حوار

حوارات
15
0

حوار مع سعيد بنكراد

الأحداث المغربية 12-8-2020

 

أجرى الحوار : عبد العالي الدمياني

 

 

– يؤكد كتابك الجديد «العربية ورهانات التدريج» على الفرق الجوهري بين لغة المكتوب ولغة الشفاهة، أو بين لغة معيارية لها ذاكرة نصوصية ممتدة في الزمان والمكان ولغة دارجة بدون قواعد وسريعة التحول تنهض بوظيفة تواصلية نفعية،  إلى أي حد يمكن الحديث عن تقابل إن لم يكن ثمة تعارض بينهما كما يتم الترويج له من قبل الفرنكوفونيين وما صار يعرف بالتيار الدارجوفوني؟

-شكرا السي عبد العالي على استضافتي على صفحتك الثقافية في جريدة الأحداث المغربية. في واقع الأمر أنا لم أتحدث في هذا الكتاب عن الدارجة باعتبارها قضية مستقلة، وإنما تحدثت عن دعوات التدريج التي يُراد بها إقصاء العربية المعيارية من فضاءات التدريس ووسائل الإعلام والفضاء العمومي، فالدارجة في نظر هؤلاء الدعاة قادرة على القيام بأكثر مما تقوم به المعيارية. وهي دعوة فاسدة لأنها قائمة على تقابل فاسد من أساسه. هناك في جميع اللغات تفاوت بين اللغة المكتوبة وبين الحديث الشفاهي اليومي ( لن نتوقف عند درجة هذا التفاوت وطبيعته). وهو تفاوت يعود إلى مبدأ الاقتصاد الذي يسمح للمتكلم باختصار بعض الحروف أو إهمالها ويسمح له بعدم التقيد الصارم بالحركات الإعرابية. وهذا أمر مقبول. وبالتالي لا وجود لتعارض بين المعيارية والعامية، فالجزء الكبير من وحدات العامية مستعار من المعيارية.

ذلك أن التفاوت بينهما ليس بنيويا يعود إلى تباين في سيرورة التقطيع والمفهمة، كما يوهم البعض بذلك، بل يعود في جزء كبير منه إلى خصاص حضاري، هناك نسبة هامة من الشعب لا تعرف أية لغة سوى الدارجة، أي أمية، لذلك لا تُعد هذه اللغة عندها  اختيارا بل هي المتاح الوحيد الذي تملكه، وتطور التعليم وانتشاره سيقلص من الفجوة بين المعيارية ودارجتها كما هو الحال في كل اللغات.

وقد قدمت في هذا المجال الكثير من الشواهد على تهافت التدريج. فالطفل لا يلج المدرسة ليتعلم كلمات تنتمي إلى محيطه، فذاك فضاء مألوف لديه، إنه يحضر في عينيه كما يأتيه من أمه ومن محيطه المباشر، بل يفعل ذلك لكي ينتمي إلى المؤسسات ، الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، التي تعد اللغة داخلها هي الضابط استقبالا لسلوكه ووجدانه وانتماءاته في الدين والأخلاق والحكم على الأشياء. إنها ممره الضروري نحو الانتماء إلى نظام قيمي يشمل كل شيء في حياته. فالطفل يتعلم اللغة الشفهية بشكل “عفوي”، أما اللغة المكتوبة فتقتضي تلقينا يدفعه إلى التفكير في اللغة التي يتعلمها. وذاك هو السبيل إلى تعلم الانتماء إلى النظام الحياتي العام والانتماء إلى الدولة، أي الحاضن الذي تتحدد داخله الهوية الوطنية، فسيرورة تعلم اللغة هو جزء من سيرورة بناء الهوية الثقافية.

وهذا لا يعني دعوة إلى إقصاء الدارجة من الفضاء العمومي، فهذا أمر لا يقوله إنسان عاقل، فجزء كبير من الشأن اليومي يتحقق من خلال هذه العامية، سواء بصيغته المنحطة كما يمارسها المهمشون والتلاميذ على جنبات المدارس، أو كما يمارسها المتعلمون في المقاهي، أي في صيغتها الراقية التي تأخذ من المعيارية كل شيء المفردات والمفاهيم والصيغ الجاهزة.

