الفن: بين متعة الحسية والالتذاذ التأويلي

43 مشاهدة
admin
مقالات
الفن: بين متعة الحسية والالتذاذ التأويلي

 

سعيد بنگراد

1

ليس هناك سبيل واحد يقود إلى تحديد معاني العمل الفني، هناك سبل كثيرة يمكن أن تقود إلى الكشف عن أسراره. فقد تُولد المتعة الفنية وتنمو وتضمحل داخل انفعالات بلا أفق ولا تخوم سوى الحسي ذاته. يتعلق الأمر برابط مباشر بين الحس الخام والوعي الذي يستوعبه ويحوله إلى خبرة. وذاك هو الأساس الذي قامت عليه الجماليات. إنها تعود إلى أحاسيس تُعاش في انفصال عن المفاهيم وخارج توسطها، كما يشير إلى ذلك أصلها اليوناني aisthesis(ما يأتي من الحواس). إن التجربة فيها حسية، أي ذاتية بشكل خالص، فهي تتحقق في ممكنات الطبيعة وفق محددات مصدرها الوجدان ذاته. ذلك أن الحس قد يعرف ما لا يعرفه العقل أو لا يستطيع الوصول إليه. لذلك لن تكون الأشياء والظواهر والأبعاد في العمل الفني كيانات مستقلة بذاتها، إنها موضوعات لمتعة محتملة.

وقد تكون هذه المتعة، على العكس من ذلك، حاصل ما تُكثفه المفاهيم وتصفه وتُسميه، فهي وسيلتها الوحيدة لاستيطان الوجدان، إنها تنتشله من الحسية وتعود به إلى ما يمكن أن يولد ويُعاش وفق ضوابط العقل وأحكامه، فهو المعيار الأسمى لتحديد طبيعة المتعة الفنية. هناك في حالات التوليد والتلقي واستشراف المتعة، “محددات دلالية” في الإحساس الفني غير مرئية  بشكل صريح هي الضمانة على وجود مساحات فنية قابلة للوصف المستقل، وهناك في الوقت ذاته شرط سياقي خاص بالواقعة الموصوفة، هو الذي يتحكم في حجم الممكنات الدلالية لهذه المساحات ويُوجهها ويَحُد من انتشارها الأهوج[1].

ومن خلال هذا التوازي يتحول عالم الطبيعة في العمل الفني إلى حامل لانفعالات شتى، البعد الاستعاري فيها وحده يمكن أن يكون مصدرا للمتعة، ما يأتي من استعمالاته الممكنة ضمن مضاف ثقافي لا علاقة له بالنفعي في حياة الناس. فلا شيء يحضر في اللوحة أو الصورة باعتبار حقيقته في الوجود. فالألوان والأشكال حاضرة فيها بدلالاتها لا بمظهرها، وأسد الاستعارة ليس هو الأسد الحقيقي في الغابة، وليس السلم هو ما يُشير إليه الحمام وهو يُحلق في البراري، فداخل الخبرة الإنسانية وحدها يمكن أن تكون الحمامة دالة على السلام. إن الحمام ناطق في لغتنا لا في لغة الطير، إنه لن يعرف أبدا أنه ناشر للوئام والمودة بين الناس. هناك فاصل بين ما تثيره الظواهر في الوعي، أي المعيش، وبين الموضوعات التي تشتغل سندا لهذه الظواهر.

وهذا معناه أن الإحساس مكتف بذاته، إنه “نوع من الوعي الذي لا يستدعي تحليلا ولا مقارنة ولا سيرورة، كما لا يتجسد كليا أو جزئيا في فعل يتميز من خلاله هذا الوعي عن ذاك”[2]. إنه حالة شبيهة بما يقدمه المتخيل، ” فهو يرفض أن ينحني أمام قوانين الفيزياء وقوانين الزمان والمكان. لذلك يطير الإنسان في فضائه ويمشي فوق الماء ويوجد في كل مكان، ويكبر ويشيخ ثم يعود صبيا”[3]. إنه الواحد المطلق في ذاته، الأول الذي لا يَحُده أفق ولا يُسقط ثانيا يُغلق السلسلة، ما يقلص من امتداده في ما ليس هو. وتلك هي طبيعة كل الأحاسيس قبل أن تتسلل إلى مناطق تستوطنها الكلمات، أو قبل أن تصبح مرئية في سلوك مخصوص. وليس غريبا أن يكون “الرائع”، وهو مصدر الانفعال في الفن، عند كانط هو “العظيم بإطلاق”.

