ثلاث قضايا في الجماليات

سعيد بنگراد
مقالات
29 ديسمبر 20209 مشاهدة
ثلاث قضايا في الجماليات

ثلاث قضايا في الجماليات*

لوك فيري

ترجمة: سعيد بنكراد

 

كان على فلسفة الفن القديمة، مع ميلاد العبقرية والذوق، أن تترك مكانها لصالح الجماليات، أي لصالح نظرية خاصة بالمؤثرات التي تُحْدثها بعض الوقائع في حساسيتنا. وسيكون هذا التحول ذاته وراء ظهور ثلاث قضايا حاسمة في فهم الثقافة الحديثة: فمن خلال الموتيف الخاص بمعايير الجميل، وكان يبدو في ظاهره كلاسيكيا ولكنه كان في العمق متجددا، ستظهر قضية التواصل، قضية الحس المشترك، sensus communis، داخل ثقافة فردانية أصبح داخلها التوسط بين الناس أمرا مركزيا. وسيظهر النقد بعد ذلك، مع بداية الصراع بين القدماء والمحدثين (أي قبل ديدرو)، وهو الذي سيقود إلى التشكيك في التراث، وما يستتبعه من إمكانية إقامة تاريخ للفن. وسيكون هذا التاريخ بدوره وراء تأسيس تصور جديد بشكل جذري لأصالة المؤلف. وفي الأخير ستظهر قضية لاعقلانية الجميل. فإذا كان المحسوس واللاعقلاني من سمات الإنساني، فإنهما ليسا من صفات الله، وهذا يعني أن الجماليات ستكون من خلال ماهيتها ومن خلال استهداف استقلالية المحسوس في علاقته بالمفهوم، وراء ميلاد علاقة جديدة بين الإنسان وخالقه وهي التي ستتحكم أكثر في الحداثة.

1-هل يمكن التداول في شأن الجميل ؟ قضية معايير الذوق.

إذا كان الجميل يُعرض على العين، ضمن مفارقة لا نتجرأ على صياغتها فهي شبيهة بتناقض منطقي، فهو ذاتي بشكل خالص، وإذا كان الإمساك به يتم من خلال ملكة الذوق التي يصعب تحديدها، فهل سيكون هناك إجماع، أو اتفاق عام فقط، حول جمال عمل فني أو طبيعي؟ ومع ذلك، هناك الكثيرون الذين يحبون ” المناظر الجميلة”، ويحبون أعمال هوميروس وأعمال شكسبير واللوحات الإيطالية… وقد يبدو التناقض في الوهلة الأولى تافها. وهو ليس كذلك. فمن بعض الزوايا كل شيء يتم كما لو أن الجماليات تبدأ حيث تنتهي الفلسفة المعاصرة: وذلك من خلال قضية النسبية. فتحت تأثير النقد الماركسي والنيتشوي للميتافيزيقا، وتحت تأثير العلوم الاجتماعية أيضا، تعودنا شيئا فشيئا في نهاية هذا القرن العشرين على الفكرة القائلة بأنه لا وجود لقيم في ذاتها، قيم لا زمنية وأبدية. فنحن ننظر بدون حرج إلى كل معيار وكل مؤسسة ثقافية، أخلاقية أو سياسية، باعتبارها منتجا من منتجات التاريخ ستقود إعادة بنائها إلى استنفاد معناها. ويمكن القول إننا نعيش الآن “أزمة الكوني”. ومع ذلك، فإن هذه النسبية كانت في حاجة إلى زمن طويل لكي تفرض نفسها في ميدان الفلسفة. فقد نُظر إليها طويلا (حتى مجيء فوكو على الأرجح) باعتبارها معادية للمؤسسات، وتبعا لذلك، كان محكوما عليها بأن تظل هامشية. فهل كان الأمر يتعلق بسذاجة حقيقية أم بتمنع أم بماذا؟ علينا في جميع الحالات أن نقبل الأشياء كما هي: الحقيقة أن التاريخانية-النسبية- حاضرة في كل مكان. فهي ليست فكرا هامشيا أو مكبوتا بسبب خطورة مفترضة قوية لا يمكن أن تقبل في مجتمعاتنا الليبرالية، بل إنها  تشكل المبدأ الصلب والأكثر تجليا. فالفكرة القائلة بإمكانية وجود حقيقة “مطلقة” تستثير سخرية أي تلميذ في الثانوي، إذا هي لم تبعث عنده على الرعب (وهو ما يعني فقط: أنها غير نسبية، يجب التذكير بذلك فقد أصبحت لفظا قدحيا). إنها، في كل الفرضيات، تصدم قناعته المطلقة لا غير: تلك التي تقول بأنه لا وجود لحقيقة مطلقة. إن هذه النتيجة ذاتها هي ثمرة لتاريخ طويل، تاريخ الكثير من التمرد على المؤسسات. ذلك أن الفلسفة الحديثة لا تبدأ مع نيتشه ولا مع ماركس، بل مع ديكارت الذي كان يؤمن جازما بمطلقية الحقائق الأبدية، وهذه فكرة لا يمكن دحضها. فالمسافة التي تفصلنا اليوم عن معتقد مثل هذا تبدو كبيرة جدا.

