الحياة … عن بعد

admin
مقالات
1 ديسمبر 202017 مشاهدة
الحياة … عن بعد
الحياة … عن بعد

سعيد بنگراد

يميل العارفون بأهواء النفس البشرية وأسرارها إلى القول إن لحظات “الجد” في حياة الطفل هي تلك التي يكون فيها منغمسا في كل أنواع اللعب. فهي الزمنية الوحيدة التي تُدرك في أفعال تتحدد جدواها وغايتها في ذاتها لا في مردودية محتملة. فهو يلعب أثناء الأكل ويلعب في الحمام وأمام المنزل ويلعب في الشارع، بل إن المدرسة ذاتها ليست سوى فضاء للعب لا ينتهي. فكل ما يصدر عنه وما يقوله ويفكر فيه أو يطلبه لا يمكن أن يُفهم إلا باعتباره شكلا من أشكال اللعب. إن حب الوطن ذاته لا يمكن أن يعرف طريقه إلى وجدانه إلا من خلال كلمات لا يفقه معناها، ولكنه يتعلم كيف يُنشدها، أي يلعب بالصوت والإيقاع فيها.

وهذا معناه أنه لا يذهب إلى المدرسة لكي “يتعلم”، كما يتوهم ذلك الكثير من اللاهثين وراء الوصفات الجاهزة، بل يذهب ليلعب، فهو لا يعرف “العلم” ولا يدرك قيمته في حياته، إنه مشدود بالحسية وحدها إلى محيط عبر محاكاة مباشرة للكائنات والأشياء. لذلك كان الفضاء التربوي حاضنا لكل النماذج التي يتعلم من خلالها الطفل كيف ينتمي إلى عالم “الكبار”، أي كيف يحيط نفسه بالكثير من الإكراهات الغائبة في محيطه الأسري. فلا قيد في مساحات الفضاء العائلي، إنها “حرة” يغمرها حنان الوالدين والمحيط القريب، أما فضاء المدرسة فمحكوم بسلسلة من القواعد السلوكية هي سبيله إلى اكتشاف نفسه في الآخرين، واكتشاف محدوديته ضمنهم أيضا. وبذلك يتخلص من الفضاء الواقعي الذي يمثله البيت لكي يتعلم في فضاء المدرسة كيف يستبطن كل الصور الرمزية وكل المحكيات التي تشكل مخيال وتمثلات الأمة وضميرها الجمعي.

وهذا معناه أيضا أن الطفل يتعلم في المدرسة، عبر اللعب في مراحله الأولى، كيف ينتمي إلى “الممنوع” الطوعي، أي إلى “النظام”، ما يشمل المجتمع والدولة والعقائد والأخلاق وكل ما يؤسس نسقا اجتماعيا يمنح سلوكه معنى ضمن فضاء يضم الآخرين. إنه يولد في المدرسة كائنا يتشكل باعتباره “أنا” جديدة تُبنى ضمن معرفة مجردة وكونية. فالمدرسة هي الوسيط الأمثل بين “أنا” جامحة لا تعرف حدودا وبين “نحن” هي ما يحد من جموحها ويوجهه. إنها تفرض “نظاما” على “الفوضى” التي تميز المحيط الخارجي، فهي المنتجة لكل المؤسسات التي يعتمدها المجتمع من أجل ضمان تماسكه ونموه وتطوره. إن للمدرسة حرمتها، لذلك صُنفت ضمن فضاء لا يمكن أن تنساه الذاكرة أبدا، فهي “حلوة وجنة فيها تربينا”، وكل الكبار يحلمون بالعودة إلى” أسوار مدارسهم”.

ولم يخطئ الذين فكروا في توحيد لباس الفتيان والفتيات في المدارس، كناية عن وحدة أبناء الأمة. فالأطفال ليسوا في منأى عما يمكن أن ينتج عن التفاوتات في متاع الدنيا. لقد حاولوا بذلك توجيه التنافس في المدرسة إلى ميدان الفكر والذكاء والمبادرة. فاللباس ليس مميزا مكتسبا، إنه ظاهر لا دخل للطفل فيه، أما الذكاء فهو ملكة تُكتسب أو تُنمى ضمن الآخرين، بمساعدتهم وضدهم في الوقت ذاته. إن المدرسة فضاء للمساواة أو هكذا يجب أن تكون.

