شخصيات النص السردي

مؤلفات
35
0

سعيد بنكراد

تنبيه

 

صدر هذا الكتاب في طبعة أولى سنة 1996 عن منشورات كلية الآداب بمكناس ونفد من السوق.

وإذا كنا نعيد نشره اليوم ضمن منشورات رؤية، فإننا نفعل ذلك من أجل التاريخ، وتلبية لرغبات بعض الدارسين الذين مازالوا يؤمنون بفعالية النماذج التحليلية التي نقدمها في هذا الكتاب . فلهؤلاء أهدي هذه الطبعة.

 

مقدمة

 

أصدر بروپ في الثلاثينات من القرن الماضي كتابا حول البناء الهيكلي للحكاية العجيبة اعتُبر في حينه معلمة فكرية غير مسبوقة. فقد شكل هذا الكتاب قطيعة مع تقليد نقدي كان يراهن على الموضوعات والقيم من أجل إعطاء وصف شامل للنصوص السردية، ومنها الحكايات العجيبة على وجه الخصوص. وهو أمر رفضه بروب واعتبره تصنيفا فاسدا لا يمكن أن يقدم لنا عناصر ملائمة في التحليل. فالمضامين، باختلاف أنواعها، لا يمكن أن تكون منطلقا صلبا لتحليل سردي يمكننا من الكشف عن الوحدة الجوهرية للحكاية العجيبة، وربما كل الحكايات. إن المهم في تحليل الحكاية العجيبة، في تصوره، هو بناؤها الشكلي، والالتزام بعناصر هذا البناء وحده يكون كفيلا بالكشف عن المنطق الداخلي للحكاية ونمط اشتغالها وتحولاتها الممكنة أيضا.

وهذا ما دفع بروب إلى الاحتفاء بالوظيفة وجعلها عصب النص ومحوره الرئيس. إن الحكاية عنده هي تسلسل من الوظائف المحدودة العدد والانتشار، ولا يمكنها أن تكون شيئا آخر سوى ما تحيل عليه هذه الوظائف في تتابعها وانتظامها في دوائر بعينها. وما يتبقى من العناصر الحكائية، فإنه يدخل ضمن العرضي والزائل وغير الملائم، إنها متحولة في العدد والطبيعة.

ولقد دفعه هذا التصور إلى إهمال الشخصيات التي تقوم بهذه الوظائف وتؤديها وتسمها بميسمها. فالشخصية في نظره لا أهمية لها على الإطلاق في البناء الحكائي، ولا يمكن الاستناد إليها من أجل معرفة الطريقة التي تشتغل بها الحكايات. فالأجدى للدراسات السردية إذن، أن تتخلى عن الشخصيات، وأن تبحث عن بنية الحكاية في ما تقدمه الوظائف لا فيما توهم به الشخصيات.

إلا أن هذا التصور لم يصمد طويلا، فبعد الهزة العنيفة التي أحدثها هذا النموذج التحليلي في الدراسات السردية، كان لابد من حدوث هزة أخرى تطول كل القناعات التي أفرزها هذا النموذج ذاته، وهي قناعات تحولت مع الزمن إلى حقائق مقدسة لا تمس. فكان من الضروري أن يُعاد النظر في الكوني والعام، وكان من الضروري أيضا، ومن نفس الموقع التحليلي، أن يعاد الاعتبار للزائل والعرضي.

بالتأكيد لا أحد يشك في أن هذا النموذج التحليلي قدم لنا مقترحات ساهمت في تعميق معرفتنا بالنص السردي، وكشفت لنا عن وحدة الكائن البشري : وحدته في العقل والفن والغرائز، إلا أن الوقوف عند ما يُوَحِد ليس كافيا لإنتاج معرفة حقيقية تخص الإنسان وعالمه. فهذه الوحدة لا يمكن أن تستمر في الوجود إلا إذا استندت إلى خصوصية تغذيها. من هنا جاءت الحاجة إلى العودة من جديد إلى ما يميز ويخصص. فمن صلب الكوني والعام ينبثق الاختلاف والتنوع والتعدد. وفي هذا المجال، لا يمكن للتعدد أن ينبثق إلا من خلال إعادة النظر فيما اعتبر عرضيا وبلا أهمية في التحليل، أي الشخصية. فهذا الكيان لا يمكن أن تكون عنصرا عرضيا وزائلا لا يقدم ولا يؤخر، كما اعتقد ذلك بروب، بل هي، على العكس من ذلك، العنصر الذي يميز هذا النص عن ذاك.

