هناك بعيدا في الأعالي

مقالات
36
0

 

سعيد بنگراد

 

I

يؤكد المهتمون بالفنون البصرية أن موضوع النظرة لا قيمة له إذا قيس بالنظرة ذاتها. فالنظر، خلافا للبصر، ليس حاجة نفعية أولية تقتضيها إواليات الإبصار، بل هو صياغة لفعل البصر ضمن ما تمليه حاجيات الحجم الإنساني. لذلك فهو مضاف ثقافي وليس أصلا سابقا. إنه في واقع الأمر تشكيل جديد للموضوع وفق ما تشتهيه العين الناظرة وتهفو إليه. أو هو، بعبارة أخرى، صياغة لدلالات لا تنبعث من الموضوع، بل تصوغها العين التي تنظر وتحدق وترنو. وهذا ما يفسر تنوع الأشكال التي يحضر من خلالها الجسد الإنساني في الصورة، فالعين ترى ما تود أن تراه، لا ما يأتيها من فضاء الجسد ومعطاه الخام. وهو أيضا ما يفسر تنوع زوايا النظر ودلالة الوضعات والتأطير والألوان والأشكال والخطوط وكل التقنيات الأخرى المنتجة لدلالات النص الأيقوني.

والحاصل أن الفضاء الممثل في الصورة – بكل أشكالها – لا يتحدد باعتبار امتداده في الوجود الواقعي، فالواقع لا يغري أحدا، بل هو كذلك باعتبار استيطانه للعين التي تلتقط العناصر المساهمة في إنتاج هذا الأثر المعنوي وليس ذاك. أما ما يأتي بعد ذلك من فعل التمثيل فلن يكون سوى تجسيد لوجود تناظري لا يحيل، في نهاية الأمر، إلا على نفسه. إن وظيفة كل تمثيل فني هي تخليص الفضاء من ماديته وتحويله إلى صورة نمطية أولية ستمكن العين من التحرر من إكراهات إدراك واقعي يأسر النظرة ويقلص من حقل نظرتها.

وتلك هي الإواليات الأساسية التي يستند إليها التمثيل الإشهاري للفضاء. فالغاية من كل تفضيء هي خلق مرجعية داخلية تقطع صلتها ” بالتنافر القيمي الواقعي ” لتنحاز إلى عالم وحيد التوجه والغاية والدلالة. ” لذلك، فإن التقطيع والتمييز والتركيب والفصل، كلها عمليات تقود إلى صياغة طوبولوجيا خالصة للحدود تتطابق مع غاية بعينها ” (1) هي وضع منتج ما ضمن فضاء يحيل في المقام الأول على العوالم الرمزية التي يستثيرها هذا المنتوج. وتشير هذه الصياغة إلى تلك العمليات التي يتحول من خلالها الامتداد اللامتناهي للكون إلى جزئيات فضائية حاملة لدلالات تتحقق من خلال سياقات منتقاة بعناية فائقة. فتحيين مقطع فضائي في الصورة الإشهارية لا علاقة له بخلق ” احتمال واقعي”، كما هو شائع في النصوص اللفظية، بل يروم غاية أخرى هي تحويل الفضاء المنتقى إلى قوة للاستيهام الانفعالي الذي يقذف بالذات المستهلكة إلى عوالم سحرية تعود بها إلى صور نسيها عقلها ولكنها استمرت في وجدانها على شكل رغبات مبهمة نادرا ما تتبين كنهها أو تنتبه إلى مضامينها الحقيقية.

والسجل الإشهاري، المحلي والعالمي على حد سواء، حافل بهذه الصور الرمزية الكبرى. فالعديد من الوصلات الإشهارية، خاصة تلك التي أنجزت في العقد الأخير من القرن الماضي وبداية القرن الحالي، تعتمد الرمزية الكونية منطلقا لها من أجل صياغة مضامينها. وهي مضامين تتجنب الحديث عن المنتوج لتركز اهتمامها على استثارة صور نمطية مودعة في الدهاليز المظلمة للاشعور. إن هذه الصور هي التي تقود الفرد ” الأعزل ” إلى الانغماس الكلي في عالم الشراء الذي لا ينتهي.” فالوصلات لا تكتفي باستثمار ما تجود به الطبيعة المباشرة، بل تتجاوز ذلك إلى تمثيل العالم داخلها بكل خصائصه الكوسميكية، لتسجل بذلك مشاركتها الديناميكية في هذا الكون. من هنا، فإن هذه الرمزية، في استعمالها لصور سماوية أو جوية، تتخذ أبعادا مجردة وتشير، في الوقت ذاته، إلى التسامي والحرية”(2).