fery 1 1 1  - سعيد بنگرادfer5555  - سعيد بنگراد

وهذا لا يصدق على الجماليات: إنها بنت تصورها للجميل استنادا إلى ملكة بالغة الذاتية؛ ولهذا السبب لا نعثر فيها على بصيص من الموضوعية، على الأقل إلى حدود نهاية القرن التاسع عشر، لذلك اتجهت نحو النسبية، نحو البحث عن معايير حكم الذوق. وضمن مفارقة تستحق التأمل، بدت حركة النسبية أصعب في ميدان الجماليات مما هي عليه في الفلسفة الخالصة، إن لم يكن في الأخلاقيات، وذلك لسبب بسيط: إنها تنهار من تلقاء ذاتها تحت ضغط تفاهتها وحدها. وهكذا بقدر ما كانت أطروحة نيتشه القائلة بأنه لا وجود لــــ”وقائع” ولا وجود لحقيقة علمية، تستثير أهمية، بمواجهتها اليقينيات الأكثر تجذرا، فبالقدر نفسه كانت الفكرة القائلة إن ” الذوق ذاتي” لا تثير اهتمام أحد، ولا تستفز فضوله. وعلى العكس من ذلك، فإن الحديث عن إمكانية الحجاج في ميدان الفن والعثور على معايير خاصة بالجميل، لا يقبل به الحس السليم. إن البحث في المعايير التي ستميز الجماليات الناشئة كان على قدر كبير من الأهمية. فعلى هذا المستوى ستُثار القضية المركزية للفكر المعاصر عامة بأكثر الطرق صعوبة، والأكثر حدة وهي: كيف يمكن أن نؤسس للموضوعية استنادا إلى الذاتية، ونؤسس المتعالي على المحايث؟ وبعبارة أخرى: كيف يمكن التفكير في الرابط (الاجتماعي، بطبيعة الحال، وغيره) في مجتمع يدعي أنه ينطلق من الفرد من أجل بناء الجماعي؟ تُقرأ هذه القضية في حالتها الخام في ميدان الجماليات، ففي أحضانها يكون التوتر بين الفردي والعام، بين الذاتي والموضوعي قويا. فالجميل هو الذي يجمعنا بسهولة وبغموض. وعلى عكس كل ما يمكن أن نتوقعه، فإن الإجماع حول الأعمال الفنية الكبرى هو أقوى وأوسع فيه من أي ميدان آخر. ويمكن أن نقبل إلى حد ما، كما لاحظ ذلك هيوم بسخرية، أن اختلاف الناس حول عظمة هوميروس وشكسبير أقل شأنا من اختلافهم حول صلاحية فيزياء غاليليو أو ديكارت. ومع ذلك نحن في قلب الذاتية الأكثر كثافة والأكثر صراحة.