وذاك هو جوهر الاستهواء أيضا، فالانفعالات تتشكل وتتلاشى داخله ثم تنتصب من جديد ويستقيم وجودها لتتلاشى ثانية، وهكذا دواليك. إن الكل متصل غير دال، لذلك تنتفي ضمنه العلامات وتختفي ظلالها الدلالية أيضا، فالأصل في الانفعالات أنها متصلة. ووفق حالات الإحساس هاته كانت التجربة الفنية عودة جديدة إلى الأولانية، بمفهومها عند بورس، أي ما يوجد في ذاته دونما حاجة إلى استحضار مرجع يمكن أن يُصَدِّق على مضمونه. إنها الإمكان والبداية والنشوة في ذاتها، وذاك هو منطلق الاستهواء ومآله، وهو أيضا بوابة التدليل وشرط وجوده، فلا وجود للمعاني قبل أن ترتسم في الأفق تباشير القيمة التي تحتضنها.

استنادا إلى ذلك سيكون العمل الفني “خرقا للقواعد الرمزية التي تحتكم إليها التجربة الواقعية من حيث هي امتثال لقواعد تفكير عقلي خالص. فقوى المخيال تكمن، ظاهريا على الأقل، في استعادة التجربة الواقعية وإعادة صياغتها وفق أشكال لا تكترث للضوابط التي تقيمها العلاقات المنطقية بين الأشياء”[4]، إنها العودة إلى الحسي قبل أن يخضع للتنميط، وعودة إلى الانفعال قبل أن تُمسك به اللغة وتضعه في صيغ مجردة ستكون حاجزا بيننا وبين ما يؤثث عالمنا، كما كان قبل أن يستوطن الرموز وكل ما يقود إلى “ازدواجية في المعاني”. لذلك كان “المخيال حالة رغبة جامحة لا تعرف موضوعها. إنها تريد كل شيء في الحال وبشكل مباشر لا يقبل التأجيل”[5]. إننا ننتقل داخله، دون وعي منا، مما هو موجود أمام العين إلى ما نرغب في وجوده.

إن الجميل هو ما يروق العين أو الأذن. لذلك كان الروْق دائما دهشة وروعة والتباسا. وذاك هو الفاصل بين ما يأتي من “التعبير الحقيقي” وبين ما تقوله الاستعارة، للأول علاقة بالنفعي في وجودنا، إنه يهدينا إلى حاجاتنا الأولية، أما الثانية “فلها علاقة بتجربتنا الداخلية الخاصة بالعالم، ولها علاقة أيضا بسيرورة انفعالاتنا”[6]، أي ما يقودنا إلى المتعة الخالصة. فالفن يُبدع ممكنات “حياة” أخرى مهدها المستهام والمتخيل وما تُسقطه الذاكرة خارج الدفْق الزمني المعتاد.

بعبارة أخرى، إن جوهر الفن يقوم على “امتلاك القدرة على عزل الشيء وفصله عن بعده الوظيفي وتأمله في ذاته، أي خلق ما سيُسمى لاحقا “الموضوع الفني”. فحين تختفي العلاقات ينتصب الجوهر في الظاهر من الشيء ذاته، أو من خلال ما يستثيره في النفس من أحاسيس لا مراجع لها عدا الإحساس. إن الجرة نفعية في وظيفتها، وبتلك الصفة ما زال الناس ينظرون إليها إلى يومنا هذا، ولكنها تُعد موضوعا فنيا في سياق التناظرات التي يمكن أن يستثيرها الإيحاء الرمزي في العين التي تتأملها: إنها شبيهة بجسد المرأة في استدارته، أو في ما يحمله من خصوبة-الماء”[7].

استنادا إلى هذا التمايز بين السبيلين يختلف التعاطي مع العمل الفني. تمتلك الرؤية الأولى موضوعها دفعة واحدة في كليته وفرادته، أما الثانية فتفككه بحثا عن معنى الإحساس وعن طريقته في التسلل إلى المفاهيم التي تُخبر عنه. في هذه الحالة كما في تلك لا يمكن إدراك مضمون العمل الفني إلا من خلال البحث في المستويين معا: ما توفره “المعرفة الدنيا”، بتعبير أفلوطين، وهي الحس في تجليه المباشر قبل أن تغطي عليه المفاهيم، وما يأتي من “المعرفة العليا” التي هي “عقل خالص” يبحث في نظام المادة وسمكها وانسجامها. هناك ممرات تقود من الأولى إلى الثانية، وهي ذاتها التي تعود بنا من الثانية إلى الأولى، وتلك هي مصادر المتعة في الفن.

