نبش في أديم الأرض*

مقالات
261
1

سعيد بنكراد

ربما يكون الشكل هو الحقيقة الوحيدة التي تقود العين إلى الانتشاء بما تملك. فهو يُعد ضمن الممتد الطبيعي شرخا للمتصل وحافة وفاصلا، وهو في الأشياء والكائنات سمة أولى في الوجود. وفي جميع الحالات، فإن الحياة ذاتها ليست سوى سلسلة لا تنتهي من الأشكال، فهي في الفضاء والزمن والذهن وهي أساس كل الأعمال الفنية (هونري فوسيون)؛ إنه ليس حُجُبا تفصل ظاهر العالم عن جوهره، بل هو الجوهر الأصلي فيه.

وهذه الحقيقة (أو نعتقد أنها كذلك) هي التي تسمح لنا بالتعامل مع تجربة الفنانة التشكيلية فاطمة بنكيران باعتبارها احتفاء بالأشكال وحدها، فهي مادةُ وجوهرُ ما يستوطن الفضاء المُمَثل في أعمالها، وهي مضمونُ ما تلتقطه العينُ عفوا أو تدبرا. فلا شيء يمكن التعبير عنه في لوحاتها خارج تفاصيل هذه الأشكال، وخارج ممكناتها في التكيف مع حاجات العين. فأغلب اللوحات عندها لا يحيل على شيء آخر غير مادتها الأولى، أي ما يمكن أن يستثيره التمثيل التجريدي من “انفعالات” ترفض في الكثير من الأحيان استيطان “مفاهيم” تحد من انسيابية الأشكال وطاقات التأليف فيها.

ومع ذلك، فإن الشكل في اللوحة عندها مبهم وغامض دائما، فالعين لا تُمسك بالجاهز فيها، إنها تستعيد جزءا من ماضيها كما يمكن أن ينتشر في كل المنافذ الحسية، أو تقوم بشحن الشكل بانفعال هو ما تود الإمساك به ضمن سياق هذه النظرة دون سواها. إن الأمر شبيه بالاستعارة في اللغة، فإزاحة المعنى الجاهز شرط لميلاد الشعري فيها. فليس العبثي في اللغة وفي الشكل دوما شذوذا، بل قد يكون وسيلة مثلى لتوليد معاني غير مرئية بشكل بديهي.

إن الاختيار التجريدي يقتضي البحث عن إيقاع اللوحة في ما هو أبعد من الممثل فيها. وهو هنا، في تجربة الفنانة بنكيران، يتجسد في استعادة جزئيات حياتية تُبنى في الأشكال والألوان خارج كل الإحالات، وهو ما قادها إلى التخلص من كل ما ألفته العين في الأشياء للاحتماء “بروحية” لا تستطيع اللغة ذاتها التعبير عنها : يعد اللفظ دائما إحالة على مرجع عيني، في الواقع أو الثقافة، أما مكونات التشكيل فلها وجود في ذاتها.

وذاك هو سر لعبة الشكل عند هذه الفنانة؛ إنها تبتعد عن الجاهز الهندسي لتعانق الشكل “الحر” في الطبيعة ذاتها. فالأول هيدوني (hédoniste)(1) يريح العين ويطمئن الرؤية عندها، أما معاني الثاني فتُبنى في النظرة التي تتأمل وتبحث في الظاهر عن علاقات تبنيها العين. وهذا ما قد يفسر، في جزء منه على الأقل، لماذا لا يُسَلم المُمَثل نفسه، في أغلب اللوحات، إلا من خلال إزاحة طبقات الظاهر للعيان، فكتلة الألوان والخطوط هي دائما مادة لشكل خفي تُعاد صياغته في العين وفق قصديات جديدة. وتلك هي القيمة التعبيرية فيها، إنها لا تحيل على دلالة، وإنما تكتفي برسم سبل قد تؤدي إلى البعض منها. فلا شيء في الوجود يُرى خاليا من غطاء يمنحه امتدادا في ذاته وفي علاقته بمحيطه.

بعبارة أخرى، إنها لا “تمثل” لعالم محدود من حيث الحجم والامتداد والإحالات، بل ” تعبر” عن حالة وجدانية ملتبسة هي المحمول الوحيد الممكن الذي تلتقطه العين وتمنحه بعضا من أشكال تحققاته. ذلك أن العين تواجه في أغلب اللوحات فضاء مشبعا إلى حد الضيق، ولكنها لا تنكره، فهو مصدر قدرتها على توليد أشكال دائمة التجدد انطلاقا من هذا “الركام” الذي تصنعه ألوان بلا هوية صريحة، والشكل وحده يستطيع بعث الروح فيها: لا وجود في لوحاتها لتقابل حاد بين الألوان، بل هناك تسلسل تصاعدي أو تنازلي من هذا اللون إلى ذاك، أو تمازج بين ألوان متعددة وفق ما تقتضيه درجة الشحنة الانفعالية، قوة وضعفا: كل الانفعالات في اللوحة ممكنة، بما فيها الحزن والشجن والكآبة والسوداوية، والحيرة والتيهان وضبابية الرؤية، والعنف والحدة، والطمأنينة الزائفة التي يمثلها أحيانا أزرق يَمْثُل في اللوحة في شكل لُجة تثير التوجس أكثر مما توحي بالسكينة والتسامي، فهو يسكن الأخاديد لا عمق البحر أو أعالي السماء.