من هنا كان الانزياح عن الهيكل السردي العام، والعودة لمساءلة ما ” أهملته” النظريات الأولى هو السبيل إلى معانقة خصوصية الفعل الإنساني. وهذا ما جعل مجموعة من الباحثين يعيدون النظر في مقترحات بروب ويُنسِّبون أحكامه، بل ويدعون إلى التخلي عن أغلبها. فلقد أدرك هؤلاء أن هذا النموذج لم يكن صائبا في مجمله، وأن التحليل فيه انتهى من حيث كان يجب أن يبدأ، وأن العرضي ليس كذلك في مطلق الأحوال. فقد يكون هذا العنصر، من زاوية التحليل الدلالي، هو العنصر الرئيس في التصنيف والتحديد والحكم القيمي. فالشخصية، في أي بناء فني، لا يمكن فصلها، كما سنرى في فصول هذا الكتاب، عن الخزان الثقافي الذي تُشتق منه الخطاطات الفنية والدلالية والتركيبية على حد سواء. فالتلوين الثقافي ليس وليد الكوني والعام، بل مثواه الخصوصي والمميز. لقد قدم لنا بروب ما يوحد، وكان من الضروري أن نبحث في نماذج أخرى عما يميز ويخصص.

فما بين الخطاطة السردية العامة التي تشكل معيارا ثابتا، وبين الوصفات الثقافية الخاصة ( التحقق الخاص للخطاطة ) تتسرب الشخصية كتأكيد لهذه الخطاطة من حيث إنها لا يمكن أن توجد خارجها، ولكنها تمْثُل أمامنا في الآن نفسه كانزياح وخروج عنها. فأي تحقق مخصوص يعد، بشكل من الأشكال، إغناءً لهذه الخطاطة وتنويعا لحدودها. فما يشكل عمق النص في حقيقة الأمر هو الخروج عن هذه الخطاطة وخلق فجوات وشروخ داخلها، إنها ما يمنح النص خصوصيته وتلوينه الثقافي.

صحيح أن الشخصية هي موقع تركيبي في المقام الأول، وصحيح أيضا أن قيمتها الحقيقية داخل النص لا تعود إلى تمثيلية تستند إلى حكم قيمي مسبق، بل تعود إلى علاقتها مع باقي العناصر السردية الأخرى، إلا أنها مع كل ذلك، تتحدد أيضا وأساسا، باعتبارها وحدة ثقافية تعيش في الذاكرة الجماعية، في شكل مجموعة من التصنيفات والمسارات التصويرية والوصفية، يتعلق الأمر بوحدات منبثقة عن تقطيع ثقافي مخصوص.

وداخل هذا التقطيع يصاغ كل ما يعود إلى الشخصية، فالمواصفات والعوامل والأدوار الثيمية هي معطيات ثقافية في المقام الأول، وتحققها في النص هو ما يمنح هذا النص نكهته الخاصة. فحتى في الحالات التي نكون فيها أمـام نصوص تتناول قضايا تتعلق بالحيوانات أو الجن أو كائنات فوقية، فإن عملية التشخيص تتم عبر تصورات تعود إلى الإنسان وإلى تصوره للحياة ضمن وعاء ثقافي هو ما يحدد السنن الوصفي والوظيفي.

ووجود الإنسان باعتباره مرجعية لكل الكائنات أمر بالغ الأهمية، ذلك أن ماهية الإنسان هي الماهية الوحيدة التي يمكن أن تكون منطلقا لتصور إمكانات سلوكية تخص كائنات أخرى، إنها ” تمثل داخل ثقافة معينة معيارا وحيدا لسلوك ممكن، وتتجسد في النص الفني باعتبارها تجميعا لسلسلة من الإمكانات التي لا تتحقق إلا جزئيا داخل حدود النص، والأمر لا ينحصر في تجميع للأفعال فحسب، بل هـو رصد لأنواع سلوكية قابلة للتصور ضمن حدود نسق مصنف وأكثر عمومية” ( لوتمان).

