المثقف

مقالات
15
0

اختيارات المبدأ وإكراهات السياسة

سعيد بنگراد

 

سيكون تعريف المثقف بالسلب، فهو يشير إلى مقولة غامضة، لذلك وجب الحديث عن كل الذين لا يمكن إدراجهم ضمن المثقفين. سنقصي العامة بطبيعة الحال، ونقصي الرعاع والمهمشين، ونقصي السياسيين والمتعلمين والأكاديميين وكل الذين يلقنون المعارف في المدارس ومدرجات المعاهد والكليات. وسنقصي التقنيين أيضا وأصحاب المهن الحرة ونظراءهم من الأطباء والمهندسين … والحاصل ألا أحد يمكن أن يكون مثقفا من خلال ” مهنته ” أو ” معرفته ” أو ” أدوات عمله “، ولا يمكن أن يكون كذلك أيضا من خلال انتمائه الاجتماعي أو السياسي أو الطبقي.

إن المثقف شخص من طبيعة أخرى، أو هكذا يجب أن يكون. إن ما يميزه في المقام الأول هي وظيفته كفاعل أخلاقي لا يتقيد بحالات الانتماء ” العرضي” لهذا الموقف أو ذاك، ولا بحالات الانتماء ” العفوي” إلى أصل ” بدئي” هو بالضرورة من باب الوهم المضلل، أو من باب التصنيف الثقافي المسبق الذي لا يمكن، رغم وجوده الفعلي، أن يحل محل كل القيم النبيلة التي أفرزتها الممارسة الإنسانية الممتدة عميقا في التاريخ.

إن وضعه المميز داخل المجتمع لا يفترض وجود ” حقيقة ” خاصة بالمثقفين لا يعرفها غيرهم، إن حقائق الوجود لا تُعد ولا تحصى، ولا حقيقة لمن يود الدفاع عن كل الحقائق، بل يفترض شيئا شبيها بالحلم والرؤيا التي تحتضن الكون كله باعتباره حقيقة كل الكائنات، إنها مبادئ الإنسانية باعتبار ذاتها، لا باعتبار صفات من ينتمون إليها. فما بين الولاء والحقيقة بون شاسع، إن ” الولاء مقولة أخلاقية، أما الحقيقة فمقولة نظرية” (1): الولاء للقبيلة أو الدولة أو الحزب أو أي انتماء يقوم على تصنيف من نوع ” هؤلاء ” و” نحن “، حيث يندثر الفرد ويذوب لصالح المجموع. لذلك فالولاء عالم أعمى، إنه قائم على فكرة النصرة المبدئية التي لا مرجعية لها سوى الانتماء إلى القبيلة أو العرق أو الحزب، أما الحقيقة فتُبنى استنادا إلى شيء آخر. إن مادتها هي الوجود الإنساني بامتداداته في الفعل والمخيال والأحلام التي لا تنتهي.

ولقد حفل التاريخ بنماذج كبرى ما زالت لحد الآن تنهض شاهدا إنسانيا رائعا على قدرة المثقف على تجاوز كل همومه الكبيرة والصغيرة من أجل الانحياز إلى الإنسان أينما كان وكيفما كان. فعل ذلك سقراط قديما وتجرع السم دفاعا عن حق الإنسان في استخدام عقله أداة مثلى لإنتاج المعرفة وتداولها، فعلم شباب أثينا كيف يفكر ويعرف نفسه بنفسه فحكموا عليه بالموت. وفعلها فولتير، حين جعل من مأساة عائلة برتستنتية قضية حق في الاعتقاد يتمتع به جميع الناس؛ وفعل ذلك زولا بعده عندما وقف ضد التيار دفاعا عن دريفيس (2) ( القبطان الفرنسي الذي اتهم بالعمالة لألمانيا)، في وقت كانت جموع السياسيين تطالب برأس المواطن ” الخائن “. وفعلها فرج فوده، دفاعا عن العلمانية والديمقراطية والعقلانية، ومات من أجلها. ومن أجلها أيضا مات مهدي عامل وحسين مروة وآخرون كثيرون. لقد أعلن هؤلاء جميعا تحيزهم المطلق لمبادئ الخير والصدق والعدالة والمساواة، فسجنوا أو شردوا أو ماتوا.