 

– بعيدا عن دعوى التعارض بين العربية والعامية هل يمكن الحديث عن تكامل للأدوار بين لغة الضاد والدوارج سواء المتحدرة منها أو المختلفة عنها مثل الأمازيغية والشلحة والريفية؟

-هذا موضوع آخر، فالأمازيغية لغة مستقلة عن العربية. إنها لغة تتمتع بقواعدها وتركيبها ونظامها الصرفي والصوتي لا يشبه نظام اللغة العربية. لقد استعارت الأمازيغية الكثير من الكلمات من العربية ولكنها في الغالب أعادت صياغتها ضمن نظامها الصوتي فأصبحت كلمات أمازيغية لا ننتبه في الكثير من الحالات إلى أصولها، وهذا أمر طبيعي،  فالعربية فعلت ذلك أيضا واستوعبت الكثير من الوحدات التي جاءتها من لغات أخرى، وهذه هي حياة اللغات. بل إن المتكلم الأمازيغي السليقي قد لا يحتاج إلى أي لغة أخرى لكي يمارس حياته بكامل قوتها. ولكن الأمازيغية في وضعها الحالي بعتادها المفهومي غير قادرة على أن تكون أداة لإنتاج معرفة. وهذا أمر يعرفه جيدا الباحثون في ميدان الأمازيغية.

وعلى عكس ذلك ما تقدمه العلاقة بين العامية والمعيارية، فالانتقال من هذه إلى تلك يتم بشكل سلس ( انتشرت مجموعة من الكلمات العربية عند العامة أيام الكورونا ، فالكل بدأ يتحدث عن معقم وعن التعقيم ووضع الكمامات) . فالتكامل الذي تتحدث عنه ممكن بل ضروري لأن العربية ملك للجميع وأبناؤها هم كل المغاربة والذين يدافعون عن الأمازيغية في المغرب يفعلون ذلك بالعربية بل والذين يهاجمون العربية يفعلون ذلك بالعربية أيضا. وقد قرأت مرة مقالا جميلا حاول فيه صاحبه إثبات أن اللغة العربية غير عقلانية وغير منطقية وقد استعان في حجاجه هذا بكل عناصر العقلانية والبرهنة المنطقية التي تتوفرعليها العربية.

– اعتبرت أن الدعوة إلى التدريج عمل يدخل «ضمن حملة شرسة شاملة تستهدف الأسس التي يمكن أن تقوم عليها دولة مدنية حديثة مستقلة ترتكز على تراثها ولغتها من أجل استيعاب المتاح الحضاري المعاصر». أين تتجلى شمولية هذه الهجمة؟ وكيف تستهدف مدنية الدولة المغربية؟

ج-تتجلى في كل شيء، تتجلى أولا في الممارسة الفعلية التي أخرجت العربية من الفضاء العمومي، وكان الأمر يتعلق بقرار سياسي صريح، وتتجلى ثانيا في التدريج المتزايد للوصلات الإشهارية، وثالثا في ظهور مجموعة من الإذاعات الخاصة التي تنشر فكرا ملوثا لا يمكن أن ينتج أي شيء. فهي تحدث الناس عن أشياء بلغة لا يفهمها الطير. لا تتحدث في الغالب دارجة مغربية يمكن أن يفهمها الناس بل تستعمل لغة موزعة على الكثير من السجلات التي تجعل المستمع ينتقل من سجل إلى آخر دون أن يصل في النهاية إلى بناء إرسالية واضحة ( الفرنسية الإنجليزية كلمات من العربية ). وتتجلى أيضا في محاولة مأسسة هذه الهجمة من خلال إنشاء مؤسسات تتمتع بعطف الدولة وحمايتها، وهذا أخطر ما يمكن أن تتعرض له اللغة. فهذه المؤسسات تعمل خارج قانون البلاد وأعرافها، فقد أسست مدارس يلقن فيها للتلاميذ ضدا على توجيهات الوزارة الوصية برامج أداتها الرئيسة هي الدارجة، وهذا أمر لا يمكن أن يحدث في دولة تحترم ثوابتها. وتتجلى أيضا في محاولة إيهام الناس بوجود لغة أخرى تتمتع بقاموس خاص يمكن أن يستعمله مواطن من جنوب المغرب إذا كان في زيارة للشمال، كما قال كبيرهم في الدعوة. والأمثلة كثيرة .

