. لن نحتمي بعد اليوم بشعارات التسامح والتآخي والبلد الأمين. نحن جزء من هذا الكون، نعيش منجزاته كما نعيش أمراضه ومآسيه، ولسنا في مأمن من أوضاعنا، ولسنا بعيدين عما يجري في العالم من تطاحن واقتتال وصل حد العبث في أحيان كثيرة.

ربما للمرة الأولى نحس أننا لسنا آمنين من أنفسنا، كما أوهمونا بذلك لسنوات طويلة. فبيننا، أبناؤنا إخوتنا أصدقاؤنا ومعارفنا، من يستقتل انتقاما من نفسه أو من غيره أو من أجل استرجاع زمن أصلي غيبه التحديث المتتالي، أو ليشفي غليله نتيجة حقد صغير أو كبير، أو من أجل غاية لا يعرفها إلا الذين يحرضون على القتل باسم الله والدين ويعِدون المعدمين بثروات لا تفنى في جنات أُعدت لهم وحدهم. ما وقع شيء حقيقي، فآلة القتل الهمجي قد حطت بيننا، ولا يمكن أن تلغيها الإدانة البسيطة أو يجتثها الاستنكار القوي.

هؤلاء ليسوا خصوما في الرأي والرؤية والتصور. إنهم إرهابيون قتلة بالحرف وبالمجاز، يتموا ورملوا وقتلوا مواطنين أبرياء وقتلوا رجالا شجعانا ماتوا وهم يقومون بواجبهم من أجل حمايتنا. ولكنهم إرهابيون منا، من صلبنا، هنا كانوا وسيظلون هنا إلى الأبد، فتحت هذه السماء ولدوا وترعرعوا ولم يروا شمسا أخرى غير هاته التي نستظل بها جميعا. لن نرحِّلهم إلى بلد آخر ولن نقتلهم جميعا.

وإذا كان لي أن أدين ما جرى، فإنني أعلنها بكل قوة: يا لبئس ما فعلتم بنا وبأنفسكم وبالوطن. فليس هناك في الكون كله ما يبرر القتل أو يدعو إليه. بل بالإمكان أن أزايد وآتي بكل الصفات التي نستحضرها عادة في هذه المناسبات ك”الجريمة النكراء” و”العمل الجبان” و” القتل الهمجي ” وما تشاؤون من قاموس الشتيمة المتداول حاليا في السوق السياسية ومشتقاتها. وما حدث هو كذلك بالفعل. ولكن الشتيمة لا تجدي ولا طائل من ورائها، أو هي كذلك في تصوري على الأقل، فأنا فرد أعزل ولست مؤسسة لها أسهم في بورصة السياسة. وفي جميع الحالات، فإن التنديد القوي لا يمكن أن يلغي ما جرى ولن يمنع من تكرار ما حدث.

لماذا وقع ما وقع ؟ هو ذا السؤال الذي يجب أن نجيب عنه جميعا ومن مواقعنا المختلفة. أما كيف وقع فتلك مهمة أخرى. فأجهزة الأمن وحدها لا تسأل عن سبب القتل، ولها الحق في ذلك، فمهمتها هي القبض على القاتل لا البحث عن ظروف تخفف أو تفسر ما فعل. أما أنا فلست في وضع من يحاسب أو يحاكم، ليس بوسعي سوى التساؤل عن دوافع ما حدث، لكي لا يحدث مرة أخرى هذا الذي حدث. إن للإرهاب أوجها متعددة، ليس القتل سوى واحد منها، هو اللحظة النهائية التي ينفجر فيها ما علق بالنفس والذهن والوجدان على مر السنين: بذرة الشوك أطول عمرا من وخزه، وحمم البركان لا تنسينا أن فوهته تمتد عميقا في الأرض.