لذلك قد لا يكون هناك تناقض بين “وجدان” يُحس ويُنظم إحساسه في مادة تلتقطها العين، وبين “عقل” يفكر ويدبر جوهر المحسوس ويرد الأحاسيس إلى مفاهيم تجردها؛ وليس هناك معادلة مطلقة بينهما أيضا. فالمادة في الوجود صامتة، أما المعنى فيه فناطق في الذات التي تُرتب وتنظم وتنسج روابط جديدة بين عناصر لا شيء يجمع بينها في منطوق الخبرة، وهذا دليل آخر على أن الجميل ليس في الطبيعة، إنه في عين الذي يرسم ويصور ويقول. إن المعنى وليد النظام أو هو النظام ذاته، فما يعني هو ما يُرتب وينظم ويفصل ويميز، وهو ذاته ما يمد الإنسان بما يُـمَكنه من ضبط علاقاته مع نفسه ومع الآخرين. فمن خلال المعنى يعي الإنسان موقعه في الحياة.

ومع ذلك، فإن “الحقيقة” في العمل الفني “سامية” في الحالتين معا. فقد لا يستطيع العقل الوصول إلى مناطق تستعصي داخله على الوصف والتسمية، لذلك ستظل حكرا على الانفعال وحده، أي ما يمكن أن يعبر عنه الحس الخام خارج المفاهيم وخارج مقتضيات التجريد. ولكن الحس ذاته سيظل لذة صامتة في النفس دون وجود مفاهيم تُعممها لتصبح مشتركة بين جميع الناس أو أغلبهم. وهذا معناه أن الفنان لا يمنح الأحاسيس معنى ما، إنه يمنح معنى معينا لــ”معنى” آخر لا يُقال إلا من خلال الأحاسيس أو يختفي فيها. فكما أن الكلمات لا تتكلم فقط، فإنها تدل وهي تتكلم أيضا.

وذاك هو الأساس الذي قام عليه “حكم الذوق”. إنه ليس فرديا، كما يبدو في ظاهره، إنه منتج من منتجات الخبرة الإنسانية، ولكنه يستعصي على البرهنة بدلائل وبراهين تستند إلى مفاهيم العقل وأحكامه. فنحن لا نستطيع تعميم الخبرة الفنية ونشر حقائقها خارج ذات جماعية تستبطن الحس الفردي، فهي الواجهة لكل الذوات الحاسة. فقد يكون الانفعال فرديا دائما، وهو كذلك حقا، ولكنه لن يستقيم إلا إذا استمد مضمونه من صيغ انفعالية مجردة يشترك فيها جميع الناس. وهذا معناه أن الذاكرة تصبح قابلة للتعميم عندما تُهذب، أي عندما تُصبح قادرة على استيعاب كل النسخ الانفعالية. فالناس يميزون، في جميع الحالات، بين الجميل وضده، كما يميزون بين الجيد والرديء في الأشياء وبين الخير والشر في سلوك الناس.

استنادا إلى ذلك لا يمكن فهم العمل الفني اعتمادا فقط على ما يأتي من انطباعات تسائل الجسد وحده، فنحن “نحس” بكل شيء، ولكن الوعي الثقافي وحده يمكن أن يميز بين الأحاسيس ويصنفها ويحدد مراتبها. فعلاقة الإنسان مع عالمه انفعالية (هايدغر)، إنه لا يأتي إلى العالم خالي الذهن، إنه يحتك به فرحا أو غاضبا أو حزينا. فليس الشيء في الوجود هو ما تلتقطه العين، فمضافاته في الوجدان هي ما يشكل حقيقته فيها. فالأشياء تُصبح جميلة عندما تتحول إلى عمل فني، أي عندما تلتقطها العين خارج منْبَتها وتصير موضوعا جميلا في ذاته، إنها تتسرب إليها باعتبارها انفعالا يُدرَك في المعنى لا في مادة تشكله. لذلك تتفاوت الملكات عند الناس في تحديد مضمون الجمال وحجمه. فلا وجود للجمال في الطبيعة كما أشرنا إلى ذلك أعلاه.

وتلك هي وظيفة الفن، ” نه يقوم بتسريب “حقيقة” سامية إلى مواد بلا روح” (لوك فيري)، فهذه المواد لا يمكن أن تسلم نفسها إلا عبر مضافات العين. إن الأشكال والألوان والظواهر في الطبيعة هي غيرها في لوحة الفنان. والصوت فيها هو غيره في الموسيقى أيضا. “فقد يكون الصوت جميلا في ذاته، ولكن الموسيقى ليست جميلة لأنها جماع أصوات جميلة. إن جمال الصوت مستمد من الطبيعة، وتأثيره جسدي بشكل خالص، أما الموسيقى فهي حصيلة إبداع إنساني، لذلك لا تؤثر الأصوات الموسيقية فينا لكونها جميلة، بل تفعل ذلك باعتبارها علامات دالة على انفعالات الوجدان”[8].