 

– أشرت إلى ارتباط دعوات التلهيج والتدريج، تاريخيا، في المشرق بمآرب سياسية تروم تفكيك روابط الشعب والأمة، ويقودها أجانب من «غزاة ومستشرقين ومستعربين ونخب محلية لها مصالح مع قوى أجنبية». هل ينطبق نفس الحال على المغرب؟

-أنا لست من المروجين لنظريات المؤامرة ولا أومن بهذه النظريات أصلا، ولكن هناك وقائع غريبة تثير الانتباه حقا. فعندما كنت منهمكا في إنجاز هذا الكتاب اطلعت على العديد من الكتب التي تناولت موضوع العاميات في الفضاء الثقافي العربي. وقد استرعى انتباهي في أغلب الحالات وفي كل البلدان تقريبا أن دعاة العامية كانوا إما عسكريين من الذين احتلوا هذه البلدان وإما مستشرقين تعلموا بعض العاميات العربية وإما مواطنين ارتبطوا بمراكز أجنبية اقتصادية أو عسكرية أو سياسية. ودعاة هذه الدراجة هنا في المغرب هم أيضا في أغلبهم مواطنون يعرفون الفرنسية ويجهلون في غالب الحالات كل شيء عن العربية (يعد الكثير من الذين يكتبون بالفرنسية من كبار المدافعين عن العربية لأنهم يعرفونها ويعرفون تراثها : عبد الفتاح كيليطو عبد الله العروي نموذجين لذلك).

والأمر في اعتقادي لا يعود في الكثير من الحالات إلى مؤامرة ضد الوطن، بل هو في الأساس جهل، ومن جهل شيئا كرهه. ولكن الجهل قد يتحول مع الوقت ومع تداخل المصالح أو تناقضها إلى حقد دفين. فالاختلاف حول اللغة يتحول إلى موقف سياسي واقتصادي وإيديولوجي وربما عرقي أيضا. وهكذا تكبر الدائرة لتتخذ شكل مؤامرة لم تكن كذلك في بدايتها. فكيف يمكن لمثقف يعرف معنى اللغة ووظيفتها أن يدعو مواطنيه إلى تبني لهجة هو أول من يعرف أنها لا يمكن أن تنتج معرفة، لأنها لا تعرف نفسها فهي مكتفية بذاتها من خلال وظيفتها، والذين يتحدثون بها وحدها لا يفكرون فيها أبدا.

 

– توقفت بالتحليل عند فقر الوصلة الإشهارية بالمغرب واستهدافها المباشر للغرائز والأهواء والرغبات الاستهلاكية المحضة، هل يتعلق الأمر بلغة الإشهار، العامية التي راهن عليها الفاعل الإشهاري في «غزو» حواس ووجدان الجموع واستقطابهم نحو السلع وعالم الاستهلاك مادامت الوصلة العتمدة على الفرنسية أغنى بالإيحاءات وأرقى؟

-ليس من باب المصادفة أن يكون أكثر الناس حماسة للدارجة في الإشهار هو في الوقت ذاته صاحب وكالة إشهارية وهو أكبر المدافعين عن الدارجة في المدرسة. هذا للتذكير فقط . لا أريد أن أتوقف هنا طويلا عند الوصلة الإشهارية وبنائها في اللفظ والصورة . فهذا أمر يحتاج إلى فضل تأمل. فقط أريد التذكير بأن الإشهار لا يبيع مواد استهلاكية، بل يبيع معاني، إنه صناعة للمعنى، فلن يصبح المنتج جذابا ومغريا ومشهيا إلا من خلال خطاب يعرف كيف يقدمه إلى المستهلك، وهذا مبدأ مركزي في الدعاية الإشهارية، فداخل كل مستهلك يرقد شاعر، على الإشهاري أن يوقظه ، كما كان يقول جاك سيغيلا.

