الفن التجريدي

مقالات
167
0

 

دورا فاليي

ترجمة : سعيد بنكراد

 

ولد الفن التجريدي مع بداية القرن العشرين. حدث ذلك في الميدان التشكيلي أولا، وستظهر لاحقا أشكال أخرى في النحت لم تكن تشتمل على صور من العالم الخارجي. فلم يعد الفنان يعين أشياء، لقد أصبح يعبر؛ وعلى المتفرج في عملية التلقي تحديد دلالات ما يعبر عنه في العمل.

وكان أول عمل انخرط بقوة في هذا الاتجاه هو أكوارييل لكاندينسكي. كان ذلك سنة 1910، وهو ما شكل البدايات الأولى للفن التجريدي. وأن يكون البعض قد عثر في أرشيف فنانين آخرين على أكوارييل أو رسومات تجريدية تعود إلى السنة نفسها، أو قبلها، فهذا لا دلالة له، لأن الأمر يتعلق بممارسة عارضة، وهي ممارسة كانت سائدة على امتداد القرن التاسع عشر، وربما قبله في الدراسات التمهيدية التي اعتاد الفنانون القيام بها قبل إنجاز لوحة ما. ومع ذلك، فإن كل هذه الأشكال التجريدية المظهر لا تمثل التجريد كما سيفرض نفسه في فن القرن العشرين.

فإذا كان كاندينسكي هو أول من تبنى التجريد عن قناعة عميقة، فإنه لم يكن أول من فعل ذلك. فبعد سنوات من هذا، سنة 1914، سيتخلى موندريان أيضا عن التشخيص من خلال سبيل مختلف. وفي الفترة ذاتها، سينتهي فنان كبير، وهو ماليفيش، من خلال طرق أخرى إلى التجريد هو الآخر. لقد كان أحد هؤلاء الثلاثة يعيش في ميونيخ والثاني في باريس والثالث في موسكو. لقد ظهر الفن التجريدي دفعة واحدة في أماكن متعددة في أوروبا في بداية القرن العشرين. لقد كان هذا الفن يسير على خطى الفوفيزم(1) والتعبيرية والتكعيبية واستوحى منهم الكثير من عناصره، كما استوحت هذه التيارات هي الأخرى عناصرها من منابع سابقة. ومع ذلك ستعرف النور، ضمن هذا التتابع الضامن لاستمرارية الفن من قرن إلى آخر، واقعة جديدة: لقد اختفى الواقع الوثيق الصلة بالشكل. ومن هذه الزاوية، فإن الفن التجريدي هو الذي سيقطع صلته بالماضي: مع الماضي القريب ومع الماضي البعيد والماضي الموغل في القدم- سنعود إلى الوراء لنتساءل إلى أي حد تصل إليه هذه القطيعة.

هل كانت هناك أشكال تجريدية في الماضي؟

عندما نبحث عن سوابق للتجريد في الماضي، فإننا نستعين بتوسيع مدى ذلك التاريخ؛ فهو الذي يمكننا اليوم من استيعاب النشاط الفني للإنسان منذ الأزمنة الغابرة. فالفضاء والزمان المعتبران يدفعاننا دون تردد إلى استنتاج أن التجريد، كما نظر إليه الفنانون وكما يكشف عنه جوهر الفن في القرن العشرين، لم يوجد أبدا قبل هذا التاريخ. فالطريقة التجريدية الواعية لم توجد من قبل. سواء كان ذلك في البدايات الأولى للبليوليتيك أو نيوليتيك أو في العصر الحديدي أو في لحظات معينة أخرى أو في بعض اللحظات من العصور المتقدمة عند الشعوب البدائية في القرون الوسطى، أو عند البدو الرحل أو غيرها من الشعوب التي انفصل عندها الشكل عن التمثيل الواقعي، ليقترب من تجريد ظاهري دون أن يكون مجردا كما هو عليه الفن في أيامنا. فمهما كانت خطورة التعميمات في هذا الميدان، فإن هذا الميل إلى التجريد كان، مع ذلك، في كل مرة النتيجة النهائية لرغبة في خلق تنويع أسلوبي ولنزعة تخطيطية تهدف إلى تقليص الشكل الواقعي ليشمل العلامة ذاتها.