إننا مشدودون إلى ما يأتينا من الطبيعة أو ما يفرزه وجودنا داخلها. وفي حالات الفن وحده نستطيع، عبر ما يبيحه الشكل الجمالي الخالص، خلق حالة تقودنا إلى امتلاك ما يَمْثُل أمام العين “حافيا” بلا تداعيات سوى تداعيات الأحاسيس. يتعلق الأمر بحالة خاصة تشير إلى تماس مباشر مع الأشياء، ما كان يسميه هيجل “العيان العيني وتمثل الروح المطلقة في ذاتها باعتبارها المثل الأعلى”، أو ما يطلق عليه كانط ” الإحساس الذي يُعد معطى خالصا يُنظر إليه كما يمكن أن يتلقاه الرائي خارج كل الوسائط”، أو هو “عرض للكمال الحسي” ذاته، كما يقول روني شنايدر[9].

هناك في هذه الحالات مجتمعة، ما يشبه “التجربة الحية” التي تتحقق في الانفعال والمتعة والنشوة والالتباس، وكل ما يقود إلى الضياع أو التلاشي في لحظة تتحقق خارج الزمنية المألوفة: إننا في الفن نضع الحسيَ في مقابل الحسي خارج وساطة المفاهيم. إنها سبيل تقودنا مما يحيلنا على الشيء ويمنحنا صورة عنه، إلى ما يهدينا إلى العلاقات الممكنة بين هذا الشيء أو ذاك، وهذا هو الفاصل عند كروتشي مثلا بين “معرفة حدسية” مصدرها الخيال، وبين “معرفة منطقية” موطنها العقل.

فلا وجود إذاً لمفاهيم لا معادل لها في الأحاسيس، فالتجربة الإنسانية كلية. ولكن المعادلة هنا ليست من باب التوازي في المادة أو الاشتغال، بل هي في الأصل ما يفيض عن العين من استيهامات لا يمكن أن تستقر في الذهن إلا في شكل استعارات كلية أو جزئية، أو في شكل استيهامات تتخذ أشكالا وأحجاما وألوانا يعيش بها الإنسان ومن خلالها يُدبر قلقه. لذلك كان الفن أقدر الأشكال التعبيرية على إنطاق المادة. فعندما تصمت المفاهيم فينا أو يستعصي عليها النطق تستبد بنا الأحاسيس. إننا نصرخ فرحا أو غضبا لأن الكلمات استنفدت كل ممكناتها في قول شيء عما نحس به داخلنا. إن الفن سبيل إلى “الحقيقة”، ولكنها “حقيقة لا توجد في نظام المعرفة، إننا نصادفها في لا نظامها باعتبارها حدثا (….) إنها تباغتنا كشيء لم يوضع في مكانه، إنها منزاحة، وباعتبارها كذلك، فإن مآلها الاندثار: لا مكان ولا مرجعية لها”[10].

إن الفنان يُخَلص الطبيعة من نفعيتها ويعود بها إلى ذاتها خارج ما يوده الإنسان منها. سينسى الناظر ما رأته عيناه قبلُ في الطبيعة لكي يستحضر خبرته عنها، وذاك ما يمكن أن يقوله الشيء الممثل في اللوحة. لقد كان سيزان يقول إنه “يرسم انطلاقا من المخيلة”، ومعنى ذلك أنه كان يستبطن كل ما يشاهده ويتأمله ليعيد بناءه ضمن لوحة تقدم للعين موضوعًا جديدًا مستوحى من الخارج، ولكنه لا يمكن أن يتبلور إلا في الداخل. إننا نستنطق الجوانية في الذات وندفع بها إلى البوح بصور عن عالم براني لم ندرك كامل أسراره. إننا في الفن نُمسك بالحياة من الداخل لا من الخارج.

وتلك حالة الحذاء الذي حاول هايدغر استنطاقه وهو يبحث من خلاله عن “أصل العمل الفني”. لم تكن لوحة فان غوغ، في تصوره، تستعيد حذاء يشبه كل الأحذية، أي استنساخا لحذاء فعلي، بل كانت تمثل حذاءً مفردا موجودا باعتباره نسخة لا تحيل على نموذج يستوعب الكثير من النسخ المشابهة. إنها “الكينونة ” الشيئية للشيء، بتعبيره دائما. فالشيء لا يمكن أن يستوطن الذاكرة ويحيا داخلها إلا إذا كان حاملا لمعنى[11]. إن الممثَّل في اللوحة أو الصورة يكون دائما مفردا.