وهذا معناه أن الاستهلاك واقعة ثقافية، فنحن نتعلم كيف نأكل ونشرب، ونجلس على الطاولة وكيف نوزع الوجبات على مدار اليوم، تماما كما نتعلم كيف نؤثث البيت والمطبخ. وهذا هو الدور الذي يقوم به الإشهاري، إنه ليس وسيطا محايدا بين سلعة صامتة وبين مستهلكك خالي الذهن. إنه يعيد بناء هذه السلعة من خلال الكلمات والصور. وهذا هو مصدر الاعتراض على إغراق اللوحات والوصلات التلفزية بدارجة فجة بلا عمق. إن الوكالات تتوجه إلى المواطنين بلغة تخاطب حسهم بشكل مباشر، إنها تقدم المنتج باعتباره مادة موجهة إلى استهلاك يمكن أن يتلقاها الناس بلغة محايدة. إنها اغتصاب قصدي لحشود تشكو من العوز والفقر والجهل، ولا تقوم الوصلة سوى بتبرير هذا الوضع وتكريسه: فما قيمة وصلة من مثل :”إلا بغيتي حولي سمين شوفلك كريدي زوين”، أو ” الفورفي اللي غادي يلايكي بزاف”. إنها استخفاف بعقول المستهلكين. وكانت الخلاصة هي أنهم يريدون منا أن نستهلك بالدارجة مع كل ما يثيره ذلك من عوالم حسية مشدودة إلى النفعي في حياتنا ، وسيفكرون هم مكاننا بالفرنسية.

 

– س-قلت إن العربية أداة للوحدة الوطنية. ألا يثير هذا التوكيد أنصار «الهويات المفتتة»، الذين قد يروا فيه إحياء للإيديولوجية القومية؟

-أولا أنا تحدثت في الفصل الأول من الكتاب عن الموقع المركزي الذي تلعبه اللغة في بناء هوية قادرة على استيعاب المتاح الحضاري المعاصر من خلال ممكناتها. وتوقفت طويلا عند بناء الكينونة من خلال لغة هي التي تؤسس روح الأمة. فالناس يتكلمون كما يفكرون، إن اللغة ليست أداة يمكن للمتكلم أن يتخلص منها بعد استعمالها ، إنها البيت الذي يقيم فيه ولن يغادره أبدا، بل سيظل أسير إكراهاته، فكلما كان البيت كبيرا واسعا متعدد النوافذ ويطل على الكثير من المناظر كانت إقامة الساكن فيه مريحة. هي ذي طبيعة اللغة، إنها لا تسمي فقط، إنها بالإضافة إلى ذلك تهذب الكون فنحن ننجذب لرجل أو امرأة يجيد أو تجيد فن الكلام، والناس يتميزون عن بعضهم البعض بنوعية اللغة التي يتكلمونها. وهذا مبدأ لا يختلف حوله أحد. واللغة العربية في حدود علمي هي من ثوابت الأمة وعنصر مركزي في وحدتها، بل إنها خلقت فضاء ثقافيا واسعا أسهم في بناء الكثير من أسس الحضارة الإنسانية، وهو فضاء ثقافي أسهم فيه كل المنتمين إليه، أي الذين يتكلمون العربية ( أنا لا أومن بالعرق).