لقد ظل الواقع في كل هذه الحالات حاضرا في كل مراحل الخلق، فقد يقلص الفنان من مداه وقد يحوله ولكنه لا ينفيه أبدا. إن التجريد النسبي الذي نتج عن هذا ليس سوى نقطة وصول، وليس نقطة انطلاق. لم يكن هناك وعي بـــــ ” عملية التجريد”. إن المثال الساطع على ذلك هو ما يقدمه لنا الفن الإسلامي، الذي يعتبر قمة في التجريد، فهو الوحيد الذي تخلص من الواقع الذي يفرضه الدين. يتعلق الأمر بإكراه كان على الفنان احترامه. لقد كان يمتنع عن تصوير الوجه الإنساني الذي عُد صورة محرمة، ولكن الخطوط الممتدة للعربسة التي كان يقوم برسمها كانت تتكون في الغالب من أزهار وطيور وحيوانات. إن الواقع موجود، إنه مدرج في الأشكال التي نطلق عليها خطأ مجردة (لأنها خاضعة لعمل أسلوبي) أو ديكورية، وهو خطأ ثان دال وفج في الوقت ذاته. هل هذه الأشكال التي كانت تتعايش على جدران المساجد مع النصوص المقدسة وتحولت إلى علامات كاليغرافية، تلتقطها العين والذهن في الوقت ذاته هي حقا من طبيعة ديكورية؟ بالتأكيد لا، إن قيمتها البدائية باعتبارها رمزا قد اختفت فقط، لكيلا يبقى منها في تصورنا سوى انشغالات من طبيعة جمالية. وهذا الخطأ الذي يعود إلى المنظور المزيف هو الذي نرتكبه كلما انتقلنا من حضارة إلى أخرى، وقد اخترقنا قرونا من أجل استخلاص أشكال منتشرة هنا وهناك. إننا نضيف، دون إرادة منا، دلالة أخرى، دلالة من طبيعة جمالية بشكل خالص وستختفي، نتيجة ذلك، الدلالة القديمة للشكل.

لهذا، وللسبب نفسه سيكون من الخطأ الربط بين الفن التجريدي وبين التزويق، ما نجده في الفخاريات والآلات، وهي الشكل التجريدي الأكثر انتشارا منذ آلاف السنين. فإذا تركنا جانبا الديكور الذي يخضع لإيقاع (الإيقاع هو صيغة خاصة للشكل المجرد ستقودنا دراسته إلى أبعد مما نريد)، فإن التزويق ينطلق دائما من موتيف واقعي معدل، ولكنه يضيع في الرمز وسيستمر في الحياة في شكل تجريدي مستتر خال من المعنى الذي يظل حاضرا بيننا منذ البدايات الأولى للحضارة. إننا نعثر عليه في ديكور المنتجات الصناعية، الخزف الفولكلوري وفي الأعمال الأبنوسية وعند الصاغة.

إن المنتج الصناعي وحده وضع حدا لهذا التجريد الروتيني الذي لا علاقة له بالفن. إنه يشكل بطريقة ما الدورة السفلى لتاريخ الفن المرتبط باليومي، حيث يقود الاستعمال المتواتر إلى تآكل الشكل، ذلك أن ضرورة صنع المنتج ذاته في نسخ متعددة، تؤدي أولا إلى أسلبة الصورة الملموسة التي تزينه، ثم إلى تخطيطيته (وهي سيرورة يمكن العثور عليها في صور العملة)، لنصل في النهاية إلى التجريد المسكوك الذي تساعد عليه سرعة التنفيذ. حينها يتحول الشكل، سواء كان بسيطا أو مركبا، إلى غلاف سيظل فارغا بسبب اختفاء الرمز؛ ذلك أن كل العناصر المجردة للتزويق، السبيرال أو الإغريقية والصليب المعقوف، كان لكل هذه الأشكال، وهذا أمر يجب ألا ننساه، في الأصل قيمة رمزية، وربما كان لها طقوسية محددة، كما هو الأمر مع الصليب عند المسيحيين. فالحياة والموت كانتا حاضرتين فيها عند الأمة كلها وفي شروط مثل هاته، فإن ديمومة العلامة المكرسة تنقل إلى مستوى ثان كل الاهتمامات الجمالية لتختفي كلها في النهاية. وهكذا، فإن شكل التجريد يوجد خارج الإبداع الفني (باستثناء لحظة نشأته التي ضاعت في غابر الأزمان وبإمكان تحليل بنيوي الكشف عنا). وتبعا لذلك، فإن التزويق، منظورا إليه في كليته، لا يملك نقاطا مشتركة مع الفن التجريدي الحالي فقط، بل هناك تناقض بينهما، على الرغم من وجود تشابه قد يوهم بتوافقهما.