بل قد تشمل هذه الرمزية جانبا كبيرا من المحيط الطبيعي المباشر للإنسان. ” فالحدائق الغناء ” و” المياه الجارية” و” شواطئ البحار” الخالية من كل وجود اجتماعي، وكذا ” الجبال الشاهقة ” و” السهول الممتدة إلى ما لانهاية ” و” الأنهار والبحيرات ” وكل الأشكال الدالة على الخصوبة التي تعرضها الإرساليات الإشهارية أمام ناظري مستهلك لا يقوى على الرد، هي ” مستوطنات مشخصة ” لازالت تحتفظ بالكثير من العناصر الأسطورية التي تذكر الإنسان بأصول أولى مازال يحن إليها ومن أجلها يتحرك وجدانه الباطني.

لذلك، فإن التمثيل الإشهاري للفضاء، كما سنرى ذلك من خلال موضوع دراستنا، عملية قائمة بالأساس على استنطاق الطاقة المخيالية الكامنة فيه من أجل تحويله إلى بؤرة قادرة على استيعاب الانفعالات اللامتناهية للعين التي ترى المنتوج وتتأمله باعتباره مستودعا لقيم تتميز بإيجابيتها المطلقة ضمن حالة إيجاب مطلق. إن الإدراك في حالة الإشهار لا يستدعي الشيء موضوعا له، بل ينفتح من خلال هذا الشيء على عوالم سحرية لا يمكن أن تتجسد إلا في أحلام مستهلك يعيش نشوة الاستيهام كبديل افتراضي لواقع روتيني.

 

 

II

 

استنادا إلى الملاحظات السابقة يمكن دراسة الفضاء الممثل في الملصق الإشهاري الجديد للبنك الشعبي في ارتباطه بكل العناصر التي تؤثثه وتسهم في بناء رؤية جديدة للكون تعيد صياغة الانتظامات الكونية المتعارف عليها وفق تصور جديد يقلب المعادلات المألوفة ويصوغ العوالم الدلالية من زاوية نظر تتعامل مع السلم القيمي بما يخدم الغاية الإشهارية المتمثلة في تثمين المنتوج والإعلاء من شأن المؤسسة الراعية له.

إن تصميم الملصق الإشهاري يخضع لتصور قيمي غير مألوف، فهو ينزاح عن المعايير التي اعتادتها العين وألفتها. وهذه السلمية القيمية هي الأساس الذي سيوجه قراءتنا لهذه الصورة. وهي عبارة عن لقطة مركبة بانورامية لعنصرين هامين من عناصر الكون : الأرض والقمر ضمن وضع مقلوب. وتتكون هذه الصورة، العادة من إرساليتين : إرسالية أيقونية تعد إخراجا فوتوغرافيا لسلسلة من العناصر الإقناعية التي تختفي في الموتيفات المصورة، وملفوظات تقريرية تحتفي بالمنتوج وتشهره وتثني على خصائصه، وتوجه، في الوقت ذاته، القراءة وتحدد لها سبلا دلالية بعينها: ( انظر الصورة ).

 

ما تقدمه الصورة هو فضاء كوني يمكن التعرف عليه في استقلال عن أي سياق ثقافي أو لغوي، فالقمر حالة رمزية عابرة لكل الثقافات، وهو بذلك جزء من مخيال إنساني شامل. ومع ذلك، فإن الدلالات التي يمكن استخراجها منه لا يمكن أن تتم في انفصال عن سياق ثقافي بعينه، وهو السياق الذي ستحدد بعض معطياته الملفوظات اللسانية المرافقة للصورة. لذلك فكل ما يمكن قوله عن هذه الصورة هو كذلك في ارتباطه بسجل رمزي من طبيعة إيقونوغرافية يدرج التجربة المخصوصة ضمن المخيال الكوني الإنساني العام. وهذا دليل آخر على أن الفضاء في بعده المباشر كيان أخرس لا يمكن أن يقول أي شيء خارج ماديته.

بدءا يمكن القول إن الصورة تصوغ لحظة ” زمنية فريدة ” ضمن فضاء ” مصفى ” يقود إلى استثارة سلسلة من الصور السحرية التي تسكن وجدان الإنسان منذ أقدم العصور. إنها صورة القمر الذي يلوح في الأعالي تحيط به النجوم من كل النواحي، فهو مصباح ليلي يختفي ثم يعود صغيرا ويكبر ويختفي ضمن دورة لامتناهية. إن القمر كوكب ليلي يلفه الغموض وتحيط به الأسرار من كل الجوانب: الحلم والتأمل والخصوبة واللذة والجمال والعرفان والأماني البعيدة. وهذا ما يفسر استثمار الإرساليات الإشهارية له والاحتفاء به ضمن وضعيات إنسانية متنوعة تودع المنتوج سرا من أسراره. ” فالقمر قد يرتبط في الإشهار بالحياة الحلمية الليلية اللاواعية، وهو بذلك يستثير حساسيتنا العميقة كما يستثير الأحلام الدفينة ل” حدائقنا السرية ” (3). وسر هذا الاحتفاء مستمد من أبعاده المخيالية ذاتها، ” فالأساطير والرموز القمرية تشير عند جل المجتمعات ” البدائية ” إلى صورة الأنوثة المنتجة للماء ومصدره ( الخصوبة والانبعاث الدوري)” (4).