وإلى فترة قريبة منا- في الفلسفة إلى حدود نيتشه، وفي تاريخ الفن إلى حدود ظهور الطلائعيين- لم يكن تذويت العالم يعني فقط: اختفاء العالم. فعلى خلاف ما حدث في الفترة المعاصرة، فإن القضية الأساسية في الجماليات الحديثة، من بداية القرن السابع عشر إلى نهاية القرن التاسع عشر، كانت هي المصالحة بين تذويت الجميل (لأنه لم يعدد واحدا “في ذاته” ولكنه ” واحد للكل”)، مع مقتضيات “المعايير”، أي علاقة مع الموضوعية، أو إن شئتم، مع العالم. بل إن هذا التوتر المركزي بالذات هو المشكل للإشكالية المركزية للجماليات الأولى، وهو ما يميزها بشكل كلي عما سبقها وعما جاء بعدها، وهو ما يطلق عليه الآن: المعاصر، حسب الاستعمال الفلسفي. ومن المؤكد أن الجماليات الحديثة ذاتية، لأنها تؤسس الجميل استنادا إلى ملكات إنسانية، العقل والإحساس أو التخيل. وبالرغم من ذلك ستظل محكومة بفكرة مُفادها أن العمل الفني لا يمكن فصله عن شكل من أشكال الموضوعية.

ويمكن القول في المجمل إنه كانت، في نهاية القرن الثامن عشر، ثلاثة أجوبة حول معايير الجميل:

المعيار الذي يعود إلى العقلانية، إلى الكلاسيكية الديكارتية، ونموذجها موجود في كتاب بوالو ” الفن الشعري”. فقد كان شعار “محاكاة الطبيعة” يوحي بأن كونية الجميل تعود إلى علاقته بعالم موضوعي لا يكشف عنه سوى العقل. فالعبقرية الكلاسيكية ليست هي ما يبدع، بل تلك التي تكتشف. واللفظ هنا منظور إليه استنادا إلى نموذج النشاط العلمي. لذلك، أمكننا الحكم على الجمال كما نحكم على الحقيقة، وذلك لسبب معقول هو أن الجمال ليس شيئا آخر غير التعبير المحسوس عن الثانية.

الجواب الثاني الذي يمكن أن نقول إنه “مادي” يعود إلى “التجريبية”. ويمكن أن نختصره في البرهنة التالية: إن الجمال هو ما يروق أعضاءنا الحسية. وبناء عليه، فإن الجميل يخلق متعة كونية. والتبعات الثلاث لهذه الأطروحة، التي عبر عنها بشكل جيد هيوم في “مقالات حول الجماليات”، كانت متوقعة: أولا الفن يقترب بشكل متناظر ودائم من المطبخ (فن الطبخ). وثانيا لا تكمن المشكلة الأساسية لهذا النوع من النظريات الجمالية في فهم الإجماع التلقائي، بل في شرح الاختلافات في الذوق. ومن هذا المنظور، سنتأكد من وجود هذه الاختلافات البسيطة فيما يمكن أن يصيب الأعضاء، فهي يمكن أن تكون سليمة أو مريضة، راقية أو همجية، حساسة أو فظة؟ وفي الأخير، فإن الجماليات، مثلها مثل العلم، هي قضية خبراء، قضية أولئك العارفين في الميدان، الذين مرنوا أعضاءهم الحسية. ولا شيء يمكن أن يختصر هذه النظرية أكثر من القصة التي يرويها هيوم في مقالة من مقالاته: فقد دعا الملك اثنين من الذواقين للخمور المشهورين وطلب منهما تذوق الخمر المودع في برميل. فحكما كلاهما بجودته، ولكن أحدهما أحس بطعم الحديد، والآخر بطعم الجلد. فسخر منهما وأعادهما إلى مستودع الخمور. ولكن بعدما شُرب كل ما في البرميل اكتشف البعض مفتاحا صغيرا ممهورا بقرط من الجلد…. وهذا ما يجعلنا ندرك أن هيوم ظل، رغم أنه حسي، مرتبطا بالفكرة الكلاسيكية عن موضوعية الجميل، حتى وهو ” يؤسس” لهذه الموضوعية استنادا إلى فرضية وجود بنية سيكولوجية بيولوجية مشتركة عند كل الكائنات الإنسانية، لا إلى وجود عقل كوني، كما فعل ذلك الديكارتيون.