إن الجسد الحاس لا يدرك في الغالب مصدر متعته، ولكنه يدرك شكل تحققها، إنه يُحس وينتشي بما يُحس دون أن تكون له القدرة على تحديد طبيعة ما يتمتع به. فهذه لحظة تُعاش خارج الاسترسال الزمني وخارج إكراهاته. ولكنه قد ينتشي بالمتعة كما يمكن أن تقدمها إليه المفاهيم وتُعيد صياغتها في المجرد. صحيح أن الفن لا “يُحاجج” ولا “يُقنع”، إنه يكتفي باستثارة المتعة عند الرائي أو السامع. ولكن المتعة ذاتها لا تصبح التذاذا (jouissance) إلا عندما يدركها عقل يَعي أنه يستمتع. وتلك مبررات التأويل. فليس المدلول “النهائي” في العمل الفني هو ما يُغري، إنها تفاصيل الرحلة التي تقود إليه، وتوحي إلى الرائي أو توهمه أنها تسير به إلى مظانه.

2

تلك في ما يبدو هي الحدود الفاصلة بين ما يُصنف ضمن “وعي جمالي” يضع الفن خارج كل الدوائر عدا دائرة المتعة ذاتها، وبين النظر إليه باعتباره مصدرا من مصادر “الحقيقة”، أي بين من يرد الفن إلى الفن ذاته، خارج كل الوظائف، وبين من ينظر إليه باعتباره أداةً لإنتاج “حقيقة” تساعد الناس على مواجهة صروف الدهر (غادامير). إن ما يأتي من الفن قد يكون أعمق مما يمكن أن تفرزه المخابر العلمية. فالمتعة الفنية، كما أشرنا إلى ذلك أعلاه، ليست بلا رابط مع المتعة التي مصدرها التفكير العقلاني. وليست الغاية من العمل الفن معنى هو معناه المطلق، بل السيرورة التي تقود إليه.

ذلك أن الفن ليس تجربة علمية “باردة” تتم في المخابر بعيدا عن دفء الحياة في تعدد واجهاتها وتنوعها، إنه خبرة إنسانية عامة يمكن تلمس وجودها في كل ما ينتجه الفرد ويتقاسمه مع غيره خارج قواعد الإبلاغ النفعي وإكراهاته. بعبارة أخرى، ليست هناك متعة خالصة؛ إن المتعة لا تكون إلا إذا كانت سبيلا إلى حقيقة تكشف عن نفسها في الحس. لذلك كانت الرمزية لحظة فارقة في تاريخ الإنسان، ففيها تعلم كيف “ينتج معنى من خلال ملء المحسوس بالمعنى”[12]. وذاك هو جوهر التأويل، إنه ليس معنيا بالمعنى الحرفي، ذاك الذي يستعيره الملفوظ من قاموس صامت، بل ما اختفى وتوارى في تفاصيل التجربة.

وهي صيغة أخرى للقول، إن الفن وثيق الصلة بالحقيقة ومصدر من مصادرها. ذلك أن “كل ملفوظ فني يسلمنا رسالة، ويشكل ما يشبه الهزة العنيفة المرتبطة بمعرفتنا، إنه استثارة لدهشة، وقد يكون رعبا مما حدث للإنسان وما وصل إليه”[13]. إنه لا يحيل على الجميل فحسب، كما هو الشأن في الجماليات، بل يحيلنا على “حقيقة قصة”، هي قصص الناس وهم يكدون في الأرض، قصة العاشق والمسافر والتائه والعامل والفقير والمرأة وقصة الفلاحة مع الأرض في “حذاء فان غوغ”؛ إنها قصة الإنسان مع قدره في مواجهة الموت والحياة. وذاك هو المضمون الأسمى لكل الأشكال الفنية، إنها لا تسلم نفسها إلا من خلال وسيط رمزي هو اللغة. “إنها، شأنها شأن الأساطير والحفلات الطقوسية والكثير من المعتقدات، ليست مجرد خرافات، إنها عند الإنسان طريقة للذهاب إلى الواقع، يجب أن تكون هناك لغة لاستعادة العالم (…)، وسيظل الحلم ذاته مستغلقا في وجه الجميع، إذا لم يستوطن اللغة من خلال الحكاية “[14]. إنها رموز يجب صبها في لغة تكشف عن بعض من أسرارها.

ذلك أن الرمز في حياة الإنسان، ليس دلالة عابرة، بل هو ” تجل لشيء يزهر في المحسوس، في التخيل والإيماءة وفي الإحساس، إنه التعبير عن عمق أو هو الكشف عن قدسي”[15]. فلا قصدية في الإحساس، القصد عند الذات التي تحس، لذلك كان التأويل بحثا عن المعنى الموضوعي في ذاتية تحس ولكنها لا تعرف كيف تسمي إحساسها. وليس غريبا أن ترتبط الهرموسية وكل أشكال التأويل منذ لحظاتها الأولى بالفن في المقام الأول؛ ذلك أن نصوص الفن هي غير ما يأتي من لغة الخطاب اليومي أو من لغة العلوم، إن المعنى فيها يعشش في ما يسميه ريكور” المعرفة المزيفة”، أي كل حالات التشخيص التي تتخذ من الأحاسيس مادة لبنائها. فلا يمكن أن نؤول نصا يُغْني منطوقُه عن مضمره، إن التأويل بحث عن المعنى المستتر الذي يتحدث عنه المعنى الظاهر.