وكذلك كان أبيقراط. لقد صاغ قسمه الشهير الذي ما زال يردده الأطباء في كل بقاع الأرض، معلنا عن ميلاد إنسانية جديدة لا تلقي بالا إلى اللون أو العرق أو الجنس أو الدين أو أية عقيدة أخرى. لم يكن أبيقراط طبيبا فحسب، فالأطباء أمثاله كثيرون ولو كان كذلك فقط، لابتلعه النسيان كما ابتلع كثير من الأطباء قبله وبعده. لقد كان بالإضافة إلى مهنته مثقفا. وبذلك انحاز إلى إنسانية لا تراعي موطن تجسدها بل تراعي كرامة من يحمل هذه الصفة ويسير بها مزهوا على الأرض. لقد كان بذلك يوسع من الدائرة التي يتحرك ضمنها الطبيب، لقد مجد وظيفته وحررها من متطلبات الانتماء: تلك الإكراهات التي ينصاع لها الكثيرون ويموتون من أجل قضايا لا يؤمنون بها في قرارة أنفسهم.

إن المثقف حالة التزام، إنه التزام لا مصدر له سوى النفس والمبدأ الإنساني. فالقيمة الأخلاقية تتحدد، في نظر المثقف بمطلقيتها لا بتحققها في هذا السياق أو ذاك : لذلك فهو يقف – يا للمفارقة – في وجه المطلق بكل أشكاله. ومن هنا كانت فكرة الدفاع عن حق الفرد في الاختلاف. يحق للمثقف أن يدافع عن ” فضاء أبيض “، فضاء لا تخترقه القناعات العامة، ولا يصادره الدين أو الأحكام الاجتماعية المسبقة، وبهذا الفضاء يحتمي الفرد، وفيه يعيش خصوصيته بعيدا عن كل الإكراهات من كل الطبائع، ذاك الغول الجشع الذي يبتلع في طريقه كل شيء.

يجب أن يكون المثقف مفصولا عن كل الناس، إنه فوق الناس جميعا، فهو الصوت الذي يبلور مواقفه بعيدا عن التصنيفات الاجتماعية المسبقة، وبعيدا عن السلطة، وبعيدا عن تفاصيل السياسة والإيديولوجيا. بالتأكيد لا يناهض المثقفون الإيديولوجيا، ولا يقفون في وجه السياسة، ولكنهم شهداء على المبدأ الإيديولوجي والممارسة السياسية، إنهم العين التي لا تنام، العين التي تنظر بارتياب إلى كل الحقائق التي يميل المجتمع بطبيعته إلى الاستكانة إليها.

إن الشيطان يوجد في التفاصيل، فهي الهوى والإغراء والافتتان بالهش والعارض. أما المبدأ فيغطي مساحة لا تستوقفها الجزئيات، إنه لا يبحث عما يوحد، بل يبحث عما يعزل ويفصل ويبني وحدة تحافظ على المختلف والنسبي. وحينها سيكون المثقف في حل من كل الأحكام المسبقة والتقديرات المرتبطة بهذا الجهاز أو ذاك. فما هو أساسي ليس مرجعية القيمة التي ندافع عنها بل القيمة في ذاتها. وذاك هو الحد الفاصل بين الحقائق: إن حقائق السياسة والإيديولوجيا حقائق ثابتة، لأنها مرتبطة بمردوديتها في الشارع أو صناديق الاقتراع، أما حقيقة المثقف فمن طبيعة أخرى، إنها حقيقة المبدأ الثابت. لذلك يجب أن يكون المثقف مناهضا للسلطة بالطبيعة والموقف والوظيفة: فالثابت ألا شيء ثابت.

تدعي السلطة الدفاع عن كل الناس، ويدعي الحزب أنه نصير هذه المجموعة أو تلك، أما المثقف فلا يسير في صف الجموع التي يستهويها الصراخ والاندفاع وتنحاز بالفطرة والانتماء إلى هذا الصف ضدا على ذاك. إنه ينحاز إلى الفرد، ذلك الكائن المعزول الذي يريد أن يعيش القيم والأخلاق والدين باعتبارها قناعات فردية لا باعتبارها إكراهات اجتماعية. تلك هي حقوق الإنسان وحدودها ومنتهاها وذاك موطنها وبؤرتها.

لذلك فالمسألة، في هذه الحالة أو تلك، لا تخرج عن الرغبة في” التسلط ” على وظيفة المثقف ورهْنها باختيارات مرحلية وعرضية: يريدون من المثقف أن يصدح بمآثر الحزب أو السلطة، لا أن يكون عينا تراقب. والحال أن دائرة المثقف أوسع وأرحب بكثير مما يقدمه عالم السياسة والسياسيين. إنه يجسد حالات الانتماء المبدئي لقضايا بعينها دون وسائط ” السياسة” و” القناعات الإيديولوجية ” أو “التقديرات الخاصة بالظرفية السياسية”، إلى ما هنالك من الوسائط التي أنتجتها السلطة وتفننت في استعمالها من أجل ” الضبط ” و” المراقبة ” و” التوجيه”.