وقد توقفت طويلا عند الحالة الإفريقية ، وهي حالة تستحق التأمل ، فالناس يتكلمون في هذه القارة ما يقارب من 2000 لغة أو أكثر . بل تتعايش في البلد الواحد عشرات اللغات، ولكن الوحدة الوطنية تضمنها لغة أجنبية دائما ، الإنجليزية أو الفرنسية . ففي نيجيريا تتعايش أكثر من 500 لغة ، ولكن وحدتها كدولة مستقلة قائمة على وجود لغة إنجليزية هي التي وحدت مجموع القبائل التي تشكلها. ورغم ذلك مازال هذا البلد الغني بالنفط تحت نير الجهل والتخلف والقبلية  لم تحضره الإنجليزية. وقس على ذلك كل الدول الإفريقية، فتبني لغة من خارج تاريخ الشعب وحضارته لن ينتج حداثة أو تقدما. ذلك أن الجاهز والمستورد يظل خارج الذات المتكلمة. وربما هي الحالة التي يريد البعض استنباتها في وطننا، في الفضاء المغاربي كله في واقع الأمر، فحسب البعض تتعايش في المغرب عشرات اللغات هناك الدارجات المتعددة وهناك لغة الجبلي ولغة الشمالي ولغة الفاسي. وهكذا تحولت اختلافات بسيطة  في النطق أو في تسمية الاشياء إلى لغة قائمة الذات. وإذا كان التعدد لا يضمن تواصلا بين الجميع فعلينا إذن أن نتبنى الفرنسية فهي التي ستوحدنا جميعا.

أنا لست ضد اللغات الأجنبية، فلسنا خارج الزمنية الإنسانية، ونحن من يجب أن ينتمي إليها اعتمادا على لغتنا وإرثنا الحضاري بكل مكوناته وروافده، فالشعوب الناجحة هي تلك التي استفادت من المردودية العلمية للغات الأجنبية، ولكنها حصنت ذاتها بلغتها أو لغاتها الوطنية.

وللتذكير فقط ، تأسست في فرنسا معاهد لدراسة بعض اللغات كالأمازيغية مثلا، ولكن فرنسا نفسها دمرت دون رحمة كل لهجاتها في الشمال والجنوب والشاهد على ذلك وجود آخر العجائز اللائي يتكلمن اللغة البروطونية التي ستختفي في القريب العاجل ولن يـتأسف عليها أصحاب المعاهد.

– حاول الواقفون وراء «قاموس العامية» تسويقه على أنه حدث ثقافي كبير وأنه الأول من نوعه، فيما كشفت أن أغلب مادته مستعارة من قاموس أنجزه مترجم إسباني. كيف تفسر قولك أن القاموس صناعة علمية، و”واقعة حضارية في المقام الأول”؟ وما هي دواعي تخلفنا في صناعة القواميس؟

-أولا أنا لم أكشف سرا، فأصحاب القاموس هم من يذكر ذلك بصريح العبارة في مقدمة القاموس ص 8، فما قام به هؤلاء هو أنهم عادوا إلى قاموس قديم أنجزه إسباني قالوا إنه كان يحب الدارجة المغربية ( في الشمال وليس كل المغرب) فحذفوا بعض الكلمات وأضافوا أخرى اعتمادا على تسجيلات صوتية. لم يعودوا إلى الحياة، إلى المختبر الكبير الذي هو البراري والأسواق والتجمعات السكانية المنتشرة في قمم الجبال والصحاري بحثا عن لغة الناس من أجل صناعة هذا القاموس. لقد أنجز القاموس في المختبر. ولا يسعفني الحيز المخصص لي هنا لكي أقدم الكثير من الكلمات التي يستعملها الناس في المنطقة الشرقية التي أنتمي إليها ولا وجود لها في القاموس المذكور.

ومع ذلك، أنا لست ضد هذا القاموس، ولا يمكن أن أكون ضد أي عمل يراد منه حفظ جزء من ذاكرة هذا الشعب. أنا ضد استعمالاته وغاياته المعلنة والخفية، وضد ادعاء قدرة هذه اللغة الموصوفة فيه على الاستجابة لكل حاجات الناس في ميادين أخرى غير ميادين الاستهلاك( مرة أخرى أذكر أن هذه العامية كانت ومازالت مصدرا لإبداعات شعرية وجزلية رائعة في بلادنا وفي بلاد غيرنا).

