أصل اللغة الإنسانية وتطورها

admin
مقالات
1 مايو 202128 مشاهدة
أصل اللغة الإنسانية وتطورها
أصل اللغة الإنسانية وتطورها

                                                                                                                بارتيل مالمبيرغ

ترجمة : سعيد بنكراد

“يستغرب الكثيرون أن نؤكد أن المشكلة الخاصة بأصل اللغة ليست مشكلة لسانية، مع أن الأمر كذلك في واقع الأمر. وقد ضل الكثيرون سبيلهم وهم يعالجون هذه القضية، لأنهم لم يأخذوا هذه الحقيقة في الحسبان. ولقد كان موطن الخطأ عندهم هو أنهم تناولوا القضية من زاوية لسانية، كما لو أن أصل اللغة يمكن أن يمتزج بأصل اللسان.

ينكب اللسانيون على دراسة الألسنة المنطوقة والمكتوبة؛ إنهم يتتبعون آثارها في التاريخ اعتمادا على أقدم الوثائق المكتشفة. ولكنهم سيظلون مع ذلك ضمن دائرة ألسنة متطورة مهما توغلوا في هذا التاريخ. فهذه الألسنة تملك ماضيا معتبرا لا نعرف عنه أي شيء. إن الفكرة القائلة بأننا قد نصل، من خلال مقارنة الألسنة الموجودة حاليا فيما بينها، إلى إعادة بناء “لغة بدائية” هي فكرة خرافية. وقد داعبت هذه الخرافة أحلام مؤسسي النحو المقارن، وقد تم التخلي عنها منذ زمن بعيد”(1).

لقد كان موقف اللسانيات الرسمية، في الفترة التي كتب فيها اللساني الفرنسي الشهير الفقرة التي أحلنا عليها أعلاه، هو ذاك الذي يرى أن أي نقاش حول أصل اللغة يجب أن يُستبعد من ميدان مجتمع اللسانيات في باريس- رغم وجود بعض الرواد أمثال ياسبرسن -. وقد كان هذا الموقف، استنادا إلى المبادئ والطرق المستعملة، موقفا سليما. فالطرق التاريخية والمقارنة لا تُمكننا من العودة إلى المراحل الأولى للغات والألسنة. إن المرحلة التي تغطيها الوثائق وأنماط إعادة البناء لا تشكل سوى جزئية بسيطة من تاريخ الإنسان المتكلم، ولا تعكس أي تطور أساسي للبنية. إن كل الألسنة المعروفة – الحية منها أو الميتة- تملك درجة التطور نفسه – ودرجة القصور نفسه أيضا- سواء كانت محملة بثقافة كبيرة، أو كانت فقط لسان قبائل توصف بـ” البدائية”. ويكشف لنا تاريخ الإنسان الناطق،كما يمكن تتبعه أو إعادة بنائه، عن تغيرات متنوعة، ولكنه لا يقول أي شيء عن التطور الأصلي الخاص بنمط اشتغاله.

ومع ذلك، تتوفر اللسانيات الحديثة على مصادر أخرى غير تلك التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر، وهي مصادر قد تمكننا من فهم السيرورة الطويلة الماضية بدءا من الرموز الشاملة التي استعملتها حيوانات كثيرة – خاصة عند تلك المتطورة من فصيلة الرئيسيات  ( الشامبانزي مثلا)، وانتهاء بالعلامات ذات التمفصل المزدوج. فتحليل الأسس العامة والبسيطة، وتبعا لذلك البدائية، لألستنا الحالية، ودراسة البنيات الدنيا والبنيات الأكثر تطورا ( عند الطفل) أو البنيات غير المنظمة ( العي في النطق)، هي التي ستمكننا من الإحاطة  بتخوم تنظيم تراتبي يُترجم في مقاطع زمنية. وهكذا سنرى لاحقا ما سيظل، استنادا إلى ما قاله فوندرياس، ثابتا في ضوء العلوم المعاصرة وما لا يصمد أمام النقد:

“وبالإضافة إلى ذلك، فإن العلاقة بين العلامة وبين الشيء الدالة عليه، بين الشكل اللساني ومادة التمثيل، هي علاقة اعتباطية. وقد اعتقد الناس لمدة طويلة أن الوظيفة الأولية للغة كانت تكمن في إعطاء أسماء للأشياء، أي نحت مجموعة من المفردات تتطابق معها، وهي الفكرة التي سبق أن عبر عنها لوكريس في البيت التالي:

