التأويل بين السميائيات والتفكيكية

ترجمات
32
0

 

مقدمة

سعيد بنكراد

نعيد نشر هذا الكتاب في طبعة ثالثة منقحة بعد أن نفدت الطبعتان الأولى والثانية. نفعل ذلك ونحن نودع رائدا من رواد السميائيات الحديثة، وأحد أكثر الأسماء عطاء وإبداعا في النصف الثاني من القرن العشرين. فقد رحل أومبيرتو إيكو عن عالمنا في 19 من فبراير 2016 تاركا وراءه إرثا معرفيا وإبداعيا شمل الكثير من التخصصات والأنواع. ولئن كان من الصعب جدا الإحاطة الشاملة بكل إسهاماته، فقد وسعت كل شيء، فإننا مع ذلك سنظل نتذكر أنه كان من الذين يعود لهم الفضل في تطوير السميائيات من داخلها، والدفع بها إلى معانقة أكثر المناطق الإنسانية إيغالا في الرمزية.

لقد كان سميائيا من طراز خاص، لم يقدم خطاطات ونماذج تحليلية ” تًهدي” الباحثين و”تدلهم” على مكامن الحقيقة في الوقائع، بل بلور رؤية للعالم تتخذ من العلامات سبيلا وحيدا إلى قول شيء ما عن حياة الإنسان في الأرض. فكانت تصوراته لكل الأنشطة الفكرية، في الإبداع والإنتاج المعرفي النظري، قائمة على فرضية وحيدة هي أن الأشكال الرمزية وحدها يمكن أن تكون منفذنا إلى معرفة ممكنات العالم الخارجي، فهي لا تكتفي بالتعيين والتسمية، بل تحتضن، فيما هو أبعد من الإحالات المرجعية المباشرة، كل ممكنات الوجود بكائناته وظواهره.

وهو ما تجسد في كتاباته الأخيرة حيث شرع، في العشرية الأخيرة من القرن العشرين، في إعادة صياغة مجموعة من الإشكالات الخاصة بقضايا تأويل النص الأدبي. وقد قدم في هذا الشأن مجموعة من الدراسات المتميزة (1) كان آخرها كتابه ” التأويل والتأويل المضاعف ( 1996)، دعامته في ذلك وزاده المعرفة الجديدة التي جاءت بها السميائيات وأشاعتها من خلال نماذجها الراقية. فقد أصبح قصد القارئ جزءا من التوليد الإبداعي وشرطا من شروط الحديث عن المعنى في النص.

والذين صحبوا هذا الباحث في رحلته الفكرية الخصبة يدركون جيدا أن هذه الصياغة تعود في أصولها الأولى والأساسية إلى التراث الذي خلفه السميائي الأمريكي تشارل . سنديرس . بورس وخاصة ما يتعلق منه بسيرورة إنتاج الدلالة واشتغال العلامات. فـ”المتناهي” و”اللامتناهي” و”النمو اللولبي للعلامة” و”حركية الفعل التدليلي” و” السميوزيس” كلها مفاهيم تقودنا إلى وضع أسئلة خاصة بحجم التأويل وسمكه وأبعاده وأشكاله. فقد نمضي بهذا التأويل إلى حدوده القصوى غير آبهين بأية حدود أو عوائق، وقد نحيطه بسلسلة من الحواجز والإكراهات التي نرى فيها دليلا على أننا “فهمنا” ما تود العلامة قوله. وفي هذه الحالة كما في تلك، فما يظل ثابتا هو ضرورة التأويل وأهميته.

وفي هذه المحاضرات يعود إيكو- استنادا إلى كل ما قاله في “حدود التأويل”- ليعيد صياغة قضايا التأويل مركزا على معطيات تطبيقية عرفت بانتمائها إلى ما يطلق عليه بالتفكيكية أو التأويل المضاعف، و أخرى تدرج نفسها ضمن ما يطلق عليه إيكو السميوز التأويلية. وحول هذين التصورين تتمحور كل القضايا النظرية والتطبيقية الواردة في هذا الكتاب وإليها أيضا تستند مقترحاته الجديدة.