أما أن يكون القاموس “واقعة حضارية”، فهذا أمر يتفق حوله كل المشتغلين في علوم اللغة. فوجود اللغة لا يمكن أن يستقيم دون وجود قاموس يعد ضمانة على الاستعمال السليم لها، فهو المرجعية التي يحتكم إليها المتكلمون من أجل قياس جودة كلامهم أو فساده، في التركيب والدلالة والإملاء.

ومع ذلك لا يمكن النظر إلى القاموس باعتباره تجميعا لكلمات خوفا عليها من التلف والضياع فحسب، بل هو أداة نقيس من خلالها نمو الفكر والوجدان وتطور استعمال كلام الناس. إنه سلطة وحكَم ورقيب وحارس على أكثر ثروات الأمة قيمة وأصالة. إنه يقدم للناس معرفة حول تاريخهم وثقافتهم وشكل حضورهم في الحياة، ومن خلاله أيضا نلتقط مجمل التحولات التي تطرأ على محيطهم بأشيائه وكائناته ( يخلو قاموس الدارجة هذا من الحكم الشعبية ومن الزجل، فأمثلته مستقاة من الاستعمال اليومي وهذا نقص كبير).

وهذه من البداهات التي لا يتوقف الناس عندها عادة. فاستنادا إلى القاموس العام ، ستظهر مجموعة كبيرة من القواميس المتخصصة. وتلك حياة اللغات، فاللغة التي لا تفكر في نفسها لا يمكن أن تنتج معرفة. فهم يذكرون في المقدمة دائما أن 52 في المائة ( ولا أعرف مصدر هذه النسبة) من المغاربة يكتبون بالدارجة، بل إن الفرنسية عند المغاربة سابقة على العربية. وهذا ضلال. فماذا يكتب المغاربة بالدارجة وأين يكتبون ذلك وكيف،(ما يكتب في جدران الفايسبوك لا يرقى إلى معرفة، والخربشات التي يروج لها البعض في الواتساب لا يمكن أن تصنف ضمن نصوص يمكن أن تصبح مرجعا للغة تسمو على الأفراد). يبدو أن هناك رغبة لا أعرف مصدرها ومآلها في تعميم حالة حضارية جديدة تحارب المعرفة العميقة والتفكير المركب غير التبسيطي.

هل يمكن أن نستخرج من دارجتنا قواميس في علم الاجتماع وعلم النفس واللسانيات وغيرها من العلوم؟ ما هي المصطلحات التي تصف بها نفسه ؟ هذا هو سبب الاعتراض على القاموس، ومع ذلك لا أدعو إلى مصادرته، بل أدافع عن حقه في الوجود.

 

– ستسربت آفة التلهيج والتدريج إلى الكتاب المدرسي تحت «مبررات تربوية» كشفت عن تهافتها. هل مشكل الكتاب المدرسي يقف فقط عند تخلي وزارة التربية الوطنية والتعليم عن دورها في الإشراف عليه وفق أهداف استراتيجية مسطرة؟

ج- نحن في حاجة إلى كتاب للإجابة عن هذه السؤال. وزارة التربية الوطنية لا علاقة لها بالتعليم إلا بالاسم، إنها مؤسسة يديرها الكثير من التقنيين غير المعنيين أصلا بأي فعل حضاري، فهم يعولون منذ عقود على استيراد نماذج جاهزة. والاستيراد ليس عيبا شريطة أن يأخذ بالاعتبار التربة الثقافية والتاريخ واللغة وطبيعة علاقات الناس. والدليل على ذلك ما جرى ويجري في الجامعة المغربية، فقد أغرقوها لمدة طويلة بوصفات أهم ما فيها الرطانة الأجنبية واعتماد كلمات براقة دونما اعتبار للمتاح الحضاري لهذه الأمة. يقال حاليا إنهم سيعوضون الإجازة ب “البكالوريوس” فهي وحدها كافية لكي تحل مشاكل التعليم العالي، فالباكالوريوس كلمة قوية لأنها أجنبية.