يتعلق الأمر بصور دفينة وموغلة في القدم لا نلتفت إليها إلا في لحظات الإشراق المعرفي الذي يحرك فينا الرغبة الواعية في الكشف عن الآليات الإقناعية المستترة التي تعتمدها الصورة من أجل تحييد العقل والاستفراد بلاشعور المستهلك، الحلقة الأضعف في جهاز الالتقاط والرصد والاستمتاع. وهذا هو الميكانيزم الأساسي في ” الإقناع الإشهاري”، فنحن لا نرى ما نرى في انفصال عن وسائط سرية لا تُرى، إننا في واقع الأمر نرى ما يمكن أن يستثيره موضوع النظرة. فالفضاء الممثل في الصورة لا يمكن إدراكه خارج المعرفة التي تستند، في غالب الأحيان، إلى صور نمطية أولية نظر إليها البعض باعتبارها الصور التي بنيت عليها الحضارة الإنسانية في كل مظاهرها.

وهذا أمر طبيعي، فالفضاء جزء مركزي في اشتغال المخيال الإنساني. فكل العوالم التي ابتدعها الكائن البشري تمت في فضاءات جهد على تنقيتها ومنحها العناصر التي تخصصها وتحولها إلى فضاء لفعل مخصوص : الجبل، والسهل الممتد إلى ما لانهاية، والبحر والسماء والماء وكذا الأشكال والخطوط. وهي الأنواع الفضائية التي استعادتها الأشكال السردية، ومنها في المقام الأول الأساطير والحكايات الشعبية ومشتقاتهما. بل اكتشف البعض وجود رابط عضوي بين المخيال باعتباره نشاطا ذهنيا يشكل بعدا أساسيا في الوجود الإنساني، وبين الفضاء الذي يستوعب موضوعاته. ” فالمخيلة تتسلل مباشرة إلى الفضاء (…) وطابعها المباشر هذا هو المسؤول عن الكمال التام للموضوعات المخيالية، ” وفقر هذه الموضوعات العضوي” يعد غيابا سعيدا لطابعها العرضي ” (5).

بل إن الأفعال الإنسانية ذاتها، التي تشكل أساس الحكايات، لا يمكن أن تتحقق إلا في فضاءات تحدد لكل فعل طبيعته الخاصة (6). وهو ما يعني أن ” كل تجربة إنسانية تأخذ بعين الاعتبار، في كل أشكالها التعبيرية، الملموسة منها والأسطورية، علاقتها مع الفضاء” (7).

وما هو أساسي في هذا الملصق الإشهاري هو طبيعة الروابط الموجودة بين أشكاله الفضائية. فالصورة تقدم لنا رابطا جديدا بين الأرض والقمر يجعل من الثاني مرآة للأولى. فالمشاهد الذي تعود على رؤية القمر عموديا وفق ما تبيحه اللقطة من تحت إلى فوق، من الأرض في اتجاه القمر، سيجد نفسه أمام رؤية أخرى للروابط الأصلية. إننا في هذه الصورة نطل على الأرض انطلاقا من نقطة إرساء قمرية. واللقطة غنية بالدلالات، كما سنرى ذلك لاحقا. إنها لا تقلب العلاقات فحسب، بل تعيد النظر في البناء الرمزي ذاته.

إن التقابل الجديد يغير من مضمون العلاقات المألوفة وتكتسب حدوده مرونة وحرية في الانفتاح على روابط جديدة قد تحل محل ما ترسخ في الأذهان زمنا طويلا. فنحن، في هذه الصورة، لا نتأمل القمر السابح في فضاء بلا حدود، إن القمر الآن في متناول العين واليد والفؤاد، إننا ننأى عن الأرض وننفصل عن الواقع، لكي نحلم بعيدا عن إكراهات زمن طولي التوجه والإيقاع والتردد. إن الحلم يحل محل الواقع، والخيال الآن أقرب عند المشاهد من الحقيقة. إنه الوعد، والوعد أقوى من جودة المنتوج ووظائفه المحتملة.