ينطلق إيكو، في معالجته لقضايا التأويل، من تصور بالغ الأصالة والعمق. تصور يرى في التأويل وأشكاله صياغات جديدة لقضايا فلسفية ومعرفية موغلة في القدم. فمجمل التصورات التأويلية التي عرفها قرننا هذا لا تفسر إلا بموقعها من” الحقيقة”، كما تصورها الإنسان وعاشها وصاغ حدودها أحيانا في شكل قواعد منطقية صارمة، وأحيانا أخرى في شكل إشراقات صوفية واستبطانية لا ترى في المرئي والظاهر سوى نسخ لأصل لا يدركه الحس العادي ولا تراه الأبصار. فـ “التطرف” أو”الاعتدال” في التأويل لا يفسران بما يقال في النص أو حوله، بل يجب البحث عن تفسير لهما فيما هو أعم وأشمل. يتعلق الأمر بالعودة إلى وقائع لها علاقة بموقف الإنسان من العالم والله والحقيقة والمعرفة وبناء الحضارات وتأسيس المدن وتعيين العواصم وتخوم الأمبراطوريات وتعدد اللغات والثقافات.

ومن أجل ذلك يقودنا إيكو في رحلة فكرية داخل دهاليز التاريخ والأساطير والفلسفة والمنطق والحركات الصوفية والباطنية، بحثا عن جذور خفية لكل أشكال التأويل التي مورست وتُمارس حاليا على النصوص، ليقف عند حالتين يرى فيهما أرقى شكلين عرفهما التأويل من حيث المردودية والعمق والتداول :

– حالة أولى يكون فيها التأويل محكوما بمرجعياته وحدوده وقوانينه وضوابطه الذاتية. فالتأويل وفق هذه الصياغة يتشكل من سلسلة قد تبدو، من خلال المنطق الظاهري للإحالات، أنها لا متناهية. فكل علامة تحيل على علامة أخرى وفق مبدإ المتصل الذي يحكم الكون الإنساني. إلا أن ما يحدد اللامتناهي هو في ذات الوقت ما يقف حاجزا أمام التأويل ويخضعه لإكراهات تُدرجه ضمن كون متناهي. فمادام الكون يقتضي، لكي يدرك، مفصلة يمثل من خلالها باعتباره كيانات خاصة ( لا وجود لكيانات مطلقة حسب تعبير بورس )، فإن هذه الحواجز والحدود تقلص من حجم السميوز وتفرض عليها غايات بعينها. ولسنا هنا – حسب هذا التصور- أمام كبت أوكبح لجماح قوة دلالية لا تعرف التوقف، بل نحن أمام فعل ينمو ويكشف عن نفسه داخل السياقات الخاصة ( لا يتعلق الأمر بـ “نهاية” بل بتفضيل مدلول على آخر). والخلاصة أن التأويل ليس فعلا مطلقا، بل هو رسم لخارطة تتحكم فيها الفرضيات الخاصة بالقراءة، وهي فرضيات تسقط، انطلاقا من معطيات النص، مسيرات تأويلية تطمئن إليها الذات المتلقية.

– حالة ثانية يدخل فيها التأويل متاهات لا تحكمها أية غاية، فالنص نسيج من المرجعيات المتداخلة فيما بينها دون ضابط ولا رقيب، ولا يحد من جبرورتها أي سلطان. فهذه المتاهة تدرج التأويل ضمن كل المسيرات الدلالية الممكنة، وضمن كل السياقات التي يتيحها الكون الإنساني باعتباره يشكل كلا متصلا لا تحتويه الفواصل والحدود. فالتأويل من هذه الزاوية لا يروم الوصول إلى غاية بعينها، فغايته الوحيدة هي الإحالات ذاتها. فاللذة – كل اللذة- هي أن لا يتوقف النص عن الإحالات وألا ينتهي عند دلالة بعينها. فمادام النص توليفا لأسنن بالغة التنوع والتعدد، فلا وجود لأية ضفة قادرة على استيعاب مخلفات سلسلة التأويلات هاته. فالبحث عن عمق تأويلي يشكل وحدة كلية تنتهي إليها كل الدلالات سيظل حلما جميلا من أجله ستستمر مغامرة التأويل، حتى وإن كان الوصول إلى هذه الوحدة أمرا مستحيلا.

وضمن إطار الفلسفة والتاريخ والسياسة يمكن أن ندرج النموذجين معا. فالأول موجود في حدود أنه متناهي، والثاني قابل للاشتغال لأنه لامتناهي. وعلى أساس مبدأ “المتناهي” أو” اللامتناهي” يقدم إيكو ما يسند النموذج التأويلي الأول وما يسند النموذج التأويلي الثاني.

