حوار مع : مجلة الحياة التونسية

حوارات
114
0

حوار مع الدكتور سعيد بنكراد

مجلة “الحياة الثقافية”  التونسية العدد 312-2020

حاورته آمنة محمد عبايدية  من المغرب

 

تقديم :

هو من أهم الأستذة الباحثين في مجال الدراسات السميائية ومن وضع حجر أساس هذا العلم وكرس تعليمه في الجامعات المغربية من خلال تدريسه في قسم الدراسات السميائية، إنه الكاتب الدكتور سعيد بنكراد وهو من أبرز العاملين في مجال السرديات والدراسات الثقافية والعلمية والترجمة. ولأنه باحث طموح فقد دخل غمار النشر من مجموعة من الأساتذة غمار النشر ليؤسس مجلة “علامات” وهي مجلة علميةتأسست سنة 1994 تخصصت في الدراسات السميائية والدراسات الأدبية والعلوم الإنسانية بشكل عام. وصدر منها 54 عددا وهي من المجلات الرائدة في المغرب لدورها في نشر المعرفة العلمية والأدبية.

 

الأسئلة  :

1– نستهل حوارنا بسؤال سياسي فانت تمارس السياسة من منظور الأكاديمي، هل تطلقون على الثورات العربية اسم الربيع العربي ؟ وماذا وقع حتى تحولت انتفاضة الشعوب إلى كابوس يهدد بتدمير كل شيء في طريقه؟

-ج أولا شكرا لك على استضافتي في مجلة ” الحياة الثقافية” التي  أكن لها كل التقدير والاحترام.

أما عن سؤالك عما سمي “الربيع العربي”، فإن الأمر يشير إلى مسألة معقدة إلى حد بعيد. فبقدر ما كان  الذين خرجوا إلى الشوارع في الكثير من البلدان العربية يعبرون حقا عن إحساس بالظلم والغبن والحكرة والإذلال السياسي، بقدر ما كان الأفق السياسي لتحركهم ينذر بويلات تفوق تلك التي قادت إليها أنظمة عتيقة تتحرك خارج التاريخ . لذلك كان موقفي منذ البداية واضحا، ربما كان كذلك قبل أن تتخذ هذه الحركات المنعطف الذي عرفته بعد ذلك. فقد كان جليا أن الثورة لا يمكن أن تكون رد فعل يتم تدبيره في شارع لا يعرف ضوابط غير انفعالات الناس وغضبهم. فلا يمكن أن نسقط أنظمة متجذرة في بنية اجتماعية بخليط من الإيديولوجيات الدينية والطائفية والكثير من الغيبيات التي لا تستند إلى حد أدنى من روح ديموقراطية يضمن للناس التعبير عن أنفسهم خارج قبليات التحليل والتحريم. لذلك سقطت الكثير من هذه الحركات في أحضان فكر لا يؤمن أصلا بالديمقراطية ولا يرى فيها سوى مطية للوصول إلى سلطة قامت لكي لا تتغير أبدا فهي تستند إلى فكر أبدي جاءه الحق من السماء لا من أرض زائلة ( صرح أحد قياديي الإخوان في مصر: لقد وصلنا إلى السلطة لنبقى فيها 500 سنة). لم يكن العيب في الشعوب التي انتفضت دفاعا عن كرامتها، ولكن طبيعة المرحلة هي التي أفرزت قيادات أغلبها ينحدر من الإسلام السياسي من أشد تياراته اعتدالا إلى أكثرها تشددا ودموية دينيا. فلا علاقة لما يجري في ليبيا بالاشتراكية أو الرأسمالية أو اللبرالية أو أي وصفة لها علاقة بتدبير خيرات بلد ، بل بقضايا خلافية في الدين والفقه ولا عجب أن يعود البعض إلى تجارة الرقيق كما حدث في الأيام الأخيرة. لذلك لم تكن معنية بالتكتيك والتوافق والنسبية في القيم، بل كان يعنيها نشر كلمة الله في الأرض ولو بحد السيف. ( نستثني تجربة تونس، فهي استفادت من إرث حداثي وعلماني سابق مكنها من التحكم نسبيا في مخرجات الانتفاضة).

