صدمة الولادة

مقالات
17
0

سعيد بنگراد

يُنظر عادة إلى لحظة الولادة باعتبارها إعلانا عن حياة جديدة تكون مصدر فرح وترحيب بمولود موعود بحياة سعيدة أو شقية ضمن عمر افتراضي محدود في الزمان وفي المكان. ولكنها ليست كذلك في التحليل النفسي، أو عند بعض منظريه على الأقل. فقد اعتبرها أوتو رانك (  Otto Rank 1884-1939)، وهو فيلسوف نفساني وأحد أتباع فروود وأشدهم ارتباطا به، بداية قلق لن يتخلص منه الإنسان إلا بالعودة من جديد إلى الرحم الأخير، جوف الأرض. يتعلق الأمر بمفهوم فلسفي ظهر في الثلاثينيات من القرن الماضي* اعتبر صاحبه هذه الولادة “صدمة” هي أصل كل ما سيصدر عن الفرد راشدا.

واستنادا إلى ” صدمة الولادة” هاته سيعيد النظر في الكثير من التصورات التي كانت تعتبر السلوك الإنساني إما فعلا واعيا يحتكم إلى عقل لا يخطئ غاياته، وإما برمجة مسبقة يتحكم فيها الاعتقاد المسبق والتنشئة الاجتماعية، أو هو حاصل لاشعور نظر إليه فروود ومريدوه باعتباره فضاء نفسيا واسعا يوجد خارج الشعور وخارج رقابته الواعية، وهو المسؤول عن جزء كبير مما لا يقوله الناس جهارا. فكل شيء، في تصور هذا المحلل النفساني، يبدأ في حياة الإنسان من لحظة الولادة. “فقلق الولادة هو مصدر كل أشكال القلق اللاحقة عند الإنسان” (أوتو رانك)، بل إن كل أشكال عُصابه ليست سوى تعبير عن رغبته في العودة إلى اللحظة السابقة عن الولادة، وهي حاصل صدمتها في الوقت ذاته.

ولم تكن هذه الفكرة غريبة عما كان يتداوله النفسانيون في تلك المرحلة، فقد أشار فروود نفسه إلى ما يشبه هذه الصدمة حين تحدث في كتابه “تأويل ألأحلام” عن ” الولادة باعتبارها التباشير الأولى في تجربة القلق عند الإنسان، بل هي مصدره الأصلي الذي سيرافقه طوال حياته”. ومع ذلك، فإن ما شكل ملاحظة عابرة عند فروود سيصبح أساسا لنظرية قائمة الذات سيعمل أوتو رانك على تطويرها وإذاعتها بين الناس، وستكون هي سبب القطيعة بين الأستاذ وتلميذه أيضا. فتاريخ البشرية كله مودع، في تصوره، في هذه اللحظة. فالغاية من الفن والأسطورة والدين والحكايات ليست حافزا برانيا يستنفر سلوكنا، بل هي سبيل الإنسان نحو استعادة ما ضيَّعه وهو يأتي إلى الحياة عاريا إلا من أحاسيس مصدرها دفء الرحم وسكينته.

فما هي حقيقة هذه الصدمة؟ يعتقد أوتو رانك أن الإنسان يقضي فترة من حياته وهو جنين في بطن أمه خارج كل الإكراهات. فهو محمي من العسف والقهر والعنف الخارجي، يُؤتى بما يشاء دون طلب أو تعب أو عناء. يتعلق الأمر في هذه المرحلة بانصهار كلي في ملكوت الأم جسدا وروحا. فليس هناك من فاصل بينهما، فهو فيها ومنها وإليها يعود، وسيستبطن ذلك في لا شعوره في شكل أحاسيس أولية وغامضة ستتبلور ضمنها مجمل رغباته. وفجأة يُقذف به خارج هذا النعيم الشامل ليواجه وحيدا عالما شرسا بلا معين بعيدا عن رحم الأم وحمايتها. تشكل هذه التجربة صدمة قوية هي في واقع الأمر قطيعة بين فضاءين لا رابط بينهما في العيش والوجدان. يتلقى الطفل عزاءه الأول من الزغرودة التي تعلن عن ولادته: “هل صرخة الرضيع الأولى هي تعبير عن الفرح المخلص، أم هي اختناق السمكة الخارجة من الماء” ، كما يقول كريماص، وهو يتحدث عن الأهواء.