وهو ما يعني بعبارة أخرى قلبا للموازين أيضا، أو تغييبا لعناصر الاستدلال المألوفة. فالتمثيل يستند في تحققه إلى نقطة فضائية افتراضية لا يمكن القبض عليها إلا من خلال الإسقاط التخييلي. فالواقع لم يعد أصلا لأي شيء،لم يعد حقيقة تأسر أو توجه أو تحد من الطموح. إن السيرورة لا تنطلق من واقع محدود بطبيعته، إنها تجد مبتغاها في الحلم، في تلك الرؤية الشبيهة بالتعزيم السحري الذي يمد الجسور بين الفوق والتحت، بين السماء والأرض، ويحول التراب إلى ذهب والماء إلى خمر تأخذ الشارب في سكر لا يصحو منه أبدا.

إن الرابط بين القمر والأرض يتضمن أيضا، كما سنرى ذلك لاحقا، فكرة الشكل ” العمودي” بما هو إحالة على سلسلة من القيم الإيجابية كالصلابة والطموح والرغبة في الرقي والصعود إلى أعلى، تماما كما توحي الدائرة، وهي جزء من المميز التجاري للبنك الشعبي، على الإتقان و” الحركة المطلقة الكمال ” والزمن المسترسل. إن العمودي اتجاه صاعد، لذلك فهو يندرج ضمن حركة ديناميكية تحيل على الفعل الإيجابي المتضمن للحلم والارتقاء إلى أعلى. إنه التحليق نحو العلا لتحقيق حلم لا تتسع له الأرض.

إن استعادة القمر – فوتوغرافيا- على شكل حلم ” وشيك التحقق ” يتم من خلال العبث برمزية متوارثة قصد إعادة رسم حدود جديدة للكون. فالأرض في العرف الإنساني وفي ميكانيزمات إدراكه ” معطى” جاهز في متناول الحس، والشمس موجودة ولكنها لا تُرى، إنها حارقة عارية كاشفة وفاضحة. أما القمر فشيء آخر، إنه سر من أسرار الكون، إنه الفاصل بين حقيقة عارية وبين امتثال لواقع بلا حقيقة. فهو موضوع التأمل، و” رمز التحول والنمو المطرد والعودة المتكررة ” (8). إنه كالحلم يبتعد ويقترب، يطل ويختفي، يأتي ثم يمضي. إنه مبتغى العين وحلم العاشق وسراج الليل. إنه، على عكس ما توحي به الأرض، لا يعرف اليأس، إنه أمل متجدد، إنه حالة مسخ دائم.

بل أكثر من ذلك، فالقمر مرتبط، من جهة ثانية، بثنائية الأرض والسماء باعتبارهما بعدين منفصلين يحيلان، في المخيال والحقيقة، على نظامين مختلفين من القيم، بل يحيلان على كونين متناقضين في الكثير من الأحيان. فالأرض توجد ملء العين وبذلك فهي تشير إلى الواقعي والعيني والمحدود في الرؤية والزمان. إنها تندرج ضمن قيم التبادل المباشر والحرفي والنفعي. في حين ترتبط السماء بعالم رمزي يعج بالصور المخيالية. فهي السمو والتعالي والتخلص من قيود الزمان والفضاء الأرضي. وهي أيضا، في ارتباطها بفكرة التحليق، الخفة والانشراح والفرح الذي لا حدود له. ” ففي الحلم لا نحلق من أجل بلوغ السماء، إننا نصعد إلى السماء لأننا نحلق ” (9).

استنادا إلى هذه السلمية الجديدة، ينزاح الإخراج الفوتوغرافي عن التقنيات المعتادة، إنه يربط بين قيمتين لا رابط بينهما إلا من حيث الإسقاط والرغبة في التحقق. فالقلب الذي تخضع له العلاقات التواصلية المألوفة، تلك التي كانت تجعل الأرض منطلق النظرة والتأطير وزاوية الرؤية، هو في واقع الأمر قلب للقيم ذاتها. فنحن لا نحلم، إننا غارقون في حلم يتحقق آنيا، أو نعيش الحقيقة كما يعاش كل حلم مفتوح على كل الواجهات. ونحن لا نتطلع إلى السماء، بل إننا في السماء ذاتها، وبالضبط في أجمل كواكبها وأزهاها. فما كان يبدو حلما هو الآن حقيقة، ولكنها حقيقة لا تشبه الحقائق المألوفة، تلك التي ألفها الناس واستكانوا إليها. إننا لا نأتي بها من السماء إل الأرض، بل على العكس من ذلك، نختصر الطريق ونصعد إليها ونقطف الثمرة في مظانها حيث الحلم كما هو في ذاته أصليا أوليا وكأنه يتحقق لأول مرة، تماما كما هي آثار هذه القدم على وجه القمر دالة على أول خطوة يخطوها الإنسان فوق هذا الفضاء البعيد الذي طالما تأمله الإنسان في فضول من تحت، من على كوكب أرضي خلفه الآن وراءه رمزا لحقيقة تجاوزها الحلم، فربوعه لم تعد قادرة على استيعاب أحلام ” المقاولين الشباب”. إن الريادة تتحقق في العلا لا ضمن محدودية الأرض.