2- المفكر هو عين المجتمع الساهر وقلبه النابض حيث يستشرف خطر أمته الذي يأتي من حيث لا يراه الناظر العادي وحضرتكم من المبادرين في نقد ظاهرة الإرهاب وما يتصل به من أدلجة وظواهر خارجية  كالحجاب أو بمعنى أصح اللباس الأفغاني سواء النساء آو الرجال وهو شيء لا يخدم المجتمع  الإسلامي  بقدر ما يخدم أفكار ظلامية  تأدلج عقول بعض الشباب دون مستوى تعليمي يحصنهم من تبني الفكر الرجعي وطبعا توافقا مع التهميش والفقر حيث يعشش الإرهاب الفكري ليولد إرهاب إجرامي ؟

ج- موضوع الإرهاب مسألة شائكة، فهو ليس مرتبطا بشكل عضوي بالدين نفسه، فكل عقيدة ترى في نفسها الجواب الوحيد عما يمكن أن يكون عليه الإنسان في الأرض يجب أن تصنف ضمن الإرهاب. لذلك فهو وثيق الصلة بتصوراتنا للحقيقة ذاتها. وهذا التصور هو الذي لازمنا منذ بدايات تشكل الوعي عندنا ونحن أطفال صغار في المدارس والأسر والشارع ووسائل الاتصال إلى أن نموت. فنحن نتعلم في المدرسة في هذه الفضاءات مجتمعة كيف ننتمي إلى الجماعة ( القطيع) لا إلى أمة يتحدد موقعها في التاريخ بقيمة أفرادها لا بيقين طوائفها. فجل المعارف التي تلقن للطفل في المدرسة موجهة نحو تحديد طريقة انتمائه إلى الوجود من خلال عقيدة، قد لا تكون في ذاتها إرهابية، ولكن إيمانها بأنها تمثل حقيقة كلية تلغي كل حقائق الثقافات الأخرى يؤدي، بهذا الشكل أو ذاك، إلى الإرهاب.

لذلك لن نتبين بوضوح حقيقة كل هذا القتل العبثي، إذا كنا نعتقد أن مصدره ديني فقط، وأن الإصلاح سيحد من سطوته. فهو نابع من طريقتنا في تصور العالم بشعوبه وأممه وعقائده . والذين يمارسونه كانوا ضحية يقين اجتماعي وسياسي وديني، يضاف إليه الفقر واليأس فكان النتيجة الارتماء في أحضان حقد أعمى حوله إلى أداة تزرع الرعب والموت في كل مكان. إن الحقد لا يبني ولا يعمر ولا يقود إلى التحرر، إنه طاقة تدميرية مهولة، كراهية منفلتة من عقالها وتضرب في كل الاتجاهات. لهذا لا يستهدف الإرهاب السلطة السياسية فحسب، إنه يروم تقويض دعامات البناء الاجتماعي ذاته من أجل فرض حقيقة واحدة تلغي الحياة ذاتها بتعددها واختلافها وتنوعها. وهذا هو الخطر الداهم. إن الحياة مبرمجة عندهم في النصوص، أو في تأويلها: ما يتعلق باللباس والأكل والضحك والحب ومباشرة الزوجة في الفراش. الإرهاب يريد أن يوحد توحيد ما لا يريد الله ذاته توحيده، فالخير والشر جزء من الوجود الإنساني على الأرض، وانتفاء أحدهما من على وجهها انتفاء للزمن ذاته.

لذلك لا يمكن محاربة الإرهاب بالتخلي المتزايد عن مواقع داخل المجتمع لصالح قوى معتدلة وأخرى قريبة من الاعتدال وثالثة تطمح إليه. كما لا يمكن محاربته بالمزيد من تديين الفضاء العمومي، والاحتفاء بالزوايا والمواسم والتغني بوحدانية المذهب واعتداله. فهذه تشكل جميعها صيغا للتعايش معه وليست أجوبة عن ظاهرة مصدرها التخلف والجهل وغياب الديموقرطية والتنمية الدائمة للإنسان ومحيطه. يجب بناء الإنسان من جديد في أحضان تعددية تشمل السياسة والفكر وأنماط العيش.

 

3- كيف تستقرؤون الوضع العربي الراهن سياسيا أمنيا وثقافيا وهل ننتظر من الدكتور سعيد بنكراد دراسة حول الوضع العربي الراهن وما آلت إليه الأوضاع .