وقد يستطيع عقله لاحقا نسيان هذا كله، ولكن وجدانه سيظل يحتفظ بهذا “الجرح”، وهو الذي سيتحكم في جزء كبير من مواقفه وممارساته، بل وفي رغباته أيضا. لذلك لن يكون سعي الإنسان في الأرض سوى محاولة لاستعادة هذا الفردوس المفقود. يُصنف ضمن ذلك سلوكه ومنتجاته وردود أفعاله، بل وأساطيره التي أرخت لعلاقات رفضها العقل وأدانها المجتمع، ولكنها كانت تعبر عن بقايا حنين المرء إلى هذه اللحظة (أسطورة أوديب مثلا)، بل إن الإحساس بوجود فاصل بين الأنا وما يوجد خارجها (الغيرية) ليس سوى وعي بالإحساس الأول بانفصال جسد المرء عن جسد أمه ( تصارع حكومات العالم حاليا، في زمن جائحة كورونا، من أجل إقناع الناس بالتباعد الجسدي، وفشلت في ذلك، لأن الإنسان يبحث عن الدفء عند غيره) .

وهكذا، “سيظل الطفل يبحث في نفسه عن ذكرى إقامته الأولى في بطن أمه. وهي ذكرى يصعب تحديد مضمونها بسبب الإهمال الكبير الذي طالها ” (أوتو رانك)، ” فكل الأسئلة التي يطرحها الطفل عن الجنس وعن الطريقة التي تسلل من خلالها إلى بطن أمه ليست في نهاية الأمر سوى رغبة في العودة من حيث جاء، كما يعود طائر اللقلاق أبدا إلى عشه الأصلي” (أوتورانك). وعندما يكبر سينتهي بالقبول بوضعه الجديد خارج ” الموطن الأصلي” لكي يُصَرف هذه الصدمة في ممارسات ورغبات وأعمال، بل في خلق معادلات رمزية تتشخص فيها هذه الرغبة لكي تغطي على مصدرها.

ولهذا السبب لن يكون غريبا أن يعتقد البعض أن مجهودات الإنسان كلها التي تلي الولادة لا يمكن استيعابها إلا من خلال استحضار تفاصيل هذه اللحظة، وذاك ما تكشف عنه الكثير من السلوكات “الفطرية” عند الإنسان، بما فيها وضعية النوم عنده حين يجمع المرء رجليه ويضع يديه تحت رأسه، فذاك ليس سوى حنين إلى استعادة وضع الجنين في بطن الأم، أو ما يعبر عنه الخوف الذي يدفعنا إلى البحث عن غار أو كهف أو مغارة هربا من خطر يهددنا. وهي أيضا مصدر البحث عن الأصول ومعرفة الأم الحقيقية، وبلدة المنشأ ومراتع الصبا، فحنينه دائما إلى أول قلب أو أول منزل.

وقد يدخل ضمن ذلك حب الوطن نفسه. فقد يبدو هذا الحب فطريا أو نتاج جبلية في السلوك الإنساني، ينمو ويكبر بالتربية على المواطنة. ولكنه قد يكون أيضا مرادفا لذكرى العيش الجنيني السابق. ففي جميع هذه الحالات سيظل الوطن أقرب الفضاءات إلى النفس وأشدها ارتباطا بالذاكرة والطفولة والانتماء إلى الحياة داخل محيط ألفته العين واستكانت إليه. فقد يسافر الإنسان إلى أقاصي الدنيا لكن حنينه سيظل دائما إلى “مسقط الرأس”، إنه مرتبط بوطن هو مآله ونهايته، وهو مصدر رغبته في العودة إلى الحضن الأول، بما فيها رغبته في أن يدفن في أرضه الأولى، مدينته أو قريته.

وهو أمر تؤكده تفاصيل هذا الارتباط نفسه، فالإنسان يعود إلى الوطن، ولكنه بمجرد ما تطأ قدماه أرضه سيبحث عن مدينته وفيها سيبحث عن حيه وفي الحي يقتفي آثار منزله القديم، وربما يعثر عليه ويبحث داخله عن غرفته وعن بقايا أشياء لا تريد أن تختفي من ذاكرته. ولم يقم أبو تمام، وهو يتغنى بأول حب وأول منزل، في البيتين الشهيرين سوى بالتعبير عن هذه الرغبة. لقد استحال على الإنسان العودة من حيث جاء، فمثَّل هذه العودة في وطن ومنازل، بل إن حبيبته ليست سوى تعبير مجازي عن عشقه الأول لأم منها جاء. ولن تكون الجنة نفسها سوى فضاء مجازي هو رحم الأم الذي احتضن لحظات الحياة الأولى.

ووفق هذا التصور، لن تكون هذه “الصدمة” سوى استعارة شاملة تلخص في مضمونها المجرد قلق الإنسان وخوفه من المرض والموت والفشل والإحباطات الاجتماعية والسياسية. وبذلك لن تكون عودة الإنسان إلى أرض الأجداد في واقع الأمر سوى عودة مستحلية إلى رحم الأم.

 

—–

*-صدر كتابه ” صدمة الولادة” ( Le traumatisme de la naissance)  سنة 1924.