بعبارة أخرى، إن النسق الذي تُصنف وفقه الأفعال الإنسانية هو حلقة نهائية داخل سلسلة التسنينات التي يخضع لها السلوك الإنساني كأفعال تتكرر باستمرار. وتحتاج هذه الأفعال، لكي تتخذ شكل قانون عام، إلى أن تُثَبت داخل قوالب. إن حصولها على هذا الوضع يجعل منها جهازا نقيس به السلوك اليومي ( مدى مطابقة هذا السلوك أو عدم مطابقته للمعيار) كما يشتغل كتوقعية تحدد المسارات الممكنة انطلاقا من وضعية إنسانية محددة.

تخضع الأسنن الوصفية والوظيفية، باعتبارها جزءا من ثقافة، لمقتضيات التقطيع الثقافي للكون السلوكي الذي يدركه المتلقي باعتباره أفعالا أو وظائف أو مواصفات. فلا يمكن فهم سلوك أو موقف من مواقف شخصية ما إلا بالاستناد إلى سنن ثقافي بعينه. وخير مثال على ذلك ما أورده شترواوس عن تصنيف الهنود في الأمريكيتين، الشمالية والجنوبية، للأشجار. فتارة ينظر هؤلاء الهنود إلى الأشجار من حيث إحالتها على الخصوبة، وتارة من حيث إشارتها إلى التجذر في الأرض. ففي الحالتين معا لا يمكن الاكتفاء بالوظيفة كما تصور ذلك بروب، وإهمال الفصيلة التي تنتمي إليها الشجرة، فما هو أساس هنا ليس الفعل المسند إلى الشجرة، بل موقعها داخل المتخيل الثقافي الهندي.

وهو ما يصدق أيضا على الكائنات البشرية بدءا من أبسط سنن وانتهاء بالتمثيل الثقافي العام الذي يخترق المجتمع ككل. فللصيادين أسننهم وللفلاحين أسننهم وللعمال والبحارة أيضا أسنن يهتدون بها. وبما أنه لا يمكن تصور كائن اجتماعي خارج تصنيف مسبق، فإن أي صياغة لكيان شخصية إنما يتم انطلاقا من هذا التصنيف، ويشكل هذا السنن التصنيفي إكراهات حقيقية لا يمكن للمبدع أن يتجاهلها وهو يصوغ شخصياته.

وهذا ما حاولنا توضيحه بكثير من التفصيل في دراستنا التطبيقية في الباب الثاني من هذا الكتاب. فلا يمكن أن يكون الطروسي مثلا ( بطل رواية الشراع والعاصفة ) شجاعا وعاجزا جنسيا في الوقت نفسه، كما لا يمكن أن يكون شهما وجبانا في الوقت نفسه. فهو بحار، والبحار في كل أرجاء المعمورة، كائن تستهويه الخمرة والنساء والمغامرات والموانئ البعيدة، حتى وإن وجد فعلا بحار جبان وعنين ولا يشرب الخمر.

وعلى هذا الأساس، فإن الصياغة النظرية التي يمكن أن تعطى لسميائيات تهتم ببناء الشخصية الروائية يجب أن تكون لها القدرة على استيعاب هذه المعطيات. فعبر هذه المعطيات يمكن الوصول إلى تحديد الأكوان الدلالية والنظر إليها باعتبارها تنويعات ثقافية تخبر عن العمق الحضاري لمجموعة بشرية ما.

والخلاصة أن الشخصية الفنية، كما يرى ذلك لوتمان، تبنى لا كتحقيق لخطاطة ثقافية محددة فحسب، بل تُبنى أيضا كنسق من الانزياحات الدلالية تجاه هذه الخطاطة، ووجود هذه الانزياحات هو الخالق للوصفات الخاصة.