ج- الوضع سيئ للغاية وربما سيزداد سوءا، وقد نكون سائرين شيئا فشيئا نحو حرب دينية شاملة تقتتل فيها الطوائف والمذاهب الدينية، وقد تكون ممزوجة باقتتال عرقي أيضا. فما جرى في العراق ليس سببه داعش وحدها، فالذين يحاربونها اليوم في العراق وسوريا هم أنفسهم يقاتلون الآن تحت راية مذهبية دينية تنشر الكراهية في كل مكان. لسنا بعيدين عن الوضع الذي وصفه فولتير في كتابه عن التسامح الذي كتب عقدين أو أكثر قليلا من قيام الثورة الفرنسية. كانت أوروبا حينها منهكة بحروب دينية امتدت لأكثر من قرنين لكي تتأكد في النهاية ألا أحد يستطيع أن يقصي الآخرين ويتربع وحده على عرش الحياة في الأرض، ولم يكن هناك سوى العلمانية سقفا تتعايش في ظلها كل الأديان بعيدا عن القانون الوضعي الذي يجب أن يكون وحده السائد في الفضاء العمومي.

 

4- كتاب وهج المعاني سيميائيات الأنساق الثقافية الصادر سنة 2013 علي اختلاف طروحاته ونظرياته إلا انه جاء معبرا عن طموح أو رغبة في وجود إنساني سامي المعاني والقيم ، كيف نقرأه مرة أخرى من صاحبه ؟

-الكتاب في الأصل سلسلة من المقالات كتبت على فترات متقاربة كان هاجسها الوحيد هو مساءلة الحياة من خلال الجزئي والمفصل والعرضي والمألوف في حياة الناس. فأنا لست من الذين “يدينون” و”يشتمون” و”يشجبون” ويعلنون عن المواقف المبدئية الكبرى، أنا أقتفي آثار التخلف والجهل والتعصب الديني في مظانه الأولى، أي في ما يسكن البديهي في حياة الناس : في لباسهم وصورهم ووقائعهم اليومية وردود أفعالهم. فالإيديولوجيا ليست نسقا فكريا متعاليا ، إنه على العكس من ذلك يتغذى من السلوك اليومي ويختفي في العرضي والمألوف الذي لا يثير الشبهات. لذلك كان اهتمامي كبيرا بكل مظاهر الحياة فدرست في هذا الكتاب وفي الكتاب الآخر الذي صدر سنة 2017( بين اللفظ والصورة) مجموعة من الوقائع منها الزمن الافتراضي والسيلفي والاعتدال والعطر واستيهامات الإشهار، كما درست اللباس الطائفي والحقيقة التي يمثلها.

فنحن كما قلت ذلك في الكتاب الأخير لا نستلهم من وجودنا في الحياة سوى المظاهر التي يغطيها الرمز، ففيه نودع كينونتنا كما هي في حقيقتها، لا كما تقدم نفسها في حالات الرقابة العقلية التي تميز السلوك النفعي. فنحن جزء من الطبيعة في الظاهر فقط، أما في حقيقتنا فنحن منتجات التمثيل الرمزي بكل واجهاته: في اللغة والصور والرسوم، وفي كل الوقائع الاجتماعية التي نُعدها لكي تكون دالة على احتفائنا بما أضافته الثقافة إلى ذاكرتنا، لا بما يمكن أن تتضمنه توجيهات الجينات فينا. لذلك لا فاصل في واقع الأمر بين المواقف السياسية الصريحة وبين تصريفها في وجه أكاديمي يسهم من خلاله المثقف في تحديث بنية اجتماعية تعيش بالوهم في غالب الأحيان.

5- صدر لك سنة 2012 كتاب سيرورات التأويل من الهرموسية الى السميائية و قد تطرقتم فيه إلى شرح مفهوم التأويل واتجاهاته ومدارسه وجاء ذلك منسجما مع إرهاصات علم السيميائيات أو السميولوجيا ؟