وهي طريقة أخرى للقول بوجود انزياح عن موجودات العالم الطبيعي وعما تقوله خصائصه الظاهرة، إلى ما يذهب به إلى ما يمكن أن تقوله عنه ذاكرة الإنسان وخبرته. فالانفعالات، وهي مصدر المتعة وأصلها، تُصبح مرئية في الوجدان عندما تتحول إلى حامل لقلق إنساني، أو إشارة إلى سعيه الدائم من أجل تغيير شرط وجوده. “ذلك أن الفن لا يهبنا اللذة فحسب، إنه يحيلنا، بالإضافة إلى ذلك، على حقائق الانفعال وما ترسب في الدهاليز المظلمة للنفس المطمئنة واللوامة. إنه يمكن الإنسان الفاني من عيش حيوات أخرى في “أشكال افتراضية” توسع من دائرة كينونته وتُغنيها باستمرار. فإذا لم يكن باستطاعة الإنسان أن يعيش كل التجارب، فإن الفن قادر على أن يعرضها عليه كما لو أنه يعيشها في حقيقة وجوده”[16].

لذلك لا يمكن أن يكون الفن إحالة على ذاتية منفلتة من عقالها لا تهتم سوى بما يمكن أن تفرزه انفعالات محدودة في الزمان وفي المكان، إنه تجربة عامة، لا تشكل داخلها الذاتية سوى جزء بسيط هو ما يعود إلى قدرة المبدع على التنويع من موضوعاته ضمن ما تختزنه أشكال كونية تبلورت ونمت داخل سقف حضاري إنساني مرتبط بالكينونة ذاتها. وهذا معناه أننا لا يمكن أن نفصل المتعة التي يقدمها العمل الفني عن “المتعة العقلية” الخالصة. فالذي يشاهد “سلة الفاكهة” كما رسمها كارافاج Caravage[17] لن يسارع إلى الذهاب إلى شراء الفواكه من السوق، لقد كانت الغاية منها هي تأمل الفواكه في ذاتها، كما هي هنا في اللوحة، أي كما تحضر أمام العين[18]. وفي الوقت ذاته تكون دالة على الخصوبة والوفرة ودعة في الحياة.

إن المتعة الحسية مباشرة وكلية، إنها تستبد بالجسد الحاس، فهي تتحقق دون وسيط. لذلك قد ينتشي الإنسان بطاقة انفعالية حدسية لا حدود لها، ومع ذلك لن يكون بإمكانه، في غياب معرفة مفهومية تقود إلى التعرف على الشكل التجريدي للخبرة، مراكمةَ خبرة جمالية قابلة للتداول بين جميع الناس. فالإنسان يرى العالم أمامه، ولكنه لن يعي وجوده إلا من خلال ما يقوله المعنى عنه. ذلك أن الدلالة في وجود الناس هي شكل من أشكال التوسط، كما كانت شرطا من شروط التأنسن، فهي ليست غطاء لأشياء موجودة فعلا، بل هي ما تبقى من استيهامات تسللت عبر التسميات إلى وجدان الذات المتكلمة.

أو هي، حسب بارث “حركة جدلية نستطيع من خلالها فك التناقض القائم بين الإنسان الطبيعي والإنسان الثقافي”[19]. إن البحث عن دلالات ما يُمثل في اللوحة أو الصورة، أي تأويل المعطى الفني، هو سبيلنا إلى استعادة ما تسرب في غفلة منا إلى المحسوس في محيطنا. إننا لا “نشرح” المتعة، فهذه تُقاس في الاستعاري، بل نحاول الإمساك بجزء من وجدان يستهويه الغامض والمتمنع. إن النفعي مباشر ومألوف، أما المتعة فتستوطن الملتبس والمشبوه في العين.

بعبارة أخرى، إن المتعة هي الأصل، أما النفعي فطارئ في حياة الناس. ذلك أن الفن لا يهبنا اللذة فحسب، إنه يحيلنا، بالإضافة إلى ذلك، على ما ترسب في الدهاليز المظلمة للنفس. وبذلك، فإنه يمكن الإنسان الفاني من امتلاك تجارب أخرى لا تُفهم إلا ضمن ممكنات المخيال، ولكنها توسع أيضا من دائرة كينونته وتُغنيها باستمرار. إننا نتذكر ضمن وقائع دوَّنتها الحياة الفعلية، ولكننا نتخيل ضمن فضاء مبني في المخيلة وحدها، وذاك هو مصدر الفني وقوته في التأثير. إن التأويل وحده يمكننا من رسم الحدود الفاصلة بين مناطق في الذات بؤرتها الهوى.

