بين الرواية والسينما

مقالات
18
0

 

سعيد بنگراد

تقوم الروابط بين الرواية والسينما على ما يفصل بين المساحات التي تستثيرها اللغة في ذاكرة القارئ، وبين تلك التي تعرضها العين على المشاهد/ الرائي. فما تقوم الصورة بتمثيله ليس معادلا استنساخيا للعوالم المادية أو لتلك التي تبنيها اللغة، إنها في الحالتين معا مضاف بصري إلى الممثل فيهما. وذاك ما يميز اللغة عن الصورة؛ إن اللغة خطية ممتدة في الزمان، أما الصورة فإمساك فضائي بالأشياء والكائنات. فقد تكون الصورة تمثيلا بصريا لعالم موجود في كائناته وأشيائه، ولكنها ليست رديفا أمينا له، إنها وسيط بين مادية هذا العالم وبين معناه في الذهن، وهي بذلك سبيل الوعي إلى الانفتاح على ما يوجد خارجه.

وهو ما يعني أن هناك تفاوتا بين العوالم التي نُبصر فيها وبين تلك التي نتكلم فيها ( ريجيس دوبري). إنه الفاصل أيضا بين ما تقوله الرواية لفظا وبين ما تعيد السينما صياغته في البصري. فالعين هي التي ترى، ولكن المفاهيم هي التي تمنح ما تراه وجودا دائما يتجسد في رموز تحل محله. فلا حقيقة في الصورة سوى الحقيقة التي تُبنى بشكل مسبق في خطاطة إدراكية، هي الضابط للحدود الفاصلة والرابطة في الوقت ذاته بين تجربة التمثيل البصري وبين وجود الممثل في الواقع.

وهذا أمر بيِّن، فالصورة واللغة تندرجان ضمن نشاطين ذهنيين مختلفين: ما يُصنف ضمن “الإدراك الحسي”، فهذا النشاط يشترط وجود موضوع تستوعبه العين باعتبار “حقيقته”، لا باعتبار عناصر الوهم أو التضليل فيه، حينها نكون أمام كل الصور التي تسعى إلى الارتباط بموضوع تمثيلها إلى حد التشابه أو الإحالة على ما يوهم بالتطابق المطلق معه، كما هو الشأن مع كل الصور التي نتداولها عن أنفسنا وأصدقائنا وعن الطبيعة والأشياء والكائنات. ستكون الصورة في هذه الحالة وثيقة الصلة بكل الانطباعات التي تأتيها عن طريق الإبصار. بعبارة أخرى، إن الإدراك الحسي أسير موضوعاته، فالعين التي ترى لا تستطيع فكاكا من الأشياء الموضوعة للرؤية.

وهناك ما يُصنف ضمن “التمثُّل”، ويتعلق الأمر بعملية لا تكترث للأصل المادي في التمثيل؛ إنها على العكس من ذلك، تشترط غياب الموضوع لكي تُنتج صورا متغيرة ومطاطية ودائمة التحول. فما يحضر في المخيلة ليس موضوعا فعليا، بل مجمل صوره الممكنة، الحقيقية منها والوهمية، كما خزنتها ذاكرة لا تلتزم دائما بحقيقة ما يتسرب إليها؛ فالتخزين يتم في العادة وفق مصفاة تُمليها أهواء الذات وتقلباتها، أي أنها تنتقي صورا تستجيب لحاجات متغيرة في الزمان وفي المكان. وفي هذه الحالة، فإن الصورة لا تكتفي بنسخ الواقع، بل تُسرب إليه كل أشكال القلق التي رافقت الإنسان على الأرض. وبذلك تكون التجربة التي يستحضرها التمثل أغنى من التجربة الحقيقية.

بعبارة أخرى، يقتضي إدراك العالم واستحضاره في الذاكرة وجود سيرورتين مختلفتين ومتكاملتين: سيرورة مفهومية هي التي تقدم تعريفا للشيء كما يتحقق في اللغة التي يتشكل من خلالها مضمون ما يتم تمثيله في الذهن ( التعريف الذي نقدمه لكلمة ما مثلا). وسيرورة أيقونية تقوم على الربط بين مجمل النسخ التي تشكل في مجموعها خطاطة عامة (أو بنية إدراكية حسب مصطلحية أومبيرتو إيكو) هي ما تحتفظ به الذاكرة واستنادا إليه نتعرف على الموجودات الفعلية، ما يشبه “السنن الأيقوني” الذي يقوم بالربط بين علامة غْرافية وبين مدلول إدراكي. وهذا الربط هو الذي يُسند التعرف على العالم ويمنح الإنسان القدرة على تعقل الكون وتأويله.