ج-كانت غايتي في هذا الكتاب هو الإعلان عن قطيعة مع سميائيات بنيوية منغلقة على نفسها تؤمن بإمكانية الحديث عن حقيقة لا أثر فيها للذات، بما يعني أن النص كيان ممتلئ من داخله ومعناه موجود في قصده أو في قصد الذي يفيض عنه، فما يقوم به الناس وهم يقرؤون لا يتجاوز حدود التعرف على معنى مودع في النص بشكل سابق على تدخلهم، إنهم محافل سلبية تتعرف على معنى محمي بقصد أصلي يمنعهم من قول شيء عن النص يقودهم إلى فهم أنفسهم. لقد كانت السميائيات التي تبنيتها من طبيعة أخرى، إنها منفتحة وتؤمن بمكتسبات التيارات النقدية السابقة بما فيها جماليات التلقي وبما فيها الفينومينولوجيا والهرموسية باعتبارها فنا للتأويل. فالعلامة في صيغتها البسيطة، أي باعتبارها وحدة تسمي فقط تتضمن فكرة التأويل، وذلك لأن الغاية من اللغة ليست التسمية والوصف والتعيين، بل خلق معرفة مضافة، وهو ما يعني أننا نُسكن العالم لغةً نتعلم من خلالها كيف ننتمي إلى كائناته وأشيائه، وكيف نجعله مستودعا لكل انفعالاتنا أي شكلا من أشكال وجودنا . فنحن، من خلال المعنى، “في العالم” “لا داخله” كما يقول هايدغر، بما يعني ذلك التخلص من “برانية” فينا صامتة، لكي نصطدم بعالم نخلصه من ماديته ونحشوه بالمعنى لكي يصبح دالا علينا وحدنا ككائنات تحيى بالمعنى وحده.

6- إلى جانب اشتغالكم بالسميائيات لكم اهتمام بالسرد سواء على المستوى النظري أو التطبيقي من خلال دراستكم لنصوص سردية تراثية أو جديدة معاصرة رغم ان علم السرد أو السردية يمكنه استيعاب وهضم كل المدارس والعلوم الإنسانية ماذا أضفتم لهذا العلم من وجهة نظر سيميائية ؟

ج-علاقتي بالسرد تعود إلى السنوات التي قضيتها في باريس وكنت أدرس حينها في جامعة السوربن 3 التي عرفت بميلها الشديد إلى البنيوية كما تجسدت في مدرس باريس. حينها كانت هذه المدرسة تمثل كل شيء عند الطلبة والمهتمين منهم بالسرد خاصة. ولم يكن لي من بد سوى الارتماء أنا أيضا في أحضان هذا التيار الذي قدم فعلا للسرد والدراسات الخاصة به الشيء الكثير. وكل ما كتبته بعد ذلك عندما عدت من فرنسا إلى حدود نهاية التسيعينات كان ينطلق من هذه المدرسة بالذات. لكني سأكتشف بعد ذلك أن الخطاطات التي قدمتها هذه المدرسة، إن كانت تسهم في إضاءة الكثير من جوانب النص السردي، فإنها تحرمه من الكثير من دلالاته. فالنص لا يقدم من المعاني سوى ما تقوله الخطاطة. والحال أن النص أغنى من كل رؤية جاهزة. فالسميائيات التأويلية لا تتنكر للخطاطات، ولكنها لا يمكن أن تثق إلا في ما يمكن أن يقود إلى الكشف عن البعد الخفي في النصوص. هناك في ما هو أبعد من التشخيص السردي أشكال متنوعة من القلق الذي رافق الكائن البشري. ولم يكن السرد عنده سوى محاولة لاستعادة أصول أولى ضاعت إلى الأبد، أو التحكم في زمنية آتية لا نعرف عنها أي شيء. لذلك لن يقود الوقوف عند سلسة العلاقات الممكنة في النص وتحديد بؤر معنى متولد عنها إلى أي شيء أو قد يكون “لعبة عقيمة” كما يقول ريكور. وبهذا النفس اشتغل الآن بالقصص الديني ضمن ما أسميته في مقال سابق “التجربة الوجودية”

 

7- لكم رصيد هائل من الكتب المترجمة لا يقل عن إنتاجكم  العلمي كما يلاحظ القارئ والمتتبع لكتاباتكم، كما يلاحظ ان في كل مساهمة لنصوصكم المترجمة تتوجونها بكلمة الافتتاح أي المقدمة وهي بوابة أو دليل القارِئ إلى مكامن تبئيرها لتشغل بال القارئ إليها فتضيء مناطق وتظلم أخرى ربما صاحب النص نفسه لم يشر اليها بقدر ما هي مضافات المترجم أم هو فتح باب الترجمة التي تشرع التأويل كما يشرعها بول ريكور؟