اللوحة 1

اللوحة 2

اللوحة 3

وهكذا عوض أن تأتي العين إلى الشكل، فإن اللوحة هي التي تجبرها على تفريغ مخزونها الانفعالي في ما تحتضنه المساحات المرسومة (هذا الوجه القصي في اللوحة الذي يظهر بعد جهد ولا نتبين كامل ملامحه وسرعان ما سيختفي بمجرد ما تتحول العين عنه إلى شيء آخر غيره، وتلك السمكة التي تزحف نحو شيء لا نعرف كنهه، وذاك الأخدود الشبيه برحم حابل بجنين في هيئة رجل). وتلك هي بعض طاقات التعبير المجرد في الوجه المشخص في اللوحة.

إن الاحتماء القصدي بالشكل المجرد لا يمكن أن يقود إلا إلى الشكل المشخص في العين: تنبعث الحياة من نتوءات تائهة على وجه اللوحة بلا مصير ولا غاية. فما تقوم النظرة ببنائه ليس “أشياء عارية”، أو كيانات مقصودة لذاتها، بل يتعلق الأمر بموضوع هو جزء من معيش يومي يتخذ شكل انفعال مجرد. وهو ما يعني أن الشكل يتحول، ضمن سياقات اللوحة، إلى بؤرة لكل المعاني، أي إلى أداة للمزج بين “حياة في التجريد” وبقايا واقع تبنيه العين. إن الواقع حاضر هنا في اللوحة في شكل انفعال افتراضي، وعلى الرائي الكشف عنه.

والحاصل أن الفنانة لا تكترث “للإحالة”؛ ذلك أن الإحالة هي دائما انتقال من مرئي إلى آخر لا يمكن أن يحيا إلا في الذهن، يتعلق الأمر بتصريف المشخص في معادلات مفهومية نادرا ما توحي بالدفء الحسي؛ والحال أن بلورة الشكل عند الفنانة بنكيران هو ذاته “الإحالة” الوحيدة الممكنة، حيث هو “الظاهر” و”الخفي”، “المعطى” “المبني” في الوقت ذاته، فبمجرد ما تنسحب العين من اللوحة يستعيد الشكل طاقته الأولى ليصبح مصدرا لوقائع أخرى تبحث عن عين تستوعبها.

لذلك، فالشكل في اللوحة ليس قصدا موضوعا للرسم، بل هو ممر نحو الكشف عن حالة انفعالية تبحث عن فضاء يستوعبها. تُسلم مساحات اللوحة نفسها لأشكال “حرة” قد تُتْعب العين أحيانا، ولكنها تفك عُقَدا كثيرة من رؤيتها: هل يتعلق الأمر بأخاديد هي الوجه الذي يُبنى في “اللون” و”الشكل” الذي يغطي على مساحات تستوطنها كتلة انفعالية تبحث عن وعاء لتجسدها، أم هو حفر في أديم الأرض؟ إن اليد التي ترسم لا تتحكم عادة إلا في انفعالاتها، لذلك توكل إلى المشاهد مهمة “تحرير” الكائنات المودعة في أشكال ترفض التنميط المسبق، ومع ذلك تبدو هذه الكائنات طيعة مطواعة في يد الفنانة، ولكنها عصية على العين التي تحاول فك بعض أسرارها.

وهو ما قد يفسر لماذا تتجنب الفنانة بنكيران، في الكثير من لوحاتها، رتابة المستقيم وحِدة العمودي وصلابته، فهذان خطان صريحان في الإحالات الدلالية، التقريري منها والرمزي، وعوض ذلك تودع كل شيء في الخطوط الحرة التي تحرك العين وتحارب الثبات فيها، أو تحول بينها وبين التركيز على نقطة بعينها. فمن يقف عند شيء بعينه لم يأخذ من اللوحة إلا قشورها، أو لم ينل بعد حظه الكافي من الاستئناس التجريدي. إن الحقيقة في ما تخطه اليد، لا في ما يمكن أن تحيل عليه خارجها: إن جمال الاستعارة ليس في كثافة المعنى، بل في شكل بنائه.

قد يكون مرد ذلك أن اللوحة عندها تحاور عينا “عالمة” لا تكتفي بالإبصار، بل مدعوة إلى الإسهام في بناء ما ترى، وفي جميع الحالات لا وجود لعين خرساء لا تجيد سوى الإبصار، ذلك أن ” العين المحايدة عمياء والذهن البكر أجوف” كما يقول كانط. فمن يرى الأشياء دون أن يدرك ما يجمع بينها لن يرى أي شيء.