وفي الختام، سيرسي كانط، في كتابه نقد ملكة الحكم، أسس تصور للذوق يتجاوز هذا التقابل بين العقلانية والمادية لكي يؤسس ما يحدد في العمق نظريات العبقرية التي ستستوحي منها الرومانسية تصوراتها. إن الجميل ليس حقيقيا، كما اعتقدت ذلك الكلاسيكية، وليس هو الممتع كما يريد ذلك التجريبيون. فما الدليل على ذلك؟ لا يمكننا في ميدان الذوق أن نبرهن على أي شيء، وهو ما يكفي للإشارة إلى أنه لا يعود إلى الحقيقة. فما يميزه، على العكس من ذلك، عن الممتع هو أنه لا يمكن مناقشته، ضمن مفارقة حاولت جماليات كانط سبر أغوارها، كما لو أنه من الممكن إعطاء حجج مؤيدة أو مناهضة لحكم الذوق، كما لا يحدث في فن الطبخ. ومن هذه الزاوية، سيتحدد الجميل باعتباره وسيطا بين الطبيعة والذهن، بين المعقول والمحسوس، أو بالأحرى هو مصالحة إعجازية بين الاثنين، كما لو أن المحسوس في ميدان الجمال، يؤشر، من تلقاء نفسه، على دلالات عقلية. وهذا ما يصدق على كل عمل موسيقي: إنه شبيه بقصة نرويها لطفل، إنها تملك بداية وتطورا ونهاية، يمكن أن تكون حزينة أو سارّة، متوترة أو هادئة، ويمكن أن تعبر عن الكثير من حالات النفس. ولكن كل هذه الدلالات التي نستطيع أحيانا مفهمتها، متولدة عن ظواهر محسوسة بشكل خالص: لا وجود في الموسيقى لأي كلمة، ولأي مفهوم وأي صورة وأي تمثيل عقلي من أي طبيعة. فكل شيء فيها “مادي”، ومع ذلك، فإن هذا المادي ينتج معنى، يصبح بطبيعته معقولا. هذه هي الخيمياء المعجزة للفن التي تدفعنا إلى تحليله والحديث عنه ومناقشة ذلك بتعصب… دون أن نصل مع ذلك إلى أي دليل. وذاك هو ما يدعو إلى النقد.

2-ميلاد النقد. التاريخ ضد التقليد

على عكس الرأي السائد، فإن شروط إمكانية وجود نقد للفن وتاريخ له كانت موجودة في شكل إرهاصات قبل ديدرو وفينكلمان، وذلك منذ أن نشب الصراع بين القدماء والمحدثين في القرن السابع عشر. ففي الطريقة التي دافع بها بوالو عن القدماء كان هناك مبدأ للحداثة وحس نقدي صريح: فما يؤسس في نظره سمو القدماء ليس أنهم قدماء، كما كان عليه الحال في عصر النهضة، أو أنهم يجسدون تقليدا هو في ذاته يستثير الاحترام ويستثير الإعجاب. إن ما يمنح الأعمال القديمة قيمة معينة هو قدرتها على الامتثال لمعيار، لمبدأ هو أسمى منها ويمكن أن يستخدم إذا استدعى الأمر ذلك، من أجل تقييمها. وإذا أضفنا إلى ذلك، بالنسبة للكلاسيكيين الفرنسيين الذين كانت جمالياتهم مستوحاة من ديكارت، من ملكة الذات، أدركنا كيف أن عالم التقليد كان متهالكا، وأن إمكانية وجود نقد وتاريخ الفن أصبحت أمرا واقعا: النقد، لوجود معيار آخر غير ما يقول به التقليد، معيار يمكن استنادا إليه الحكم على الأعمال الفنية (معيار يستعمل عمليا، ضمن مفارقة تتجاوز هؤلاء الذين يعتقدون امتلاك القدرة على اتخاذ موقف من التقليد المهدد). والتاريخ، لأن فكرة التطور، إن لم نقل، التقدم في تمثيل معايير مثالية، لم تعد غير مقبولة. حينها ستكف الأصالة عن أن تكون قيمة مضادة، والمحاكاة هي الضرورة القصوى. إنها، على العكس من ذلك، أصبحت ميزة لنا الحق في مطالبة الفنان الجدير بهذا الاسم التحلي بها. وانطلاقا من ذلك لم يعد الفنان وسيطا يترجم في كلمات أو صور قيم الأمة: لقد أصبح مؤلفا، فردا قادرا على إنتاج عمل يتمتع هو الآخر بالأصالة.