ج-سبق أن قلت مرارا أنني لست مترجما محترفا، والكتب التي قمت بترجمتها لها علاقة بالميدان الذي أتحرك داخله. لذلك فأنا عندما أقدم الكتاب إى القارئ لا ألقيه إلى السوق حافيا ، إني أوجه قراءته أو أحاول إضاءة كل المناطق المعتمة داخله، أو تبدو لي كذلك على الأقل،  وقد أناقش أحيانا في المقدمة مجموعة من القضايا التي لا يشير إليها الكتاب بشكل مباشر، ولكنها وثيقة الصلة، في تصوري، بما يتحدث عنه الكتاب المترجم. يتعلق الأمر في جميع هذه الحالات بحوار مع النص عادة ما يكون حافزه هو الرغبة في استنبات المعرفة الوافدة ضمن سياقات اللغة العربية، وتلك هي الغاية السامية من الترجمة، إنها تأهيل للغة العربية لكي تكون قادرة على استيعاب منجزات العصر كما تتحقق ضمن ثقافات تنتجها الإنسانية المعاصرة بكل لغاتها.

8- هل الترجمة بالنسبة للدكتور سعيد بنكراد هي حب التعريب أو هي خدمة للعلم وسعي لإيصاله أم هي حالة اعتراف بجميل اللغة الفرنسية وبعض من أساتذة كان لم دور في حياتك العلمية وبخاصة من اشرفوا تدريسك طيلة فترة تواجدكم بفرنسا ؟

ج-قد يكون الأمر استجابة لكل ما تقولين، فأنا أترجم ما أحبه وأعتبره أقرب إلى نفسي، وأترجم خدمة للغة العربية، وأقوم بذلك وفاء لمن علموني أو تدعيما لما أقوم بتأليفه وذلك بمساعدة الذين يقرؤونني، فأنا أمدهم بإحالات على المرجعة التي أتحرك ضمنها. وفي جميع الحالات يتعلق الأمر باقتسام خبرات كتبت بلغات أخرى مع من لا يعرفون سوى العربية ( الذي لا يعرف سوى لغته لا يعرف أي لغة في واقع الأمر).

 

9- من خلال ما حظيتم به من إنتاج علمي ومعرفي أصبح مدرجا في بعض المحاور والمناهج العلمية في الجامعات العربية هل وفقتم في ردم الهوة بين الحضارة العربية والحضارة المحلية من جهة بين الحضارة العربية والحضارة الكونية ؟

ج- لا أعرف والتاريخ وحده يمكن أن يجيب عن هذا السؤال. ما أنا متأكد منه هو أنني حاولت استنبات معرفة جديدة في اللغة العربية ولا أشعر أن هذا الفكر يحس بضيق داخل ما أكتبه، بل أحسه يتنفس روحا جديدة هي عبق التاريخ فينا وفي لغتنا وفي تراثنا. أما ردم الهوة فهذا أمر لا يمكن أن يقوم به فرد أو مجموعة من الأفراد بل هو مشروع أمة بأكملها لا يبدو أنها معنية الآن بقضايا الثقافة.

 

10- ما موقفكم من تعليم اللهجات المحلية في المدارس بالتوازي مع اللغة العربية وغيرها منا اللغات الأجنبية ؟

ج-القضية ليست تعليم اللهجات، فهي ليست في حاجة إلى أن تُلقن، لأنها هي الأداة التي يستعملها الناس في تدبير شأنهم اليومي، فالناس في الأسواق ليسوا في حاجة إلى قاموس لكي يتداولوا في أمر الأشياء التي بين أيديهم، وليسوا في حاجة إلى قواعد للنصب والرفع والخفض، فاللهجة بحكم النفس الاقتصادي فيها لا تكترث لأمور يدركها الناس من خلال الاستعمال، لا  من خلال معرفة نظرية تشرح لهم طريقة اشتغال اللغة. فالكلمات عندهم موجة بشكل “عفوي” لكي تعين وتصنف وتفصل فقط. إن الدارجة أو اللهجة لا تفكر في نفسها، إنها أداة فقط.