يرد إيكو النموذج الأول إلى أصول حضارية تمتزج داخلها السياسة بالمنطق والتاريخ. فالحدود هي أصل البناء : بناء المدينة وتحديد تخوم الإمبراطورية وتعيين عاصمتها. فالإمبراطورية موجودة لأن هناك حدودا ترسم هويتها. وإذا حدث أن انتفت هذه الحدود سقطت الإمبراطورية، ويحق آنذاك لأي كان أن يعين من المدن ما يشاء، وستكون العاصمة في أية نقطة على الأرض. وتلك كانت الأسطورة المؤسسة لروما : سيقتل روميليس أخاه لأنه لم يحترم الخط الذي خطه على الأرض، وسيصبح هوراس بطلا  لأنه منع العدو من اقتحام خطوط الدفاع، وسيحرم اجتياز “الريبيكون” على جنرالات روما إلا بإذن من مجلس الشيوخ، لأنه يرسم حدود روما ويفصلها عما يوجد بعدها. ولقد تاه أوليس زمنا طويلا وسط البحار والجبال والأدغال بحثا عن مغامرة أو صيد أو فريسة، ولكنه ظل طوال رحلته تلك مشدودا إلى نقطة بعينها : إيطاكيا عاصمة الملك ونهاية الرحلة وبدايتها.

إن المتناهي هو الذي يستقر على حالة بعينها ويتحدد بحدود وينتهي عند غاية. ونشوء الحضارة ورقيها استندا إلى فكرة الحدود هاته. فالمحدود في الزمان وفي المكان يحدد طبيعة الامتلاك وحجمه، تماما كما تتحدد الطمأنينة من خلال الاستقرار على مدلول بعينه. وإلى هذا التصور استندت فكرة التأويل المتناهي، أي التأويل المحكوم بغاية بعينها. فالتأويل مغامرة وإحالات محكومة بنقطة بداية ومتجهة نحو نهاية بعينها. ولا يمكن للتأويل أن يقود إلى كل المدلولات الممكنة لأن ذلك خرقا لمبادئ التفكير العقلي. ففكرة الإكراهات المنطقية تقود إلى تضمين التأويل غايات دلالية، وتقوم في الوقت نفسه بإقصاء أخرى. أما لانهائية التأويل فلن تقود إلا إلى تدمير المبادئ التي قامت عليها العقلانية الغربية ( “مبدأ الهوية”، “مبدأ عدم التناقض”، “مبدأ الثالث المرفوع”). فأن يكون التأويل لامتناهيا معناه أن كل الأفكار صحيحة حتى ولو تناقضت فيما بينها، وكل الإحالات ممكنة حتى ولو أدت إلى إنتاج مدلولات عبثية، وهذا أمر  يتناقض مع المبادئ المؤسسة للعقلانية الغربية وقد يؤدي إلى تدميرها.

وعلى النقيض من ذلك، فقد استند النموذج التأويلي الثاني إلى فكرة اللامتناهي. فالإحالات حرة وعفوية ولا تحكمها أية غاية ولا تسير نحو أي مدلول بعينه. فـ “اللاتناهي هو الذي لا يملك حدودا” ولا تحكمه نقطة نهائية ولا يخضع لغاية. ويجد إيكو لهذا النموذج أصولا في تيارين فكريين بارزين : الهرمسية والغنوصية، وكلاهما نما وترعرع على هامش العقلانية الغربية وضد مبادئها.

فلقد تحول النوس Noùs  (2) الذي كان على عهد أرسطو عقلا يمكن من التعرف على الجواهر إلى ملكة للحدس الصوفي. لقد تم التخلي عن العقل ومقتضياته ليتم تسليم الأمور إلى ما يَهدي إليه الحدس : انكفأت الأشياء على نفسها ولم تعد تقاس بأسبابها، فكل الأسباب ممكنة ما دامت “السلاسل الزمنية نفسها قد غيرت من منطقها، فقد يسبق اللاحق السابق وقد يأتي الـ “مابعد” قبل الـ “ماقبل “”. لقد كانت الهرمسية – مثلها في ذلك مثل الغنوصية – تبحث عن “حقيقة لاتعرف عنها أي شيء، وكل ما تملك للوصول إلى ذلك هو الكتب. فكل كتاب كان عندها يشتمل على جزء من الحقيقة حتى ولو تناقضت هذه الكتب فيما بينها”. وهذا ممكن لأن اللغة لا تشتمل إلا على المجازات، فهي تبدي عكس ما تخفي، فبقدر ما تكون غامضة ومتعددة، بقدر ما تكون غنية بالرموز والاستعارات. إن الحقيقة الكلية والشاملة والمطلقة ملكية للواحد المتعالي الذي يدرك ما يوجد فوق وما يوجد تحت، أي ما يوجد في الأرض كشظايا لحقيقة تقود إليها كل الإحالات والمدلولات.