وحالات التعميم، وحدها، قد تمكننا إلى حد ما من إدراك أن الطريقة التي كان الذهن يشتغل بها في الماضي هي ذاتها ما نعثر عليه في الشكل التجريدي للقرن العشرين. ويجب البحث عنها في الإحساس المكتسب عبر الزمن بأن كل عمل فني يخضع، في جزئياته وفي كليته، إلى هرمونية خفية، أي غير مرئية، أي مستقلة عما يتم تمثيله. فهذه الهرمونية الجوهرية التي يدل عليها “العدد الذهبي” هي تجريد. يتعلق الأمر بتجربة موغلة في القدم، وكانت ممارسة مألوفة عند المصريين واليونان، وقد حدد قواعدها لأول مرة فيتروف في زمن الرومان، وذلك في القرن الأول قبل الميلاد، وستصبح في خدمة المنظور حوالي منتصف القرن الخامس عشر بفضل ليون باتيستا البيرتي، لكي تتجلى في النهاية في الدراسة الشهيرة de divina proportione التي ظهرت سنة 1509، حيث سيربط لوكا باسيولي الشكل المستخلص من العدد الذهبي بالإتقان الكوني، وكان يستند في ذلك إلى أفكار بييرو ديلا فرانسيسكا.

لقد كان هناك اقتناع ضمني مشترك بين كل هذه الأبحاث: يتعلق الأمر بالسلطة التجريدية للأشكال. فبإمكان شكل ما أن يكون دالا وجميلا ومرضيا في الذهن والنظرة، حتى في الحالة التي لا يقوم فيها بتمثيل أي شيء. فإذا كانت فعالية الشكل الخالص تختفي وراء التشخيص وفي التماثيل القديمة وفي فن النهضة، فإن هناك ميدانا تتجلى فيه سلطته بقوة: يتعلق الأمر بالمعمار. فالمعمار هو الوحيد من بين كل أشكال الماضي الذي يقترب من الفن التجريدي في القرن العشرين (والمعمار فن غير تشخيصي وجد الفكر القديم صعوبة في تصنيفه ضمن الفن).

وعلى النقيض من هذا الوعي الكلي للقيم المجردة للشكل، يمكن الاحتفاظ بالحركة السحرية للإنسان الأورينياسي(2) الذي كان يخط بأصابعه في الطين الطري لمغارة غارغاس دون أن يقوم بتمثيل أي شيء عدا القدرة على خلق ما تملكه يداه. لقد كانت هذه الحركة المنبعثة من اللاشعور، تمتح، حيثما أزهرت، من نفس المنابع التي تمتح منها الأشكال التجريدية المعاصرة.

نحن هنا أمام موقفين إبداعيين مختلفين كانا، بطريقة غير متوقعة ولكنها مفهومة، أساس تطور الفن التجريدي منذ بداية القرن العشرين. فمن جهة كان التجريد، في مرحلة أولى، يجنح إلى أن يكون علما للجمال منظورأ إليه باعتباره نظاما وهرمونية وهو ما اُطلق عليه:”التجريد الهندسي”. وبعد ذلك، وابتداء من سنة 1945، سيظهر تجريد جديد لم يكن بحثا عن الشكل، بل على العكس من ذلك، كان رغبة في التعبير، قبل الشكل وربما خارجه، عن الغنى والعفوية الخاصة بالحياة الداخلية. إن الفنان يقذف بنفسه دون شاشة في عمله- وهو ما أطلق عليه التجريد “الغنائي” أو غير الخاضع لأي شكل.

الفن التجريدي والجماليات

 إذا كان الفن التجريدي، كما هو عليه في القرن العشرين، بلا سابق، فبالإمكان، مع ذلك، استخراج تطوره وبلورته من تقلبات الأشكال نفسها التي هي موضوع الجماليات. إن غياب التشخيص الذي يشكل ميزة في تاريخ الفن لا يشوش أبدا على التآكل الجمالي، فالغاية من الجماليات هي الكشف عن أسرار العمل الفني دون الاهتمام بموضوعه. فعندما ولدت الجماليات منذ ما يقارب القرنين باعتبارها تخصصا فلسفيا كان الفكر قد تيقن بأنها لا تعتني بالإبداع الفني وهي تصف العمل الفني. فالعمل الفني، خارج العناصر القابلة للوصف داخله، يحتوي جزءا لا يمكن رده إلى سماته الخارجية. لقد تم التمييز بين الشكل والمضمون. وقد قادت دراسة خصوصية كلا منهما إلى خلق تقابل بينهما، سيؤدي إلى استقلال الشكل بذاته. فبمجرد ما أصبحت الجماليات قادرة على صياغة حدود الشكل وأصبح مستقلا (والفضل يعود إلى القرن التاسع عشر)، تحرر هذا الشكل من المضمون، وأصبح هو ذاته مضمونَ ذاته، وكان من الضروري أن تقود حريته إلى التجريد. وهو ما حدث مع بداية القرن العشرين.