وهو ما يقودنا إلى الوجه الثاني في عملية الإخراج ذاتها. فاللقطة الفوتوغرافية تتضمن نفسا سرديا وتشير، كما هو كل فعل سردي، إلى التحول من حالة إلى أخرى. أو تشير إلى تنقل داخل فضاء فعلي أو مخيالي، يتم في الذهن أو الذاكرة أو في الحقيقة. وفي جميع الحالات، فإن الفعل يدرج، بالضرورة السردية ذاتها، لحظتي ” الماقبل ” و” المابعد” باعتبارهما تحديدا مخصوصا للكم الزمني اللامتناهي. إن هذا التمثيل السردي يمكن المشاهد، من خلال هذه الطريقة الخاصة في توزيع الأشكال الفضائية، من استعادة ” الحدث التاريخي” الشهير ( نزول أول إنسان على سطح القمر)، واستحضار البعد الرمزي للقمر في الوقت ذاته. إن استعادة لحظة ” الوصول “( بكل معانيها بما فيها النجاح في المقاولة) من خلال لقطة تتم من على وجه القمر في اتجاه الأرض، هو استعادة للحلم ذاته ووضعه في حساب ” البنك ” : إننا لا نعود إلى الوراء، كما توحي بذلك الإحالة التاريخية، وإنما نستعيد اللحظات المشرقة في التاريخ.

والتاريخ شاهد على ذلك. لقد شدت أنظار البشرية في كل بقاع الأرض إلى القمر، كانت أقدام الغزاة الجدد تطأ سطحه دون خوف. حينها تحول الحلم إلى حقيقة. إنه لم يعد كوكبا يثير الدهشة والفضول، ولم يعد قبسا من نور تناجيه العذارى. لقد أصبح أرضا جديدة قابلة للغزو كما هي كل الأراضي في هذا الكون المترامي الأطراف. وهو ما يفسر الوضع المقلوب للصورة: نتأمل الأرض بخضرتها، ونزيل عن القمر كل البراقع التي كانت تغطي وجهه.

والحاصل ” أننا، نحن في ” البنك الشعبي “، قادرون على الذهاب ب” الشباب المقاول” إلى أبعد ما يمكن أن يتصوره عقل الإنسان، نذهب به إلى كل بقاع الكون وفق طريقتنا لا على طريقة حكايات الغزو كما تمت في التاريخ. نحن ذاهبون بكم إلى القمر ولا نكتفي بالانتقال من بقعة داخل الأرض إلى أخرى في الأرض ذاتها (  اكتشاف أمريكا، وغزو الغرب في أمريكا ذاتها). إن الواقع لا وجود له، نحن من يخلق الواقع ويؤثثه وينثر الأحلام حوله، خلفه وأمامه، في الفضاء وفي الزمن، في التاريخ والجغرافيا.

إن الآثار على سطح القمر دالة على قدم أرمسترونغ بالتناظر والتذكر والصورة الملتقطة، ولكنها دالة أيضا على الخطوة الأولى للشباب المقاول، كما تشير إل ذلك الإرسالية اللسانية المرافقة : البنك الرائد لدعم أولى خطواتكم. ومع ذلك، فإنها خطوة من طبيعة خاصة، فهي لا تتم وفق حقيقة الأرض، فأفق الأرض محدود، إنها تتم وفق ممكنات القمر اللامتناهية، إنها ممكنات تمزج بين لحظة التأمل وحقيقة الوصول وحلم الرحلة. إننا نستعيد القمر عبر عين الطفولة التي كانت تتأمل السماء البعيدة وتحلم بالحرية والتحليق بعيدا عن رقابة الأب وخوف الأم وحنانها، وبعيدا عن غمز الجيران أيضا. إنها خطوة نحو آفاق أخرى لا يحدها سوى القمر.