فما بين حقيقة الأشياء في الواقع وبين حقيقتها في الصورة هناك رؤية أخرى تخلق عالما لا يزدهر إلا في المخيلة، وتلك هي مادة التخييل والأساس الذي يقوم عليه الإبداع. يقال ” إن أزهار ليني  Linné لا تشبه إلا قليلا أزهار اللسان”، وليست تلك حقيقتها في الصورة أيضا ( وليني هذا هو عالم طبيعة سويسري من القرن الخامس عشر). والمراد من هذا أن الزهرة في الذاكرة ليست محاكاة لزهرة موجودة في الواقع، إنها القيمة التي تحيل عليها كل الزهور. لذلك لن تكون التجربة الأولية هي أصل المضامين، بل موقع الأشياء التي يتم تمثيلها في التجربة الإنسانية. فنحن لا نرى ولا نبتهج برؤية الأشياء كما هي، بل نستحضر ذكرياتنا معها.

إن هذه الصور لا تسكن العين، فالعين لا تراها، بل تعشش في الوجدان وتمده بما يقلقه أو يريحه أو يوسع من مدى المتخيل عنده. فعندما تختفي الشجرة الماثلة أمامنا، يبدأ نشاط من طبيعة أخرى. إننا لا نستحضر الشجرة الفعلية، بل نستحضر تجربتنا نحن مع هذه الشجرة وفق ما يحيل عليه المخزون الرمزي في حياتنا. وبذلك تكون الشجرة الثانية أغنى بكثير من الشجرة الأولى وأطول عمرا منها أيضا. وفي جميع الحالات، فإن ما يميز الصور، ضمن هذا النشاط التمثلي، هو تحولاتها الدائمة. إنها ليست معطى ثابتا في الذاكرة، بل هي غطاء لانفعالات الذات وتقلباتها.

وضمن إواليات الإدراك هاته يمكن تصور العلاقة المركبة بين الرواية والسينما. وهو أمر تكشف عنه عملية نقل رواية ما إلى فيلم. إن إكراهات اللغة في الرواية تفرض علي السارد سيرورة خاصة في تقديم شخصياته مثلا، إنه يسرب بالتتابع واجهات تراكم لحظات هي ما يشكل معناها الكلي. وعلى العكس من ذلك، ما يتم في السينما، إن الشخصية معطاة بشكل كلي دفعة واحدة. بعبارة أخرى، لا تحضر الشخصية في المكتوب باعتبارها موضوعا قابلا للإدراك، بل ترسم حدود شحنة دلالية هي وجهه المشخص.

تقترح الرواية شخصية تنمو بالتتابع في مخيلة القارئ، وهي بذلك متعددة الواجهات النفسية والسلوكية، إنها قد تكون ممتلئة من حيث الصفات ومن حيث انتماؤها القيمي والإيديولوجي، وقد تكون محددة بفضاء بعينه، إلا أنها تظل مع ذلك متطورة في وعي القراء وتنوعهم، إنها تكبر معهم وتتغير ملامحها مع تطور الوعي عند كل قارئ. ولكنها حين تتحول إلى فيلم، فإنها تفقد هذا الغنى وتفرض على القراء واجهة واحدة يتم التعرف عليها من خلال ممثل فرد لا يمكن أن يغير من ملامحه أو صفاته الخارجية. حينها لن يكون معدلا لكل الصور الذهنية الممكنة التي تحيل عليها الشخصية في اللغة، بل صورة واحدة منها.

لذلك تبدو الشخصية “المكتوبة” أغنى بكثير من الشخصية “المصورة”، لأن الممثَّل في اللغة قابل للتكيف مع وجدان القراء واختلافهم في السن والمستوى الثقافي. بعبارة أخرى، إن الشخصية في المكتوب تكبر مع القارئ وتغتني بتجاربه، في حين تظل الصورة واحدة في الفيلم، لأنها تتجسد في ممثل لا يمكن أن يكون إلا ما تلتقطه العين باعتباره حقيقة منتهية في الزمان وفي المكان. فعندما يتجسد المكتوب في سند بصري، يفقد جزءا من ممكناته في الذاكرة ( لن تستطيع كل الصيغ التصويرية التي نقلت ثلاثية نجيب محفوظ إلى التلفزيون أو السينما تقديم صورة عن أحمد عبد الجواد يمكن أن توازي تلك التي انتشرت في وجدان الناس من خلال اللغة).

وهو ما يعني أن المفاهيم تهذب وتُعمم التجارب وتضعها للتداول في انفصال عن الحالات الخاصة؛ أما الصورة، فمرتبطة بالتجربة التي تقوم بتمثيلها وتُشخصها ضمن شحنة انفعالية مخصوصة، إنها تَعرض خصائص وصِفات وحالات، كما يمكن أن تنظر إليها العين، لا كما يمكن أن تفكر فيها الكلمات