إن اللوحة، استنادا إلى طبيعة العين وحاجاتها، لا تُسمي شيئا ولا تعين عالما، إنها تكتفي بتفجير طاقات كل شيء استنادا إلى القوة التعبيرية التي أودعتها الممارسة الإنسانية في الشكل واللون: هل تهاجر الطيور أم تحن إلى يابسة دونها الموج العاتي، كما هو الامر في اللوحة 1، لا شيء يجمع بين الأصفر والأسود وبياض الطيور سوى أحاسيس قد تكون ألما وقلقا ورتابة تنبع من انكسار لا يتوقف للأمواج، وهو انكسار يتم في العين لا في اللوحة أو في البحر الذي تقوم بتمثيله.

وتلك هي شروط النظر عند العين الثاقبة، إنها تأتي إلى موضوع نظرتها مجهزة بما يتسرب من كُوى الإدراك، منافذ الاستهواء والحسي في الجسد الذي يقيس وجوده بطاقات “أحاسيسه”. إن العين لا تبصر فقط، إنها، بالإضافة إلى ذلك، نافذة نحو عالم يوجد في الأحاسيس. ففي اللوحات رائحة التراب وطعم الأرض ومخلفات الحرب (اللوحة 2)، وفيها قسوة الحياة وشظف العيش، والشرايين والتجاعيد والنتوءات، بل هناك حرائق تشُب في العين( لا في اللوحة) حين يختلط الأسود بالأبيض فتبدو إثر ذلك المساحة المصورة وكأنها بقايا غابة التهمتها النيران بلا رحمة، وتبدو الأرض، من خلال ذلك، وكأنها أُفرغت من أشيائها ولم يبق فيها سوى أحاسيس هجرها الناس، كما في اللوحة 3.

ومن هذه الزاوية، فإن الكثير من لوحاتها لا تستنسخ أشياء عالم ساكن، فالحركة موجودة في العين دائما لا في الشيء المُمَثل، فهي ما يبعث الروح فيه من خلال التشويش على بداهة وجوده. لذلك، فالشكل ليس نمطيا عندها، إنه حاضر في اللوحة ليكون أصلا لذاته وبنية لاستيعاب شيء آخر غير ذاته. وعلى عكس ما توحي به هذه الحركة المحتملة في اللوحة، فإن تكسير المتصل في الفضاء والتقاط كائن أو شيء لا يشير إلى رغبة في العودة لواقع ما، فلا واقع في اللوحات سوى ما تبيحه الأشكال أو توحي به، بل يقود إلى تعويضه بلمسات فنية هي التعبير الأسمى عن رغبة حَرَّى في امتصاص المشخص، كما يتحقق في المألوف اليومي، والعودة به إلى أصله الأول، كتلة انفعالية تائهة بلا موضوع، تعرف العين وحدها كيف تمسك ببعض ظلالها الدلالية.

فهل ما ينبعث من هذه الأشكال هو وجه الأرض، أم لحظة عابرة في جسد تزحف عليه التجاعيد من كل جانب؟ قد يكون هذا وقد يكون ذاك، وقد يكونا هما معا، أو كيانا ثالثا لا نعرف عنه أي شيء؛ فما هو أساسي، في هذه الحالات كلها هو هذا الارتباط “بعازل” أو “بظاهر” أو “بممر” يقود إلى المخفي في خطوط قد تكون أحيانا حافة، وقد تكون هي الفاصل بين “فضاء الداخل” و”فضاء الخارج” في النفس وفي الطبيعة على حد سواء. إن الأرض لا يمكن أن توجد دون لمسة تأتيها من خارجها، تماما كما لا يمكن للوجه الإنساني أن يُرى خارج زمنية هي حجمه وقياس نموه واندحاره.

بل أكثر من ذلك، إن للوحة ذاكرة تحميها، وكأن الفنانة تستعيد، من خلال هذه الأخاديد في الأرض وفي الماء، لحظات انفعال مغرق في القدم، حيث تعود اليد من جديد لكي تمسك بالتراب بحثا عن هويتها الضائعة في زمنية لا تتوقف. يتعلق الأمر بإحالة أسطورية على لحظات الخربشة الغْرافية الأولى التي تعلم من خلالها الإنسان كيف يُمسك بجسد ولحم آخر غير لحمه. إن الأخدود الذي ترسمه الفنانة على وجه الأرض /اللوحة ليس سوى “لمسة” تداعب مادة صلبة قد تنبعث منها نظرة قاسية أو عوالم موحشة أو نبش في ذاكرة أولى، أو يباب فقد حجمه الإنساني وتحول إلى أنقاض.

——-
*- التجربة التشكيلية عند فاطمة بنكيران.
*- فاطمة بنكيران فنانة تشكيلية مغربية متميزة، ولدت في السينغال، وشاركت في الكثير من المعارض من أهمها البينال في السينغال سنة 2014
1-الهيدونية مبدأ فلسفي قائم على فكرة تقول بأن البحث عن المتعة والحصول عليها بأقل جهد ممكن هو الأساس الذي يقوم عليه وجود الإنسان.