fery 2 22  - سعيد بنگراد

ستتجسد، بطبيعة الحال، في بداية القرن الثامن عشر ممكنات النقد وتاريخ الفن، التي فتحتها الكلاسيكية. لقد كانت حاضرة من البداية في تحمل الذات مسؤولية الحكم على التقليد. فالميل السيكولوجي عند الحسيين، و”قومية ” ديبوس ومونتيسكيو ستأتي لتنضاف وتنحت فكرة تاريخية للذوق: لا يعتقد ضفدع فولتير أن ضفدعته هي التجسيد للجمال، ولكن أيضا إذا كان إيطاليا أو فرنسيا أو ألمانيا، فإن ماهية الجميل ستتحقق عنده باعتبارها فرنسية أو إيطالية أو ألمانية: ال كالون  to kalon  (*) .  وهكذا، فإن الأصالة ذاتها هي التي ستغير من دلالاتها: فالمفهوم يتضمن مبدأ الذاتية (تُرد أصالة العمل الفني دائما إلى أصالة المؤلف الفردي). ولكن يضاف إلى هذا التحديد الأصلي تحديد التاريخية: لا يتعلق الأمر فقط بأن يكون الفنان أصيلا تجاه بنية زمنية، تجاه صالون مثلا، حيث يتطلب الموقف نباهة، بل يجب الإتيان بتجديد يفوق به من سبقه من الفنانين: تُقاس العبقرية بما يقوله تاريخ الفن عنها، ذاك الذي يقدم داخله الفنان شيئا لكي يظل حاضرا فيه. إن الشرط ليس كافيا بعد، كما سيكون عليه في نهاية المسار، عند طلائعي القرن العشرين، ولكنه مع ذلك أصبح ضروريا، كما تشهد على ذلك، على المستوى المؤسساتي، عبادة الكرونولوجيا التي ستتحكم قريبا في تنظيم المتاحف التي رأت النور مع الثورة الفرنسية. إن عبادة الجديد، وعبادة المستقبل، والقطيعة مع الماضي التي ميزت اللذة المتمردة ” للحداثة” تتجذر عميقا وتقود إلى بروز الذاتية بحيث إن الفن المعاصر، بمعنى يجب تدقيقه، مازال ينتمي إلى مدار الجماليات الحديثة

3-لاعقلانية الجميل: استقلالية المحسوس باعتبارها قطيعة بين الإنسان والعالم

ما يزال تأثير الجميل، حسب تقليد أفلاطوني قديم، قائما في الكلاسيكية الفرنسية (رغم أنه لم يعد ينتمي كليا إلى الأزمنة الحديثة)، لقد تم تعريفه لمدة طويلة باعتباره ” تمثيلا محسوسا” للحقيقي، أي باعتباره نقلا لحقيقة أخلاقية أو ثقافية إلى نظام الحسية المادية (المرئية أو المسموعة)، وضمن هذه الشروط سيكون موقع الفن ثانويا في علاقته بالفلسفة: فكيف يمكن أن يكون الإمساك بالحقيقي بواسطة المحسوس (إلا في حالات بيداغوجية) مفضلا على معرفة واضحة ومتميزة للحقيقة في ذاتها ولذاتها.