“الحاجة هي التي كانت وراء ظهور أسماء الأشياء” (utilitas expressit nomina rerum)

حيث كان يعتبر، عن حق، أن اللغة هي استجابة لحاجة. ولقد حاول الرئيس دو بروس De Brosses ، في القرن الثامن عشر في فرنسا تفسير الشكل الخارجي للكلمات من خلال المعنى الذي تعبر عنه. لقد كانت الغاية من أبحاثه هي خلق ما يشبه الرمزية الخاصة بالمعاني. إن عملا من هذا النوع يثير السخرية في أيامنا هاته. فما هو أساسي ليس تسميتنا للأشياء من خلال هذه الكلمة أو تلك، بل كوننا نمنح هذه الكلمة أو تلك قيمة ائتمانية، بما يشبه الاتفاق الضمني بين المتكلمين، أي أننا نتعامل مع الكلمة باعتبارها موضوعا للتبادل، تماما كما استبدلنا التبادل العيني بتعامل نقدي”.

لقد سبق أن عبرنا عن فكرة مفادها أن للرمز الشامل امتدادا أوسع من ذاك الذي تتمتع به العلامة ذات التمفصل المزدوج، وهي الخاصية الوحيدة للغة الإنسانية. ولقد قلنا منذ البداية أن التعريف المبني انطلاقا من هذا التصور هو تعريف اعتباطي، ولكنه سيظل التعريف الممكن، إذا كنا نود الوصول إلى إقامة تصنيف ملائم لكل الوسائل الممكنة للتمثيل والتواصل. هناك الكثير من الحيوانات التي تتمتع بشكل متطور من أشكال التواصل، وهناك بعض الرئيسيات لها ” لغة” غنية في التمييزات، وتشهد على تمتعها بملكة متطورة للتجريد والتصنيف. ولن نتوقف عند هذه النقطة طويلا، وكنا قد حاولنا في مناسبة أخرى البرهنة إلى أي حد يمكن للغتنا أن تشتغل بنفس القوة الرمزية التي يقتضيها الحفاظ على النسق الرمزي الذي يُعد، من الناحية البنيوية بسيطا، ويشتغل بطريقة تتجاوز العلامات وشكل تحققها. فلا وجود لتواصل إنساني مبني فقط على تجميع اعتباطي للعلامات المعللة. ويُعد التناوب بين التعليل والاعتباطية، بين الرمزية والدلالة، على النقيض من ذلك، خاصية من خاصيات تواصلنا.

تتقابل الرمزية والدلالة في تصورنا باعتبارهما وظيفتين تتميزان عن بعضهما البعض من خلال اختلافهما المعقد. إن أساس غنى اللغة الإنسانية هو هذا التعقيد بالذات، وهو ما يميز بنيتها، وخاصة ما يتعلق بالتمفصل الثاني، فهو وحده القادر على ضمان خلق عدد لا متناهٍ من العلامات. إن هذا التمييز بين الرموز والعلامات هو تمييز وظيفي. ومن جهة ثانية، وبما أن الإنسان يشكل حلقة بالغة التعقيد من الناحية البيولوجية، إذ يمثل، حسب النظرية التطورية، حالة تطور انطلقت من عناصر بسيطة ضمن سيرورة من التنويعات امتدت من الأصول الأولى للحياة العضوية، إلى الفصائل الأكثر تطورا والأكثر تمايزا، فإنه سيكون من العبث ألا نرى في هذا النظام التراتبي، الخاص بالوسائل التواصلية، نظاما زمنيا أيضا. لقد كان على أسلافنا غير الإنسانيين – كيفما كان موقعهم في علاقتهم بالرئيسيات وبعض القردة – أن ينتقلوا لمدة طويلة من تطورهم من الرمز البسيط – وهو الرمز الوحيد الذي يعرفه الشامبانزي – إلى العلامة الأكثر تطورا. بعبارة أخرى، كان عليهم إدراج الرمز إلى جانب العلامة، وهو ما يقابل الانتقال من الكائن ما قبل الإنسان إلى الإنسان. يتعلق الأمر إذاً عند الذي يحاول الإسهام في دراسة المشكلة الأبدية لأصل اللغة الوصول إلى بلورة نظرية تعالج هذا الانتقال بالذات. أو، بعبارة دقيقة، البحث عن نظرية تنطلق من معرفتنا للآليات الحالية للغة من أجل وصف السيرورة التي تحول من خلالها التمفصل المزدوج إلى جزء من التعليل الرمزي، مغيرا بذلك نمط اشتغاله.