لقد أنطق كاندينسكي الألوان والأشكال في اللوحة، كما كان يفعل ذلك كل الفنانين، وتلك كانت لغته، ولكنه بالإضافة إلى ذلك، أسقط في السجل المفهومي ما يعادلها في السلوك الإنساني: للشكل هرمونية، إن له مضمونا، ويكون بذلك إظهارا للمضمون الجواني[20]. وللون إيقاع أيضا: إن الأخضر عنده جامد، إنه مزهو بنفسه ومحدود في ذاته، إنه إحساس بليد شبيه ببلادة البقرة، أو غباء البرجوازية، أما الأصفر فانفعال ملون للجنون، إنه ليس اكتئابا، فهو حالة سعار أو جنون، لذلك يكون مشدودا إلى عوالم البرانية، إنه لون أرضي. في حين يشع الأزرق نحو الجوانية، إنه لون التسامي[21].

وهذا معناه ألّا وجود لإدراك حسي خالص يمكن أن يتحقق خارج السيرورة الدلالية. فما تلتقطه المنافذ بشكل مباشر يكون عارضا في الذاكرة. لذلك صُنف الفن ضمن “شكل رمزي” بتعبير كاسيرير؛ إنه شبيه بكل الرموز التي قادت الإنسان إلى الانفصال عن محيطه المادي ليبني تاريخه الخاص. فهو وحده من كل الكائنات الذي بنى لمعبوداته تماثيل ومعابد يصل من خلالها بين المرئي في حياته وبين اللامرئي في العوالم التي بنتها استيهاماته. بعبارة أخرى، لقد كان الفن واجهة استطاع من خلالها التخلص من “التجربة الخالصة للإدراك الخام”، كما يتحقق في زمنية “فارغة”، ليمسك بالزمن كما يتسلل إلى الخبرة مثلما يعيشها الناس في الكد والقلق، أي قدرة الإنسان على إعطاء حياته معنى.

وذاك ما قد يُفسر لنا الكثير من الأشكال التعبيرية التي تحيد عن التعبير المباشر لكي تختفي في صور يبنيها اللفظ أو البصر أو السمع، وذاك ما يشكل لعبة التخفي التي تميز كل رمز. لذلك كان الفن تعبيرا عن رغبات تتخذ شكل حلم دائم لا تتحقق إلا في الرموز. إن “الإنسان الراغب يخبط في الأرض مقنعا”[22] وذاك حاصل ما يطلق عليه “دلائلية الرغبة”، لذلك كانت اللغة دائما مواربة، إنها تقول شيئا وهي تقول آخر[23]. فقد تكون المتعة سابقة في الوجود على التأويل، ولكنها لا يمكن أن تُدرك إلا من خلال ما تقوله المفاهيم عنها. إن من يكتفي بمتعة الانفعال وحده سيظل خارج المتعة الحقيقية.

استنادا إلى ذلك لن يكون التأويل في الفن بحثا عن معنى، فهذا ملك اليد، إنه بالأحرى محاولة لاقتفاء أثر الدلالات التي تنمو وتتطور وتضمحل خارج المعنى الأصلي وضدا عليه في الكثير من الحالات ( الحلم هو تراكب بين معنى ظاهر وآخر خفي كما يقول النفسانيون). يجب أن نؤول لكي نمسك بما يمكن أن تقوله صور يولدها الحس وحده. لذلك كان “التأويل عملا لفكر يكمن في الكشف عن معني يختفي في المعنى الظاهر، وبسبب ذلك، فإنه يعمل على تحرير مستويات دلالية أخرى تختفي في الدلالة الحرفية”[24]. أو هو “الانتقال من معنى ظاهر إلى آخر لا دليل عليه (لسان العرب).

بعبارة أخرى، يقوم التأويل برسم حدود عوالم منفلتة من إسار القصديات الأصلية، وخاضعة لما يأتي به التمثيل الرمزي. فالتمثيل في كل حالات التعبير الإنساني يقود بالضرورة إلى التخلص من الطابع المادي للوقائع والاستعاضة عنه بنسخة رمزية هي ما نعرفه في واقع الأمر عن ” الموجود الفعلي”، وهو ما يتسلل إلى الذهن باعتباره الصورة الوحيدة القابلة للاستبطان والاستهلاك والتداول. فما “يمثل أمام العين بشكل مباشر هو ما يصدها عن رؤية ما خبأته الممارسة في ثناياه” ( ريجيس دوبري). فكل شيء يولد وينمو ويضمحل في اللغة، تماما كما تكون سيروات التدلال، السميوز، هي الحاضنة لكل ما تنتجه اللغة وتؤوله.