أما عن الكتاب المدرسي، فأنا شرحت في الفصل الثالث من هذا الكتاب هذه القضية. وقد ذكرت أيضا أنني لست ضد الاستعانة بكلمات من عاميتنا ( كثير من وحداتها يجب أن تدخل القاموس، فحياة اللغة تكمن في قدرتها على استيعاب محيطها بابتكار وحدات من أجل ذلك ) ولا أفهم لماذا لم تدخل كلمة قفطان مثلا إلى القاموس، وهي كلمة لا يمكن لأي معادل لها من أي لغة أن يحل محلها. ومرة أخر أذكر أن لا معنى لكلمة بغرير في المنطقة الشرقية، أي أن آلاف التلاميذ في هذه المنطقة لا يجدون أنفسهم في نص يراد منه أن يكون قريبا منهم ( يقولون هناك خرينكو).

وجه الاعتراض عندي أن هذا الأمر يجب أن يخضع لعمل مؤسساتي، وأن استعمال كلمة ما يجب أن يخضع ل”رقابة” علمية ، هي التي تجيز ما يدخل إلى القاموس وما يجب أن يُعدل لكي يلجه وما لا يجب أن يدخله أبدا. وهذه الرقابة هي الضمانة على سلامة اللغة. إنها لا تحد من حرية التعبير بل تجعلها أمر ممكنا، أي تجعلها تمارس ضمن فضاء يستعمل الناس فيه لغة واحدة ولكنها تنتج أشكالا متعددة من الإبداعات حسب اجتهادات الأفراد وذكاءهم.

 

 

– س-ربطت ظاهرة العري، الذي يغزو اليوم وسائط الاتصال الجديدة ومواقع التواصل الاجتماعي لغة وجسدا بالافتقار إلى الغطاء الثقافي الحاضن للقيم الإنسانية والكافل لسلوك التحضر. إلى ماذا ترد تراجع هذا البعد الثقافي ودوره في ترقية الوعي؟

-حاولت في الفصل السادس من الكتاب دراسة ما يروج له في الشبكة العنكبوتية باسم ” النكات الخاسرة” استنادا إلى رابط رفيع بين لغة فقيرة وحسية بلا عمق استعاري، وبين عري يتم الترويج له خارج أي بعد إنساني، يتعلق الأمر بتدبير الشأن الحياتي كما يمكن أن يتجلى في حاجات نفعية صريحة تعبر عن نفسها في حسية  تكون اللغة الواصفة لها هي معادلها خارج أي مضاف دلالي غير ما يمكن أن يقوله الشيء أو الظاهرة الموصوفة.

قد يبدو كلامي مغرقا في التجريد، ولكنه ليس كذلك، فالذي يشاهد هذه الفيديوهات القصيرة يلاحظ من جهة وجود صور تعرض جنسا افتراضيا  يتحقق في الكلمات قبل أن يسكن الصور. وهذه الكلمات منحوتة لتغطية هذه الواقعة وحدها (ترديد كلمة “التبزكيل” التي لا معنى لها في دارجتنا وفي المعيارية أيضا)، فقد انتُزعت من سياقات استعمالها المألوف، لكي تتحول إلى أداة لتغطية “فعل جنسي” لم تصل الجرأة عند أصحاب “النكات الخاسرة” إلى تقديمه من خلال صور بورنوغرافية “صريحة”. فلا تتضمن الفيديوهات أي عري “صريح”، كما يتم ذلك في البورنوغرافيا الحديثة، فالمتفرج لا “يرى” الصور، إنه “يسمع” وقعها فقط، ومن خلال السمع يُعيد بناء ما تلتقطه أذناه ضمن صور هو من يرسمها في ذاكرته من خلال كلمات تسمي الأشياء كما هي خارج غطاء حضاري يختفي في لغة تخفف من التسمية أو تهذبها.