لذلك فإن قضية اللهجة الآن هي قضية من طبيعة أخرى، هناك من يريد استبعاد العربية كليا عن التدريس وإنتاج المعرفة وإحلال اللهجة محلها. وأغلب الداعين إلى ذلك يعرفون أن هذا أمر لا يمكن أن يستقيم لأن اللغة لم تخلق لكي تعين وتسمي، بل وجدت لإنتاج معرفة نظرية تحتاج إلى خلق مستويات جديدة داخلها لا قبل للعامة بها. فلغة الفلسفة والمنطق والفيزياء والفلك لا يتداول في شأنها عامة يتجولون في الأسواق، بل مكانها المختبرات والمعاهد العليا والجامعات. والكثير من المتابعين للقضية فهموا أن وراء هذه الدعوة محاولة للتخلص من العربية وتبني لغة أجنبية ( الفرنسية قي العموم) لإدارة الاقتصاد والمال والتكنولوجيا الحديثة وترك العامة تعمه في لهجتها بما يستجيب لحاجات الحسي عندها. وليس غريبا أن تتحول ملصقات الإشهار في المغرب مثلا إلى مسرح للغة لا يستطيع الناس في حالات كثيرة معرفة مضمونها، فجزء منها فرنسية مُدَرجة ويجد الناس صعوبة في طلاسم الرسم الغرافي فيها. فحال الداعين إلى اللهجة يقول : استهلكوا بدارجتكم ونحن نفكر مكانكم باللغة الفرنسية.

11- “شخصيات النص السردي ” هذا الكتاب جمع بين النظري والتطبيقي في وقت كان علم السرد في الجامعات المغربية يشهد بدايات إدراجه كتخصص لماذا لم يعتمد هذا الكتاب ككتاب تعليمي في قسم الدراسات السردية وأنتم من الأوائل المشتغلين في هذا المجال ؟ وقد ينطبق هذا السؤال أيضا على كتابكم “السيميائيات مفاهيم وتطبيقات” في قسم الدراسات السيميائية وأنتم من رواد هذا التخصص ؟

ج-لا جواب عندي على هذا السؤال، ما أعرفه أن كتبي مقررة في الكثير من الجامعات العربية، في الجزائر وتونس والعربية السعودية وغيرها، أما في الجامعة المغربية فوضع آخر لا أريد أن أتحدث عنه لأنه مؤلم حقا وعبثي في الكثير من الحالات.

 

12- أوليتم اهتماما بالصورة والظاهرة الاشهارية وكانت لكم طروحات علمية سيميائية بديلة تتلاءم وطبيعة المعنى في الدعاية للمنتوج وتسويقه دون الاستخفاف بالعقل أو إلغائه ؟

ج-الإشهار لا يمكن أن يكون”عاقلا”، إنه وجد لكي يحارب العقل أو يعطل العمل به. وتلك هي وظيفته المركزية. إنه لا يقول الحقيقة، ولكنه يوهم الناس أنه يقدم لهم الحقيقة الوحيدة الممكنة في وجودهم، فهو يَعِدهم بالجمال والصحة والسعادة والشباب الدائم والشواطئ الفسيحة والسماء الزرقاء دائما. لذلك لا يمكن لأي كان أن يغير من طبيعته هاته، ما نحاول القيام به من موقعنا هو كشف الخديعة، كما كان يقول بارث، إننا نمد الناس بما يساعدهم على اتقاء شره والتعامل معه باعتباره محاولة لبيع منتج لا يختلف في الكثير من الحالات عن المنتجات التي يروجها إشهار آخر. إن السميائيات تبحث في المعاني، وهي بذلك لا تعين معنى بل تقود المستهلك إلى الكشف عن سيرورة تشكله في الوصلة بأطرافها اللفظية والأيقونية. وهنا تنتهي مهمتنا، ما يبقى بعد ذلك يعود إلى السلطات المختصة لتقنين ومراقبة الوصلات وتحديد ميثاق أخلاقي على المستشهرين التقيد به، فلا يحق للإشهار أن يعبث بوجدان الناس وبتراثهم وتحويل أغاني جميلة إلى وعاء فارغ للترويج لمنتجات عرضية في حياتهم.

13- أصدرتم سنة 1994 مجلة علامات المتخصصة في الدراسات السيميائية مع نخبة من الباحثين كيف تقيمون هذا المشروع الذي لازال يلاقي استحسان المشتغلين في الحقل الثقافي بدليل تزامنها وحفاظها على مستواها الريادي والساحة تشهد ظهور مجلات مماثلة واختفائها لمدة وجيزة ؟

ج-عندما أسال لماذا استمرت مجلة “علامات” كل هذه السنوات بقليل من المال والدعم، كنت دائما أجيب إنها لم تتوقف لأن القائمين عليها لا طموح لهم، وقد كانت غايتهم منذ العدد الأول إلى الآن هو الإسهام من موقعهم في نشر ثقافة جديدة لا تتردد في الاستفادة من المنتج الفكري العالمي، ولكنها مرتبطة بكل ما أجز في الفضاء الثقافي العربي على امتداد تاريخ هذه اللغة.