وتلك هي مركزية اللغة في الوجود، فنحن نستمتع بالحس، ولكننا لا ندرك سر المتعة إلا من خلال ما تقوله اللغة، “فلا وجود لرمزية قبل ظهور الإنسان الناطق، ذلك أن منطلق كل الرمزيات هو اللغة، فحتى في الحالات التي تكون فيها الرمزية متجذرة في أعماق تستعصي على الإدراك، فإن الكون والرغبة والمتخيل كلها لا يمكن أن تعبر عن نفسها إلا من خلال اللغة”[25]. وتلك طريقة أخرى للقول، إن الأشياء رمزية في اللغة لا في الطبيعة، فنحن لا نذهب إليها من خلال الحس الخالص، بل نفعل ذلك من خلال ما تقوله عنها العلامات، أي كما يلتقطه الوجدان استنادا إلى غطاء مفهومي.

وهذا معناه أن التأويل يكون في الغالب رغبة في إنتاج نص آخر يخفيه النص المؤَوَّل، أي ما يتسرب من الموسوعة إلى الملفوظ في غفلة من المتلفظ.” فالنصوص في نهاية الأمر لا تحيل سوى على النصوص” (تودوروف). ذلك أن “العلامة، في جميع الحالات، هي شيء تفيد معرفتُه معرفةَ شيء آخر” (بورس). إنها ليست مجرد معادل لما نسمي ونصف، إنها نافذة نطل من خلالها على أسرار ما يختفي في التسمية والوصف.

والخلاصة أن ماهية الفن ليست سوى محاولة للإمساك بالطاقات المخزنة في الكامن والمحتمل والممكن، “وإسقاطها في شكل رموز. إن الأثر الفني هو دائما حصيلة محاولة تجسيد القوى المحتملة: أي العلامات النوعية”[26]، أي سلسلة الأحاسيس والنوعيات التي تفلت من التصنيف المفهومي، ولكنها مع ذلك علامات دالة على طاقة حسية سابقة. ولكي تسلم هذه الطاقات نفسها، أي تصبح مشتركة بين الناس، يجب أن تستوطن اللغة التي تمنحها بعدا موضوعيا.

[1] – انظر  تعرف النص في كتابنا: ” سميائيات النص، مراتب المعنى”، منشورات الأمان الاختلاف، ضفاف 2018، مقال ” النص صناعة للمعنى”.

[2]  -, éd Seuil, Paris 1978, p84 C S Peirce : Ecrits sur le signe

[3] -انظر كتابنا : “السميائيات والتأويل، مدخل إلى سميائيات شارل س بورس”، المركز الثقافي للكتاب.

[4] – Nicole Everaert-Desmedt: Le processus interprétatif, Introduction a la sémiotique de c S Peirce, éd Mardaga éditeur,1990,p.104

[5] -نفسه ص 104

[6] -أومبيرتو إيكو: التأويل بين السميائيات والتفكيكية، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة، 2016  ص 157

[7] – سعيد بنكراد: وهج المعاني، تعدد الحقائق وفرجة الممكن، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2017، ص 201

[8] – Jean-Jacques Rousseau : Essai sur l’origine des langues ,éd Gallimard,1990, p.126

[9] – René Schneider (1867-1938 فرنسي متخصص في الجماليات)

[10] –  J F Lyotard :Discours , figure, p.135   ذكرته  Nicole Everaert-Desmedt op cit , p.112

[11] -انظر مقالنا: ” حذاء فان غوغ” ، علامات العدد  54 ،  2020

[12] – Paul Ricœur : De l’interprétation, Essai sur Freud, éd Seuil, 1965, p.217

[13] – H. G Gadamer : L’art de comprendre II, éd Aubier,1991, p.308

[14] -Paul Ricœur : De l’interprétation, p.17

[15] – نفسه ص 17

[16] – انظر كتابنا : سيرورات التأويل : من الهرموسية إلى السميائيات، الدار العربية للعلوم ناشرون، 2010، ص 133

[17] – فنان إيطالي (1571-1610) اسمه الحقيقي هو : Michelangelo Merisi da caravaggio

[18] – انظر Iona Vultur : Comprendre , L’herméneutique et les sciences humaines, p.437

[19] – L’obvie et l’obtus, Essais critiques III, éd Seuil,1982, p.21

[20] – Kandinsky : Du spirituel dans l’art, et dans la peinture en particulier ; éd Denoel,1989, p.118

[21] -Kandinsky : Du spirituel dans l’art, p.147 et suiv

[22] – Paul Ricœur: De l’interprétation, p.17

[23] -نفسه ص 17

[24] -Paul Ricœur: Le conflit des interprétations, éd Seuil ; 1969, p.16

[25] – Paul Ricœur: le conflit des interprétations, op cit,p.17

[26] – Nicole Everaert-Desmedt op cit , p.110

الاخبار العاجلة