وهو ما يعني أن العري يتم في اللغة، في الكلمات الموجهة إلى استثارة حالة إيروسية يلتقطها المشاهد في الصوت لا فيما يوازيها من صور. إن قوة الصور مستمدة من الكلمات البذيئة التي تلتقطها الأذن، وهو ما يعني أن الذهن يتوجه من خلالها إلى اللحم خارج أي متعة يسهم الناظر في خلقها.

وفي جميع الحالات، يتعلق الأمر بإحالة على فعل حسي ينزع عن الجنس أي قيمة إنسانية، عاطفية أو وجدانية، لكي يحوله إلى مجرد إيلاج عرضي يحقق شهوة عابرة موضوعها امرأة ليست معنية بالفعل الذي يمارس عليها. إنها “ثقب” يستقبل مسمارا لا يٌحدث إيلاما.

 

– س-تم تذويب كل من أكاديمية محمد السادس للغة العربية والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، الذي لم يزل قانونه التنظيمي يراوح مكانه في البرلمان منذ أعوام. كيف تنظر إلى رهن استقلالية المؤسستين المذكورتين؟ وإلى أي حد بمستطاع المجلس أن يقوم بضبط المجال اللغوي في المغرب في ظل التجاذبات الإيديولوجية واستقواء التيار الفرنكفوني سياسيا واقتصاديا ؟

– أولا مؤسسة محمد السادس للغة العربية لم توجد أبدا، كانت محاولة لخلق نوع من التوازن ( الثقافي/الحضاري وليس السياسي) بين فضاءات ثقافية تتعايش فيما بينها استنادا إلى ضابط أمني/سياسي لا إلى توافق حضاري. ورغم محدودية الخطوة فإنها حوربت في المهد، فمجال اللغة يجب أن يظل مشاعا خارج أي نوع من المأسسة التي تمنحه القدرة على خلق تراكمات يمكن قياس حجمها. وضمن هذا المشاع ازدهرت كل الدعوات، إلى تبني الفرنسية ضدا على تاريخ وهوية شعب بأكمله واستعمال الدارجة ، وإلى مأسسة اللغات الأجنبية في الدستور وهو أمر غريب حقا، ومأسسة أشياء لا وجود لها في الواقع كالتعبيرات الشعبية، بل اعتبار صيغ لغوية عربية لغة قائمة الذات ومستقلة بنفسها كالحسانية.

لذلك لا جدوى من الحديث عن جمع بين مؤسستين. هناك حاليا مؤسسة واحدة هي المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ، ولهذا المعهد وضع خاص. ويجب أن يستمر في التمتع بنوع من الاستقلالية  لأن اللغة الأمازيغية مازالت في حاجة إلى عناية خاصة وإلى تأهيل وإنشاء قواميس وأمامها زمن طويل لكي تستعيد موقعها كأداة للمعرفة.

لذلك لا يرجى الكثيرمن هذه المؤسسة المفترضة، وربما لن ترى النور أبدا ولن تقوم بأي شيء ، أي بما يمكن أن يسهم في تأهيل اللغتين الوطنيتين ويقوم بأعباء الترجمة وإعادة العربية إلى فضائها الطبيعي . وأسباب ذلك كثيرة سأتوقف عند واحد منها وهي تركيبته.  لقد شاعت عندنا عادة سيئة هي الكوطات في كل شيء، السياسة والثقافة وتمثيليات المجتمع المدني . والآن هناك تهافت على هذا المجلس وهناك حروب خفية بين الأفراد والجماعات وهناك دعوات لاحترام تمثيلية الأحزاب والنقابات والمؤسسات الثقافية وربما لاعبي اللوطو والخيول. في حين أن التمثيلية هنا بالذات لا يمكن ولا يجب تطبيقها، فهذه مؤسسة علمية يجب أن تكون مكونة من عارفين في ميدان اللغة والتربية والفلسفة وغيرها من التخصصات، يجب استبعاد السياسة والإيديولوجيا والدين والمذهبية والعرقية. فوحده العلم يجب أن يكون حاضرا. وهذا مبدأ لن يقبل به أحد من اليسار واليمين ومن الأصوليين من كل الأطياف.