بيليكي* أو سد الذرائع

مقالات
83
1

 

سعيد بنگراد

لست من “المؤثرين” ولا تأثير لي في أحد، ولا أعتقد أن السلطة تكترث لما أكتب، فما أقوله مجرد تفاصيل “نخبوية” لا تقدم ولا تؤخر في المشهد السياسي، ولا يُصنف، في جميع الحالات، ضمن الشعبوية. ومع ذلك أثارني ما قاله إدريس الأزمي، القيادي في حزب العدالة والتنمية، وليس اليزمي المناضل الحقوقي المعروف، عن التعويضات ومركزيتها في الحفاظ على “الأمن الأخلاقي” للبلاد. فقد يكون الريع هو ما انتبه إليه سكان الشبكات الاجتماعية ونددوا به. والأمر كذلك فعلا، فما يبحث عنه الكثير من الفاعلين في السياسة والمنتفعين منها هو هذا الريع بالذات، فـالامتيازات ” ثابت” من ثوابت السلطة، وهو “الرافعة” الأساسية في تدبير الكثير من شؤون الناس على المستوى الاجتماعي والسياسي، بل أصبحت كذلك عند الكثير من المؤسسات التي ظلت لفترة طويلة متمنعة عن إغراءاتها في المال والجاه. دليل ذلك أن السيد إدريس الأزمي، نسي في حماسته واندفاعه، إيمانه وتنكر لله ذاته، فالناس في نظره لا يعملون في سبيله، بل من أجل التعويضات في المقام الأول.

ومع ذلك، فإن الأمور قد تكون أشد من هذا وأعمق. فقد ورد في تصريح سابق للسيد الأزمي ما يجعل الريع في سياقنا هذا مجرد علاوة عابرة يمكن التصدي لها بسهولة، ذلك أن ما جاء في هذا التصريح يستند إلى مبدأ آخر للتعويضات يشمل أخلاق هؤلاء المنتخبين ومن شابههم في المهام والوظائف. فهو يَفْصل بالقطع بين الريع باعتباره امتيازا يتمتع به مجموعة من المرتبطين بالسلطة أو دوائرها، وبين ما يمكن أن يصنف ضمن “سد الذرائع واتقاء الشبهات”، كما هو معروف في المذهب المالكي. فالأول محدود في الزمان والمكان ولا يتمتع بأي غطاء إيديولوجي أو سياسي أو ديني، على الأقل بشكل شرعي وقانوني، أما الثاني فنمط قُدسي في تدبير الشأن الحياتي في كل مستوياته في السياسة والاقتصاد والاجتماع. إنه قاعدة مركزية في التصدي للمفاسد وفتح للمنافع والمصالح. فالشرع حسب هذا المبدأ لا يعاقب على الفعل وحده، بل قد يمتد عقابه إلى نوايا الفاعل أيضا.

وضمن هذا المبدأ تندرج التعويضات التي يدافع عنها السيد الأزمي. فهو لا يطالب بجزاء من يفعل ويُخْلص في فعله، فهذا الفعل له أجر ثابت، بل يدعو إلى اتقاء شر ما يمكن أن يصدر عن الفاعل بمنحه تعويضات تصد هذا الشر وتحمي منه. فعوض أن نطلق يده بحرمانه من مضاف نقدي أو عيني، علينا أن نكبلها بالمزيد منه، فهو أساسي في الحفاظ على “الصفاء” في المعاملات بين المواطنين والسلطة، أو بين المنتخب وبين من كلفوه بتمثيلهم. ولا يتردد السيد الأزمي في إعطائنا مثالا على المنتخب المكلف بتدبير قضايا التعمير وإنشاء الوحدات السكنية. فهو قد يحصل، كما قال، على مال كثير بطرق أخرى إذا هو حُرم من التعويضات.

وهنا ينفتح باب الجحيم على مصراعيه. فإذا كانت التعويضات طريقة في منع الناس من الترامي على المال العام أو الخاص، فسيكون من حق كل العاملين في القطاعات الحكومية، وربما في الخاصة أيضا، المطالبة بتعويضات تحميهم من شرور أنفسهم. سيكون من حق الطبيب في المستشفيات المطالبة بتعويضات تحفزه على التفاني في عمله، ومثله سيطالب الممرض بتعويضات تقيه شر “الطلب”. بل سيكون من حق الأستاذ أن يطالب بتعويضات حتى لا يمنح شواهد بلا قيمة، وكذلك سيفعل المعلم والمهندس والقاضي وموظفو البلديات والعمالات، وجميع العاملين في الوظيفة العمومية وشبه العمومية. والخلاصة سنكون أمام ارتشاء معمم يتخذ شكل تعويضات تمنحها الدولة لسد الذرائع واتقاء الشبهات. وسيكون الشعب مضطرا لدفع الرشوة لكل موظفيه، الفاسدين منهم والشرفاء، حتى يتقي شرهم. فالنفس أمارة بالسوء، وقد لا تستطيع القوانين صدها عن غيها. يتعلق الأمر بإضفاء شرعية على كل الممارسات التي ظل الناس يحاربونها دون طائل.

لذلك لا يختلف هذا المبدأ في حقيقته عن المبدأ الجنائي الشهير ” كل ما من شأنه”. فهذا المبدأ أيضا لا يعاقب على الفعل وحده، بل يعاقب على كل ما يمكن أن يقود إلى فعل يُحاسب عليه القانون أو يحتمل أن يكون كذلك. لا يتعلق الأمر فقط بالنوايا، بل بمنطق السلوك الإنساني وتداعياته. لقد كانت التجمعات في سنوات خلت تقع تحت طائلة القانون، فمن شأنها أن تقود الناس إلى التظاهر. ولا يمكن للناس أن يتذمروا كثيرا فالتذمر قد يتحول إلى نقد صريح وقد يتحول هذا النقد إلى معارضة تقف في وجه السلطة وتطالب بإسقاطها. هناك نوع من التوازي بين “الأمن السياسي”، الذي لا يحاسب على الفعل وحده، بل على ما يمكن أن يؤدي إليه حقيقة أو افتراضا أيضا، وبين “الأمن الأخلاقي” الذي يستمد مضمونه من قاعدة فقهية تُطَبق وفق ما يريده المشرع لا ما يريده النص حقا.

ووفق هذا المنطق أيضا يتم التفكير حاليا في إضافة ثلاثين عضوا جديدا في البرلمان. لا يفعلون ذلك استجابة لما قد تقتضيه تمثيلية فعالة، وإنما لكي يستطيع البرلمان استيعاب الخريطة التي ستترتب عن ” القاسم الانتخابي” الجديد إن هو قُبل. فلا مبرر لهذه الإضافة سوى تداعيات الريع وتوزيع الغنائم أيضا. تماما كما استحدثوا في السابق، لائحة للشباب في الانتخابات التشريعية، وهي” كوطا” بالعرف القانوني، ولكنها “رشوة” في العرف السياسيي، فهي صيغة حزبية داخلية الغاية منها صد الشباب عن المطالبة بتجديد القيادات أو التشكيك في “صلاحيتها”. فالشباب لا يمثلون مصالح قارة، ولا يصدرون عن وعي سياسي منسجم، ولا يشكلون كتلة انتخابية منسجمة. لذلك لا وجود لداع يقتضي تمييزهم عن غيرهم من المواطنين.

*-بيليكي بالدراجة المغربية بالمجان