وهي طريقة أخرى للقول، إن القيم لا تُنتَج فرديا، إن الإنسان المعزول لا يحتاج إلى قيم لتنظيم حياته، لقد اكتشف الأخلاق عندما اضطر إلى العيش مع الآخرين. لذلك لا يُمكن للأنا أن تتبلور في استقلال عن الأنوات الأخرى، إنها تكشف عن نفسها معهم وضدهم. وذاك هو الشرط الضروري لتبلور “النحن”، الحاضن الاجتماعي لكل ما يقدم نفسه باعتباره سلوكا مخصوصا. وبذلك تقوم المدرسة بمساعدة الطفل على بناء “أنا” مستقلة، متحررة من قيد الانتماء العائلي، ولكنها مدرجة ضمن ما يسمى التنشئة الاجتماعية، ما يشكل تماهيا مع فضاء ثقافي له إكراهاته الخاصة. إنها حياة جديدة فيها الصراع والتنافس والتعلم من أخطاء الآخرين ومن نجاحهم.

لذلك فالقول بإمكانية تخلصنا من المدرسة ذات يوم، معناه أننا سنخلق جيلا ضائعا، كائنات بلا بوصلة، كائنات تنمو وتتطور استنادا إلى تجارب مباشرة في الفضاء المحدود للبيت بعيدا عن فضاء مؤسساتي نتعلم منه كيف نفكر وكيف نحيا وكيف نحب ونرفض ونقبل الآخر أو نصده، وكيف نواجه مشاكل الوجود بعيدا عن دفء الوالدين وحمايتهما. وتلك هي النماذج التي يقدمها لنا الافتراضي اليوم، فالناس يختبئون وراء بلازما باردة للكشف عن عواطف تسكن الكلمات وحدها.

إن المدرسة، على العكس من ذلك، فهي الحاضنة لما يطلق عليه “دينامية المجموعة” ( la dynamique du groupe). فلكي تكون فردا في المجتمع، أي مواطنا، يجب أن تعيش مع الآخرين وتتعلم معهم. إنها فضاء يجمع بين الحساسيات والميولات والآراء  المتناقضة وألوان الأطفال وطولهم وقصرهم وعدوانيتهم وتسامحهم. والضابط في هذا الفضاء أستاذ ومعلم ومربي. لقد تعلمنا من أساتذتنا الشيء الكثير، تعلمنا منهم قيما وتعلمنا كيف نتجنب أخرى أيضا. فالأستاذ نموذج، قد يكون جيدا وقد يكون سيئا، ولكنه في الحالتين معا ضروري في حياتنا. وضمن هذا الكل يولد المواطن الذي يمارس مواطنته في الفضاء العمومي لا في بيته أو في الفضاء الافتراضي.

إن التعليم عن بعد مفيد حقا، ولكن في مراحل متقدمة من التحصيل العلمي، عندما يجلس علماء أو طلاب علم في الدراسات العليا، يناقشون، عن بعد، ما توصلوا إليه من نتائج تخص أبحاثا في ميدان بعينه، أو من أجل  تبادل خبرات أو تجارب معينة في قضايا علمية مخصوصة. فهؤلاء ليسوا في حاجة إلى “المدرسة”، أي إلى فضاء فعلي يجمع بينهم، ففضاء العلم وحده كاف لكي يتواصلوا فيما بينهم. وهذه ميزة التكنولوجيا الحديثة، إنها قدمت في هذا المجال خدمات جليلة إلى المعرفة، ولكنها أيضا قلصت من دور الذاكرة ومن فضاءات الحياة وحولت التعلم إلى مجرد قواعد باردة بلا قيمة إنسانية. لقد انفصلت المعارف التي يتلقاها الطفل أو الطالب عن دفء الحياة، حيث الصراع والتنافس والتباري بين الأقران.