وعبر استعادة الحدث التاريخي المذكور، نقوم بتشخيص الشحنة الرمزية التي يشتمل عليها القمر وذلك من خلال خلق حالة تناظر بين الحلم ( القمر) والحقيقة ( الأرض). إن حضور الكوكبين في الصورة دال، حتى وإن تم ذلك بشكل مقلوب. إن البنك لا يعيش حالة انفصام، إنه لا يمكن أن يتخلى عن الحقيقة ولكنه متشبث بالحلم، إنه لا يتخلى عن الأرض، ولكنه يتأملها من على سطح القمر. إن التذكير بالحلم هو دعوة إلى التشبث بقيم شباب لا يشيخ أو بقمر لا يغرب أو بأرض لا تجف سواقيها.

 

III

 

إن فهم الإرساليات اللسانية التي تحيط بالصورة وتأويلها لا يمكن أن يتم إلا استنادا إلى المخزون الرمزي للقمر بكل حمولاته الدلالية التي حاولنا الكشف عن بعضها في الفقرات السابقة. فكل العناصر الممثلة في الصورة وكذا السلمية التي نقيس من خلالها الأشكال مرتبطة بثنائية الأعلى والأسفل، الأرضي والسماوي، الحلم والواقع، المنتوج والوعد، البداية والنهاية. وهي ثنائيات لا تتغذى من الضدية، بل تشير إلى ” السيرورة ” المنتجة، أي إلى الحركة الإيجابية الذي تقود من” أ ” إلى “ب ” وفق سلمية ارتقائية تشير إلى زمنين متتاليين، زمن ” الماقبل” وزمن ” المابعد “، أي ما قبل تدخل البنك وبعد تدخله. وهو المنطق الذي يقوم عليه كل حجاج إشهاري. وهو ذاته الذي سنحاول الكشف عنه من خلال ما يمكن أن تقوله الإرساليات اللسانية المرافقة للصورة.

إن غاية المستشهر، كما تبدو عبر حالات الترابط بين ما تقوله الكلمات ضمنا، وبين ما توحي به الصورة، هي فصل الملفوظات عن سياقها المباشر لخلق نوع من التداخل بين السجلات المختلفة. فعلى الرغم من الطابع التقريري لهذه الملفوظات، فإنها لا يمكن أن تفهم إلا ضمن مستويين مختلفين للغة: المستوى الأول ما يمكن أن تحيل عليه أفعال اللغة ذاتها. أما المستوى الثاني فيشكل ما يمكن أن تحيل عليه السجلات الدلالية المختلفة. وهذا ما يدعم ملاحظتنا السابقة : وجود صلة شديدة بين بما يمكن أن تحيل عليه الصورة من عوالم أو قيم أو صفات وبين الملفوظات. فهذه الأخيرة تستعير شحناتها الدلالية المضافة من هذا الترابط بالذات، وضبط الحدود الدلالية للصورة لا يمكن أن يتم إلا استنادا إلى هذه الملفوظات.

على المستوى الأول يشتمل كل ملفوظ، كما هو كل فعل لغوي، على قوة إقناعية ضمنية تتسرب إلى الملفوظ من خلال الصياغة اللغوية ذاتها. فالملفوظات الموزعة على مساحة الصورة تتضمن غايتين: غاية وصفية مباشرة توهم بأن الإرسالية في كليتها لا تقوم سوى بالوصف المحايد للمنتج، كما يمكن أن يكون عليه كل ملفوظ يتضمن دلالة تصريحية. إلا أنها تُضمنها، من خلال هذا الوصف ذاته، بعدا حجاجيا يهدف إلى إقناع المستهلك بجدوى استعمال المنتوج المسمى. ويمكن إثبات ذلك من خلال إعادة صياغة الإرسالية كما يمكن أن يتلقاها مستهلك عادي لا يتساءل عن مراميها الحقيقية: المنتوج اسمه ” مقاولتي ” وهو موجود في السوق، ويتداوله الكثيرون، من يستعمله سيتمتع بمزايا لا عد لها ولا حصر، ومن لم يستعمله بعد، فهو محروم من هذه المزايا. إن تعداد هذه المزايا والتمييز بين مستعمل وآخر هو دعوة صريحة إلى الإسراع للاستفادة من هذا المنتوج للاستفادة من مزاياه. وتلك هي القوة الإقناعية الداخلية التي لا ترى بالعين المجردة، وهو ما سنحاول الكشف عنه في الفقرات التالية.

فالريادة في هذا المجال، وبهذه الصيغة لا تقرر ” حقيقة” خاصة بالمؤسسة التي تعلن تفوقها على نظيراتها. و” ال” التعريف وحدها كافية للإحالة على كل حالات الإقصاء الممكنة: إن الإثبات يتضمن نفيا بالضرورة. فالبنك الشعبي ليس بنكا رائدا، بل هو البنك الوحيد الرائد في مجاله، تماما كما هي صفة ” الشعبي “، فهو ليس شعبيا، إنه الشعبي من بين كل المؤسسات. وفي الحالتين معا، فإن الملفوظ، رغم تقريريته الظاهرة، يتضمن الإثبات والنفي في الوقت ذاته: فهو لا يمكن أن يثبت دون أن ينفي، وتلك هي الريادة الحقيقية، إننا لا يمكن أن نتقاسم الامتياز.