ومع ذلك، فإن العالم المعقول في الأفلاطونية وفي الكثير من الصيغ التيولوجية المسيحية أو الديكارتية، هو أسمى من العالم المحسوس، أو يدل انسجاما مع الصياغة التي تهمنا هنا على: أن جهة نظر الله تتميز بكون كل معقول ليس معنيا بسمة النقصان الإنساني الذي هو المحسوسية (الله العالم بكل شيء ولا يخفى عنه أي شيء، إذا كان لهذه الصيغ التشخيصية من معنى).

حينها سندرك بطريقة أفضل كيف أن مشروع تخصيص علم مستقل لدراسة الحساسية، الجماليات، سيشكل قطيعة حاسمة في علاقتها بجهة النظر الكلاسيكية ليس مع التيولوجيا فقط، بل أيضا مع كل فلسفة ذات منحى أفلاطوني. ويجب أن نعي ذلك جيدا: إن موضوع الجماليات، العالم المحسوس، لا وجود له إلا عند الإنسان، إنه بالمعنى الدقيق خاصية من خاصيات الإنسان. إن ميلاد الجماليات باعتبارها تقتضي وجود موضوع مخصوص هو الذي يجعل منها تخصصا مستقلا، يعبر بشكل مكثف عن كل التقلبات التي عرفها القرن الثامن عشر في كل الميادين: إنها ترمز، أكثر من كل التحولات الأخرى، إلى مشروع منح جهة النظر الإنسانية مشروعية هي التي كان يتطلبها تطور المعرفة التي جاءت بها العلوم الوضعية، وذلك ضدا على الميتافيزيقا والدين.

fery 3 33  - سعيد بنگراد

إن الحصول على هذه الاستقلالية الخاصة بميدان المحسوس، هذا الابتكار لعالم انسحب منه الإلهي لصالح الإنسان، سيتحقق في تاريخ الجماليات على مراحل عديدة: مع Aesthetica لبومبغارتن والفينومينولوجيا لجوهان هنريش لامبار (1766 وكانت أول فينومينولوجيا لها امتداد في التاريخ)، وكان هذا المشروع يكمن في استخراج منطق خاص بـــــ”الظواهر” المحسوسة المجسدة. فالجميل لا يبدو في هذه الأعمال باعتباره خاصية إنسانية فقط، بل إن الحساسية الإنسانية تحضر فيها باعتبارها مالكة لبنية مخصوصة لا يمكن لجهة نظر الله أن تجعلها نسبية. ولكن كان من الضروري انتظار ظهور ” نقد العقل الخالص”، لكي تتأسس لأول مرة في تاريخ الفكر استقلالية المحسوس فلسفيا عن المعقول، وبذلك سينفتح فضاء نظري لـــ “نقد ملكة الحكم”. وسيعود الفضل إلى نيتشه في القضاء على العالم المعقول، الذي ظل يحتفظ عند كانط بوضع فكرة تكون ضرورية للعقل. وهكذا، سيضع نيتشه، من خلال إلغاء كل إحالة على الله، حتى وإن كان ذلك في شكل فكرة، حدا للتيولوجيا /الثقافة، وينفتح على العالم الإنساني وحده، في وضعه باعتباره وحده من يوجد في العالم (وفضلا عن ذلك يكون منتشرا في أكبر عدد من الآفاق). فمن خلال القضاء على ” العالم حقيقة” (معقولية أفلاطون والعالم الآخر عند المسيحيين)، سيقضي نيتشه أيضا على ادعاءات الميتافيزيقا على قدرتها تحويل العالم إلى مجرد مظهر. وبما أن الحقيقة تحولت إلى حكاية، فإن الفيلسوف يجب أن يترك مكانه للفنان: Incipit aesthetica (هنا تبدأ الجماليات”).

——-

*-النص مأخوذذ من كتاب لوك فيري:

Luc Ferry : Le sens du beau, Aux origines de la culture contemporaine p.32-47

*- الجميل أو ما يروق العين

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.