انطلاقا من هذا الأساس، فإننا لم نحاول التقليل من أهمية العوامل النفسية والاجتماعية والعصبية وغيرها في تطور اللغة، ولكننا كنا متأكدين أن كل هذه العوامل – مجتمعة أو منفصلة-  لم تكن كافية لنمو لغة مطواعة، لو لم تكن الوظيفة الدلالية وكذا ميكانيزمات التمفصل المزدوج قد ظهرا، بهذا الشكل أو ذاك. إن القول بأن كل ما يتعلق بالتطور الإنساني منذ مراحله الأولى هو نتاج اكتشاف اللغة، أو العكس القول بأن اللغة هي نتاج هذا التطور، معناه التغاضي عن كوننا نتحدث عن مظهرين للظاهرة نفسها. ولن نتوقف طويلا عند هذه النقطة.

إننا لم نعش في تلك المرحلة التي كان يُحرَّم فيها على الباحثين الجادين البحث في أصول اللغة. ولقد أشرنا في مكان آخر إلى أن أصل اللغة هو مشكل بنيوي. وهذا يعني أننا كلما عمقنا من دراستنا لبنية اللغة وميكانيزماتها، اقتربنا أكثر من إيجاد حل للغز النشأة.

ومن المعروف أن أقدم أشكال اللغة الإنسانية المعروفة ( النصوص القديمة والكتابات القديمة التي تم تأويلها ) لا تسمح لنا بالخروج بأية خلاصة تخص المراحل المفترض أنها أكثر بدائية في تاريخ اللغة الإنسانية. فهذه الأشكال العتيقة ليست بأي شكل من الأشكال أكثر بدائية، وليست أقل تطورا من لغاتنا، وهو ما يصْدق على تلك التي أعاد المقارنون بناءها. ففي الآلاف الثلاثة أو الأربعة التي يغطيها تاريخ اللغات المعروفة، لم يلحق بهذه اللغات أي تغيير، سواء تعلق الأمر بالمبدأ أو تعلق بميكانيزمات اشتغالها. يُمثل هذا التاريخ في واقع الأمر مرحلة بسيطة في تاريخ الإنسان المتكلم، وهو تاريخ يُقاس بعشرات الآلاف من السنين ( ثلاثون، أربعون، خمسون، أو يزيد عن ذلك لا أحد يستطيع تحديد ذلك).

لا يمتلك الصوت الأول للرضيع ( صرخة الولادة ) أي طابع واع، ولا يمكن أن يُصنف ضمن أي سجل تواصلي. وهو ما يصدق على حركات جسده. وسيتحول هذا الصراخ، شيئا فشيئا، إلى تعبير عن حاجة ( جوع – ألم )، ويقوم محيطه بتأويله باعتباره علامة، هو الذي لم يكن أبدا قصديا في بدايته. يتحول الصمت – الدرجة الصفر – وبعد ذلك الثغثغة – كما سيكون الشأن لاحقا مع الابتسامة غير القصدية للرضيع- إلى رموز دالة على الرضا، أو يؤولها المحيط بتلك الصفة. إن الأمر يتعلق بالبدايات الأولى لسيرورة تواصلية تقتضي تأويلا بسيطا لظواهر فسيولوجية يتم بثها بشكل آلي.

وحين يصبح الطفل واعيا بصوته وإيماءاته، وواعيا أيضا بالروابط الموجودة بين هذه الإيماءات ورد فعل المحيط، يتحقق اللقاء القصدي الأول بينه وبين الذين يتعاملون معه. سأترك جانبا قضية معرفة هل بعض الاختلافات في الصراخ مرتبطة بغايات محددة عند الطفل. وسيظل الصراخ طوال حياة الفرد أداة تعبيرية من الطبيعة نفسها، وسيكون حاملا للانفعالات والأحاسيس نفسها. وسيتحول بعد ذلك عند الطفل الأكثر نضجا أولا، وعند الراشد ثانيا، إلى بكاء ونواح ودموع ( وهي الحالات الغائبة في المراحل الأولى ). ولا يمكن أبدا إدراجه ضمن أي وسيلة تعبيرية منظمة. ولا يدخل ضمن الممكنات الصوتية المستعملة من أجل إنشاء لغة منظمة.

—-

*-Bertil Malmberg : Singes ou symboles,les bases du langage humain,éd Picard , 1991 p.429-433

1- J Vendryes : Le langage , p.6