إن الهرمسية – مثلها في ذلك مثل الغنوصية – كانت تستند إلى فكرة السر وتمجده. فكل كلمة وكل جملة ليست سوى سر يحيل على سر آخر، وكلما اقتربنا من هذا السر وجدنا أنفسنا أمام سر يحتاج إلى سر آخر، و” الأغبياء وحدهم هم الذين ينهون السيرورة قائلين : لقد فهمنا”. ” فالشيء الصحيح هو الذي لا يمكن شرحه”.

يقود كل هذا إلى القول بأن التأويل غير محدود، ولا يمكن اختصاره في دلالة بعينها، وكل محاولة للوصول إلى دلالة قد نتوهم أنها نهائية لن يقود إلا إلى الانحدار إلى متاهات لا حصر لها ولا عد.

إن هذه المتاهة الممتدة الجذور في التاريخ الفلسفي والتقليد الهرموسي والحركات الصوفية تجد ضالتها الآن فيما تقدمه التفكيكية من نماذج تأويلية وتصورات نظرية. وإلى فكرة “الحقيقة الغائبة المستعصية على الإدراك” استندت ثنائيات مثل “الحضور والغياب” و” المتحقق والضمني” و” المرئي وظلاله”. ويكتفي إيكو في هذا المقال بالإحالة على جاك دريدا باعتباره أبرز من يمثل هذا التيار، كما قدم نماذج تحليلية لكل من هارتمان وروسيتي.

ويأتي النموذج الثاني في شكل قراءات لا تُلغي التعدد ولا ترفضه، ولكنها تجعله سيرورة منتهية. فالتعدد أمر وارد وتفرضه الحاجات الإنسانية المتنوعة، أما اللامتناهي فيفصل الشيء عن أصله ويفصل النص عن لغته ويفصل الذات عن موضوعها. وبناء عليه، فإن القول بأن التأويل هو نتاج سلسلة من الأسنن المتنوعة والمستقلة لا يعطي الذات المتلقية الحق في استعمال النصوص في جميع الاتجاهات تحقيقا لأغراض تخرج عن طبيعة التأويل ذاته وقواعده. وتلك هي الخلاصة الرئيسة التي يخرج بها إيكو بعد سلسلة من المناقشات الغنية بالإحالات والآراء المتنوعة.

تلك بعض التصورات الرئيسة الواردة في الكتاب الذي نقدم ترجمته إلى العربية. وهو في الأصل عبارة عن محاضرات كان أيكو قد ألقاها في جامعة يال سنة 1992بالولايات المتحدة، وقامت دار “المطبوعات الجامعية الفرنسية” (P U F ) بنشره سنة 1996. وإغناء لهذا الجدل الفكري الثري أضفنا إلى هذه المحاضرات مقالين مأخوذين من كتابه السابق ” حدود التأويل ” ( “التأويل بين بورس ودريدا” و “الاستعارة والتأويل) لارتباطهما الوثيق بما جاء في المحاضرات من حيث المضمون والصياغة والتصور النظري. كما ضمنا الكتاب مقالا لجناتان كالر ( أحد ممثلي التفكيكية في الولايات المتحدة الأمريكية) يرد فيه على مجمل ما ورد في كتاب إيكو. والمقال يتضمنه الكتاب الذي قمنا بترجمته.

إن الكثافة الفكرية للنصوص وسمكها تفرضان على القارئ العودة باستمرار إلى تصورات مختلفة لفهم مضمون المقالات واستيعاب أبعادها التحليلية والنظرية. فهي مليئة بالإحالات على مفاهيم وتصورات تحتاج إلى ضبط وتحديد لفهم السياق الخاص الذي توظف ضمنه هذه المفاهيم. ولهذا السبب، ذيلنا المقالات بهوامش نشرح فيها مضمون مجموعة من المفاهيم الواردة في النصوص مع الإحالات على جذورها الفلسفية وعلى موقعها داخل نظريات بعينها.

 

  

——-

 

1- نخص بالذكر كتابيه

 

– Lector in Fabula

 

– Les limites de l’interprétation

 

2- انظر الفصل الأول من هذا الكتاب ” التأويل والتاريخ”