قد لا نتبين بوضوح حقيقة كل هذا القتل العبثي، ولكن الثابت أن ما وقع هو رد فعل شباب يائس خانه الوعي وارتمى في أحضان حقد أعمى حوله إلى أداة تزرع الرعب والموت في كل مكان. إن الحقد لا يبني ولا يعمر ولا يقود إلى التحرر، إنه طاقة تدميرية مهولة، كراهية منفلتة من عقالها وتضرب في كل الاتجاهات. لهذا لا يستهدف الإرهاب السلطة السياسية فحسب، إنه يروم تقويض دعامات البناء الاجتماعي ذاته من أجل فرض حقيقة واحدة تلغي الحياة ببساطة، بتعددها واختلافها وتنوعها وتحارب النسبي فيها والعرضي. وهذا هو الخطر الداهم. إن الحياة مبرمجة في النصوص، أو في تأويلها: ما يتعلق باللباس والأكل والضحك والحب ومباشرة الزوجة في الفراش. إنهم يريدون توحيد ما لا يريد الله ذاته توحيده، فالخير والشر جزء من الوجود الإنساني على الأرض، وانتفاء أحدهما من على وجهها انتفاء للزمن ذاته.

إن الأمن شيء هام، ولا يمكن الاستهانة به كحل ضروري، ولكنه لن يستأصل الداء ما لم يندرج ضمن استراتيجية شاملة تمكن الدولة المغربية، وربما لأول مرة في تاريخها، أن تنحاز إلى اختيار حضاري يشمل كل مناحي الحياة، وتتخلى عن هاجس الأمن والاستقرار المزيف. فلا يمكن محاربة الإرهاب بالتخلي المتزايد عن مواقع داخل المجتمع لصالح قوى معتدلة وأخرى قريبة من الاعتدال وثالثة تطمح إليه، والاستعانة بخبراء أمريكا لإصلاح واقع ” الحال”. كما لا يمكن محاربته بالمزيد من تديين الفضاء العمومي، والاحتفاء بالزوايا والمواسم والتغني بوحدانية المذهب واعتداله. فلن تجدي بعد اليوم ” أيام المساجد ” و” العطل للجميع” و” التنشيط الموسمي”. كما لا يمكن محاربته من خلال خلق جزر “حداثية” ينعم أهلها بمزايا التحديث، وسط محيط من الجهل والتخلف والفقر.

إن الإرهاب ليس ظاهرة دينية، ولم يكن كذلك في يوم من الأيام. إنه حل ديني لمشاكل من طبيعة أخرى، وأسهل الحلول هي الاستكانة للمعروف الضامن للراحة والسكينة، وليس هناك أكثر من الدين قدرة على توفير هذه الراحة. إن الظاهرة وليدة شيء آخر. إنها خليط من الاجتماع والثقافة والاقتصاد والشعور الجمعي بالمهانة. ولا يمكن أن تحل إلا ضمن هذا الثالوث المركزي. لذلك، فإن تجزيء المجتمع إلى كيانات متمايزة، والفصل والعزل والتصدق كلها عمليات لن تقود إلا إلى خلق حالة عجز عند المجتمع ستحول بينه وبين قدرته على استيعاب تناقضاته ضمن سقف ثقافي يوحد المتعدد والمتنوع ويتعرف فيه كل فرد على نفسه.

إن الإرهاب يولد صغيرا وينمو ويترعرع في غفلة منا ومن أجهزة المراقبة بكل أشكالها. فنحن لا ننتبه إليه إلا حين يتحول إلى متفجرات وأحزمة تنسف النفس والبلاد والعباد بلا رحمة. إن الإرهاب يبرعم في برامج المدرسة ومقررات الجامعات والثقافة والأحكام الجاهزة وفي التهميش والحقر والعبث بالمال العام. إنه في اليقين الذي تعلمناه ونعلمه للأطفال والتلاميذ والطلبة. يقين الحقيقة التي لا تشبه حقائق الآخرين وتخرجنا من زمنية الإنسانية وتدرجنا ضمن زمنية قيمية لاتاريخية خاصة بنا وحدنا وليست لغيرنا.  فإذا لم نبادر إلى إصلاح هذا الوضع وانتشال ناشئتنا من براثن هذا الطاعون الذي يفتك بالعقول الصغيرة، فإن يد الإرهاب ستمتد لتفتك بنا جميعا.