بل هناك ما هو أهم من ذلك. ويتعلق الأمر بالتخصيص، فالريادة هنا ليست ريادة عامة كما يمكن أن تحصل عليها مؤسسة شبيهة. إنها هنا ريادة من نوع خاص، إنها مرتبطة بحدث لا يشبهه أي حدث آخر في التاريخ. فالذي وطئت قدماه سطح القمر لا يمكن أن يكون رائدا كباقي الرواد. وهكذا، فإن ” الخطوة ” المرسومة على وجه الصفحة، تنفصل عن سياقها التاريخي من خلال الملفوظ المشار إليه أعلاه، لكي توضع في سجل المؤسسة وإنجازاتها المتعددة. إن صفة الريادة ليست لأرمسترونغ وحده، إنها للبنك الشعبي أيضا. فرائد الفضاء كرائد المال والأعمال كلاهما يخرج من دائرة المألوف ويمنح الشباب أجنحة تطير بهم إلى أبعد ما يمكن أن يتصوره شاب أو تدعيه مؤسسة منافسة.

وهو ما تدعمه كلمة ” إرشاد ” الدالة على مصلحة خاصة بالهداية والتنوير والتوجيه والدعوة إلى الطريق القويم. ف” الخبرة” هي ما يبرر ادعاء الإرشاد، والإرشاد هو ما يمنح صفة الريادة. والكشف في كل هذا ليس آنيا، إنه موغل في التاريخ، إنه شبيه بما حدث في يوليوز  عندما وطئت قدما أرمسترونغ سطح القمر : أربعون سنة من الريادة. فخطوة الشباب المقاول هي استعادة خاصة للحدث وفق قيم المال والأعمال. إنه استعادة للحظة في التاريخ وإدراجها ضمن خبرة المصرف تدعيما لريادته في مجاله.

إن الأمر يتعلق باستراتيجية خطابية قائمة على ازدواجية في التدليل : تنفتح الصورة على سجلات دلالية بالغة الغنى والتنوع، في حين تقوم الملفوظات اللسانية بعملية ضبط ذاتي للتوالد الدلالي الذي يقلص من حجم السجلات ويوجهها وفق غاية مخصوصة. فالصورة قد تقول كل شيء، فهي تجميع كوني لكل السجلات الرمزية، إلا أن الملفوظات المرافقة لها تحتم عليها أن تقول فقط ما تقبل به الغاية الإشهارية وتجيزه.

وهو ما تؤكده طريقة صياغة الملفوظات ذاتها. فالصفات والتسميات تتخلص في مرحلة أولى من شحنتها الدلالية الأولى لكي تنفتح على عوالم الرمز والتاريخ والجغرافيا والمنجزات الإنسانية الكبرى وذلك في ارتباطها المباشر بالصورة. إلا أنها في ارتباطها بسياقها الثقافي المباشر لا يمكن أن تحيل إلا على ما هو مبرمج بشكل سابق داخل هذه الثقافة بأبعادها المختلفة. إنها تنفصل في مرحلة أولى عما تعينه كشيء موضوعي، بل تنفصل عن مدلولاتها أيضا لكي تخلط بين كل السجلات بغية انتشال المتلقي – وهميا- من دائرة ” الأرقام” و”العمليات الحسابية” و” الفائدة ” و”الخصم” و” الأسهم”، لكي تقذف به داخل عالم رومانسي تلفه العواطف والمشاعر الرقيقة والاندفاع نحو الحلم الذي لا يمكن أن يتحقق إلا على يد هذا الرائد في ” صنع المستقبل”. ولكنها تحيل، في مرحلة ثانية، على مدلولات تنتمي إلى معجم خاص ينسب ويوجه وينتقي قيمه من التاريخ القومي بحمولاته الثقافية المخصوصة.