من هذه المنطلقات بالذات قدمنا مجموعة من النماذج النظرية التي أولت اهتماما كبيرا للشخصية وتعاملت معها باعتبارها الأساس الذي ينبني عليه الفعل السردي، وهو أيضا الأساس الذي يقود إلى تشخيص القيم وإعادة صياغة حدودها. والجامع بين هذه التصورات هو تناولها للشخصية من زاوية ترى في هذا المحفل السردي كيانا مرتبطا بالبناء الخطابي ( الدلالي) للنص. فإذا كان الفعل السردي يخضع في وجوده واشتغاله لخطاطة كونية مسبقة، فإن خصوصيته تأتيه من الغطاء الخطابي الذي يجلله، وصياغة الشخصية جزء من هذا البناء.

وهكذا قسمنا كتابنا إلى بابين ومجموعة من الفصول. تناولنا في الباب الأول مجموعة من القضايا النظرية الخاصة ببناء الشخصية من زوايا مختلفة. فخصصنا الفصل الأول للحديث عن النموذج الذي يقدمه بروب، وناقشنا آراءه النظرية والتطبيقية وحددنا موقفه من الشخصية وموقعها داخل البناء الحكائي. وتناولنا في الفصل الثاني مفهوم الشخصية عند لوتمان. وفي هذا الفصل حاولنا أن نكشف عن العلاقة التي يقيمها لوتمان بين الشخصية من جهة والحدث والمبنى من جهة ثانية. فلا يمكن تصور شخصية دون خرق للحدود الدلالية، وهذا الخرق يشكل حدثا، والحدث ليس فعلا مجردا بل هو موقع داخل ثقافة. وقدمنا في الفصل الثالث البناء النظري الشامخ الذي جاء به گريماص، وأبرزنا من جهة الأهمية التي يوليها لبناء نموذج عاملي يُعتبر في تصوره صيغة تنظيمية مسبقة وعامة تسكن الذاكرة الثقافية للإنسانية جمعاء، فهي مستودع الأحكام وتوجيه للأفعال وتوقع لردود الفعل، كما ناقشنا من جهة ثانية تصوره للبناء الخطابي الذي يجعل من الشخصية الحامل المادي للقيم الدلالية المنتشرة في النص والمستثمرة في سلوكاتها ومواقفها.

أما في الفصل الرابع فعرضنا لتصور لا يحتفي كثيرا بالمستويات التي يقال عنها إنها سابقة على التجلي النصي كما هو الشأن عند لوتمان وگريماص، بل يرى في الشخصية كيانا مرئيا من خلال التجلي اللساني ذاته. لهذا فإن التحليل في هذا المستوى انصب على تجليات الشخصية باعتبارها دالا من جهة، أي كل ما يعود إلى البناء اللغوي: طريقة التقديم والظهور واسم العلم وإيحاءاته… وباعتبارها مدلولا، من جهة ثانية، فالشخصية، بوصفها سندا لكل التحولات التي يعرفها النص السردي، تشتغل كمجموعة من المحاور الدلالية المنتشرة داخل الكون السردي. وسيلاحظ القارئ بخصوص هذا الفصل أننا اعتمدنا بالأساس، من أجل صياغة كل الخلاصات الواردة فيه، على تصور فليب هامون. وهذا أمر طبيعي، فهامون قدم في هذا المجال مجموعة من الدراسات التي تعتبر إضافة حقيقية للسرديات.

وقدمنا في الباب الثاني دراسة تطبيقية تناولت بالتحليل رواية  “الشراع والعاصفة لـ حنا مينه. وقسمنا هذه الدراسة إلى قسمين: فصل أول تناولنا فيه بالتحليل الإكراهات التي يفرضها النسق الإيديولوجي على بناء الشخصية وصياغة قيمها وسلوكها وردود أفعالها. أما في الفصل الثاني، فتناولنا الشخصية من زاوية استناد النص إلى خطاطة عاملية تعد شكلا من أشكال البرمجة المسبقة للأدوار السردية، وهو ما يعني توقع سلوكات واستبعاد أخرى داخل الاستراتيجية السردية. وما يدعم هذه الاستراتيجية اعتماد الرواية في بنائها على حكم إيديولوجي جاهز. ولعل هذا ما دفعنا إلى الاعتقاد أن الرواية تقدم تعريفا إيديولوجيا للشخصيات، فهي إخراج سردي لمقولة إيديولوجية سابقة في الوجود على النص.