يجب إعادة النظر في كل شيء، في القيم والتربية والتعليم وحقائق التاريخ والمألوف الذي اطمأنت إليه النفوس طويلا. ولكن علينا أن نفعل ذلك وفق رؤانا وضمن تاريخنا وتراثنا لا خارجه استنادا إلى المتاح المعرفي المعاصر، لا استجابة لضغوط تأتينا من آخر هو ذاته لم يتخلص من عقدة النظرة المركزية للتاريخ وتطوراته. نحن لا يمكن أن نشكك في تاريخنا، كما يفعل الذين يبررون سيئات غيرنا بسيئاتنا في التاريخ القديم أو الحديث، ولكن علينا أن نتعلم كيف ننتمي إلى التاريخ الكوني للإنسانية جمعاء.

فلا أحد له الحق في التصرف بالحذف أو الإضافة أو التحوير في تراث الآخر. فما حدث قد حدث ولا يمكن إنكاره، والتأويل لا يُلغى إلا بتأويل آخر، والتراث في نهاية الأمر ملك للإنسانية جمعاء لا للذين ينتمون إليه فقط. فكل ما خلفه الإنسان وراءه من خرافات وأساطير إنما يشهد على عظمته، لا على قصور في الفهم عنده. إن الإرهاب لا يمكن أن يوجد في التراث، إنه في النظرة إليه وفي استعماله وتكييفه مع غايات بعينها. لذلك، فإن التخلص من سلبياته لا يتم بالحذف أو التدمير أو الطمس أو التشويش عليه. إن النصوص عنيدة، ولا يمكن التحايل عليها. تماما كما لا يمكن توجيه مسار التاريخ عنوة، أو تصحيح الماضي بحذف نصوص من رفوفه.

إن الوعي بتاريخية الموروث هي أقصر السبل للتخلص من سلبياته. والتاريخية في مجال التربية والتعليم ليست نظرية في دراسة التراث، بل هي منطق تلقيني يجنب الطفل هلع ” القتل” و” الجهاد ” و” القصاص” و” السلاسل الممتدة ” وهو في عمر الزهور. لكل مرحلة جرعة من المعرفة تلائمها. نحن لا نجب من قبلنا، ولسنا وحدنا في الكون، وحكاياتنا هي حكايات الإنسانية جميعها مع الظلم والعسف والفرح ومحاولة فهم ما جرى في العصور الغابرة. لم نلغ ما ورثناه عن الأمم الأخرى، بل أضفنا إليه جزءا منا ومن تصورنا للوجود كما تقوله لغتنا وثقافتنا، وكما تقوله الجغرافيا التي فيها جئنا إلى الوجود. فلنعلم أطفالنا حكايات الآخرين حتى لا يشعروا بالغربة في التاريخ والأرض.

ولن نقضي على الإرهاب بالاقتناع أننا متسامحون ونحن ننظم حفلات نتغنى فيها ب” السلام والإخاء ” ولا يحضرها إلا أمثالنا، هؤلاء الذين يملكون أفكارنا. إننا لا نقنع، بل نقتنع بما صنعنا فقط. فما يفكر الناس فيه ويؤمنون به هو غير ما تقوله التلفزات الرسمية بمناسبة الأماسي التي يحييها المجتمع المخملي احتفاء ب” روح التسامح” عندنا. الداء في مكان آخر أيها السادة، إنه ليس في الشعارات العالمة التي عاشها الشعب بعفوية منذ مئات السنين على شكل سلوك يومي نفعي آخى بين اليهودي والمسيحي والمسلم نتيجة تداخل المصالح لا نتيجة الصراع على من يدخل الجنة أو يظل خارجها. إن ثقافة الشعب لا تعرف الحقد، إن الحقد يولده الغبن والحقر والظلم والتهميش. من هنا نبدأ، وعلى الجميع أن يؤدي ثمن الانتماء إلى الوطن، وفي هذا الاتجاه يجب أن نسير، فما زال الأمل كبيرا في تدارك ما حصل.