وضمن هذه الاستراتيجية يجب إدراج الترابط الموجود بين  الملفوظ الأول ” البنك الرائد ” وبين الملفوظين التاليين : ” إرشاد، خبرتنا رهن إشارتكم ..” و” نؤلف بين المصالح” . فالرائد إحالة على الانطلاق والاندفاع والتحليق في كل الآفاق دونما اكتراث للإكراهات والعوائق، في حين يقوم الثاني ” بتهدئة اللعب “، من خلال إدراج الريادة ضمن سجل ثقافي له إكراهاته الأخلاقية والدينية والطبقية أيضا كما سنرى. فالملفوظ ” نؤلف بين المصالح ” المرتبط باسم المؤسسة ” مجموعة البنك الشعبي ” يعود بكل شيء إلى الوضع الطبيعي، ويحد من الاندفاع ويوجهه وفق مقتضيات السجل المشار إليه أعلاه. إنه يدرج ” الحماس” ضمن “الخبرة” ويدرج ” طموح الشباب” ضمن “حكمة الشيوخ”، ويدرج الريادة ضمن الاستمرارية التاريخية بكل حمولاتها الحضارية.

ولكن هناك ما هو أعمق من ذلك ويتعلق الأمر بالتكوين المعجمي للملفوظين. ف” الرشاد” و” التأليف” كلمتان تنتميان إلى سجل ديني صريح، ولا يمكن استيعاب كل ممكناتهما الدلالية إلا بالعودة إلى هذا السجل بالذات. فقد يكون الرشاد توجيها وتنبيها، كما قد يكون التأليف مصالحة وتآخيا ورأبا للصدع، إلا أن هذه الوحدات لا تشكل سوى أحد الإمكانات الدلالية. فهي تمتح، في جميع الحالات، حمولتها الأصلية مما يمكن أن يقول الدين عن الرشاد والتأليف بكل السياقات الممكنة أو التي يمكن تصورها. ويكفي أن نحيل هنا على آيتين تتضمنان فكرة الرشاد والتأليف: ” وهيئ لنا من أمرنا رشدا “، “واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء  فألف بين قلوبكم ” ( آل عمران -103).

فالرشاد هو البلوغ وسن الرشد وولوج عالم المسؤولية، ولكنه أيضا هو الهداية إلى الطريق القويم والتوبة والندم وتبين الصالح من الطالح. إن الأمر يتعلق بنفس ديني يميل إلى الأحكام الأخلاقية في التعاطي مع الشأن الحياتي. ولذلك، فإن الكلمة مرتبطة بالجملة ” نؤلف بين المصالح “. وهنا المفصل الأساسي للبناء الدلالي برمته. فاستنادا إلى هذا الملفوظ يمكن استعادة كل جزئيات الصورة وإعادة تنظيمها وفق مبدأ جديد يلغي الأضداد والتقابلات لصالح المصالحة. إننا أمام إبدال ثقافي جديد لا يقابل بين عوالم كانت تبدو إلى الأمس القريب غير قابلة للمصالحة بل يصالح بينها.

يجب أن نضخ في دم الشباب جرعة من ” التقليد ” تمنحه التوازن وتحفظ له خط الرجعة. فالمستقبل لا يشكل دائما قيمة إيجابية، فقد يكون تهورا أو اندفاعا أو خطوا دون حساب. ولكننا بالتأليف نمضي إلى المستقبل في رعاية الماضي. إن فك هذا التقابل سيقود إلى فك كل التقابلات الأخرى :

– نؤلف بين مصلحة الدنيا والآخرة، فلا ضير في النجاح في الأرض إذا كان مرتبطا بفلاح في الآخرة.

– ونؤلف بين مصالح الكبار والصغار، فنجاح بعضنا لا يتم على حساب بعضنا الآخر.

– ونؤلف بين مصالح الطبقات جميعها. فنحن النقطة التي تنتهي عندها كل التناقضات. فنحن الشعب بفئاته بشبابه وشيوخه، بمصالحه الصغيرة منها والكبيرة.

-إننا في نهاية الأمر نربط بين الفوق والتحت، بين السماء والأرض، بين الحلم والحقيقة، بين الوجدان برموزه، وبين العقل بحساباته. إن صورة القمر الذي يطل على الأرض، هو صيغة أخرى لرؤية الأشياء من فوق، ولكنها كما هي في الأرض لا خارجها. إن الحلم لا تتسع له سوى الأرض.

——————

هوامش

1- 101 Anne Sauvageot : Figures de la publicité , figures du monde, éd P U F, p.

2- نفسه ص 26        3-نفسه ص33                 4- نفسه ص33

5- 462J Durand : Les structures anthropologiques de l’imaginaire, éd Dunod ,p.

6-    Greimas , Courtés : Sémiotique , dictionnaire raisonné , Hachette Université,  , article : espace

7-94 Anne Sauvageot : Figures de la publicité , figures du monde, éd P U F  p.

8- Chevalier ( J) ,Gheerbrant ( A) : Dictionnaire des symboles, R Laffont / Jupiter ,  article :  lune

9-  Gaston Bachelard : L’air et les songes, éd librairie José Corti, livre de poche,  , p.44.