ومن الناحية التاريخية، فإن الوعي باستقلالية الشكل يجد أصوله في الفلسفة المثالية. ولقد كان كانط أول من أقام تمييزا بين “الجمال الحر” و”الجمال الملازم”(3). وقد كان يعني بالجمال الحر ما يعود إلى الموتيفات التزويقية، أي شكلا لا يعني أي شيء في ذاته، على خلاف كل جمال يعود إلى كائن أو جمال موضوع ما، ما يطلق عليه ” الجمال الملازم” الذي يستمد معناه من كونه يلتصق بهذا الكائن أو هذا الموضوع. ولئن كانت جماليات هيجل لم تحتفظ سوى بــ” الجمال الملازم” الوثيق الارتباط بالتعبير عن الفكرة، فإن مقولة “الجمال الحر” ستجد طريقها إلى التحقق خاصة أن تطور الفن الحديث قد أسهم في توضيحها.

والجدير بالتسجيل هو الدور الكبير والغريب الذي قامت به الكلاسيكية الجديدة في فترة ازدهارها في أوروبا في بداية القرن التاسع عشر. فقد ألحقت ضررا بالإبداع الفني وكانت بلا أفق بالنسبة للفن، ولكنها، مع ذلك، ساعدت على تعميق مقولة الشكل. لقد كان فينكلمان Winckelmann يحتفي بالتماثيل القديمة ويفرض بشكل ساذج نموذجا يجب أن يُحتذى دون أن يشك في أن ما كان يحصل عليه هو نسخ فقط. والحال أن النسخة تكون في ذاتها خاضعة لشكل بعينه. وحتى إن تعلق الأمر بالمناخ النيوكلاسيكي لتجربة سلبية في كليتها، قريبة من التزييف، فإنها أسهمت مع ذلك، في خلق ألفة بين الذهن وبين فكرة الشكل التي كانت غامضة في تلك المرحلة. وبهذه الطريقة، فإن الكلاسيكية، وهي تُفقر الفن، كانت تشجع على التأمل الجمالي. لقد تهاوي نموذجها، ولكن سراب شكل كامل استمر في الحياة وكذا الشكلانية التي تولدت عنها.

وتحت تأثير الرومانسية، على امتداد القرن التاسع عشر كله، كان التيار الغالب في الفن (خاصة في فرنسا) يتطور نحو تعبير ذاتي آخذ في النمو، ومتحرر ويبتعد عن التقليد- رغم أن الوعي بوجود شكل سيد ومطلق بشكل غامض استمر في الوجود وسيكشف عن نفسه في نهاية القرن. وسيتلو الانزياحات الذاتية والواقعية عودة إلى النظام (لم يكن زولا نفسه، رغم مبادئه، يطلب من العمل الفني أن يكشف له عن شخصية الفنان في المقام الأول). وقد كان النظام هذه المرة بدون طموحات الشكل الخالص وحده عند من تبنوه سواء سورات أو سيزان أو غوغان؛ أو موريس دونيز نفسه الذي كتب سنة 1890 جملته الشهيرة: “يجب أن نتذكر أن لوحة ما، قبل أن تكون فرسا أو معركة أو امرأة عارية أو أي قصة أخرى، هي قبل كل شيء مساحة مستوية تغطيها الألوان وفق نظام تجميعي”.

في هذه اللحظة بالذات ولد الفن التجريدي افتراضيا. وفي السنوات ذاتها سيعلن عن ميلاده من خلال سبيل آخر.

فإذا كانت ممارسة الفن في فرنسا تقود إلى الشكل التجريدي، فإن الذهن التأملي هو الذي كان سائدا في ألمانيا. كانت ألمانيا تملك في غياب فنانين كبار في القرن التاسع عشر، الكثير من الفلاسفة. فالتأمل الذي قاد إلى الشكل التجريدي مدين في ذلك إلى الفلسفة وإلى الدفعة القوية التي أعطتها لميادين التاريخ والفيلولوجيا. وكما وضح ذلك، ليونيلو فونتوري بشكل جيد، “فالسبب ذاته الذي فكك نصا تاريخيا ورده إلى جذوره، هو ذاته الذي فكك العمل الفني إلى عناصره في الذوق”.

فـــــ “تفكيك ” العمل الفني هذا، كان وراء ميلاد نظرية “البصرية” الخالصة التي كانت تطمح إلى أن تكون علما للفن مختلفا عن الجماليات، لأنها تدرس ظواهر البصر وتترك الأحاسيس جانبا، وقد تم ذلك من خلال تحليل أجزائها المكونة.

——-

هوامش

*- النص مأخوذ من كتاب : Dora Valier ; L’art abstrait p 5-  16

1- fauvisme

2- L’Aurignacien  ثقافة قديمة في أوروبا                                                

3- la beauté libre et la beauté adhérente