وذاك ما يفسر لماذا  ينظر إليه السياسي بنوع من الريبة ولا يطمئن إليه أبدا، وهو ما يفسر أيضا لماذا تضيق به السلطة ذرعا : فالمثقف دائما إما ضدها أو ضدها، لا خيار ثالث هناك سوى الضياع أو الاستسلام لمقتضيات الوجود ” الطبيعي” الذي يقبل ما يأتي من الجهات الأربع باعتباره قدرا لا راد له. وهذا ما يميز السياسي عن المثقف: للمثقف اختيارات ( يقول أو يرفض أو هو ” نعم ولا “، ” نعم ولكن ” ، ” لكن وربما “… ) أما السياسي فيعيش تحت وطأة إكراهات لا عد لها ولا حصر  ( منها في المقام الأول تكتيك السياسة واستراتيجية الإيديولوجيا). لذلك لا يمكن الربط بين العالمين إلا في حدود مجردة وواهية تنتهي عند ثوابت قد لا نتبين معالمها إلا مع مرور وقت طويل.

كل السياسيين محافظون. قد يكون ذلك ب” الطبع والفطرة ” وقد يكون ذلك بالغاية. فالفعل السياسي محدد بأهداف عندها يتوقف الفعل و” تستقر ” الأوضاع على حالة هي الحلم والمنتهى وروح ” البرنامج ” الذي يشفي من كل الأدواء. وقد يكون ذلك صحيحا في عرف سياسي يصارع من أجل سلطة تفر باستمرار من بين يديه، لكنه ليس كذلك عند شخص لا يراعي ” الظرفية ” في صياغة موقفه، ولا يبني اختياراته استنادا إلى انتمائه. مسؤولية المثقف ثقيلة : إنه مكبل باختيارات المبدأ الذي لا يرتبط بالحقائق إلا من أجل تغييرها.

لذلك حين يعلن المثقف عن موقف سياسي فلن يكون سوى مواطن عادي يمارس حقا من حقوقه الدستورية في الانتماء الحزبي والنقابي، وكذا دفاعه عن حقه في التعبير عن رأيه في قضايا المجتمع بدءا من تنظيف الشوارع والأزقة وإصلاح المصابيح الليلية، مرورا بتحسين أوضاع المعيش اليومي، وانتهاء بالإصلاحات الدستورية. تلك حقوق المواطنة وواجباتها، بل هي إكراهات الانتماء إلى أرض وعلم ونشيد.

يجب تخليص المجتمع من الأحكام المسبقة ليكون بإمكان المواطن أن يعادي كل الناس أو يصالحهم أو ينحاز إلى ما شاء من الآراء، ما دام الأمر يتعلق بانتماء طوعي إلى نظام قيمي هو شرط المواطنة وأساس الوجود الاجتماعي القائم على ” الممنوع والمسموح به”، وهو انتماء تحميه تعاقدات على أساسها يقوم التوافق الاجتماعي، لا طابوهات النظام السياسي و” مقدساته”. فعلى أساس الانتماء العفوي يُبنى النظام الاجتماعي، وتتحدد حالات التناوب السياسي وتبادل المواقع. إن ” الفضاء الأبيض ” الخالي من كل أحكام العقائد هو ملاذ الفرد ودرعه الواقي من كل أشكال التعسف الجماعي.

أما حين ينحاز هذا المثقف إلى القيم الإنسانية الكبرى كالعلمانية أو العقلانية أو الديمقراطية أو التعدد والنضال ضد المطلق في الدين والسياسة والأخلاق، فإنه يقوم بدوره الأصلي، إنه يعود إلى ملكوته ومجاله الحيوي لكي يصبح “مسؤولا”، وهي الصفة التي ارتبطت بكل ما يحدد جوهر المثقف ووظيفته ودوره الأبدي : إنه مسؤول بالمعنى الأخلاقي الذي دفع الفرنسيين إلى تجريم ” عدم تقديم المساعدة لشخص يهدده خطر ما”.

فلا يمكن للمثقف أن يساهم في إنتاج القيم أو التعبير عن رؤى تخص الوجود الإنساني انطلاقا من تعاليم الحزب أو السلطة أو أية مؤسسة اجتماعية مدنية أو سياسية  أخرى، فالمثقف فاعل يستبق ويرى ما تخفيه السياسة وتوهم به الإيديولوجيا وهوى التحيز والانتماء. إن الانتماء يعمي البصر والبصيرة، وصياغة المواقف استنادا إليه فقط يُعد انزياحا عن الدور الريادي النقدي الذي يجب أن يقوم به المثقف. ووقوف المثقف عند حدوده سيحوله إلى متعلم يمارس السياسة والإيديولوجيا كما يمارس المريد طقوس الاستئناس في زاوية من الزوايا. فالقيم الإنسانية الكبرى لا ترتبط ببرنامج حزبي محكوم، بطبيعته، بمردودية مباشرة، إنها ترسم حدود مجتمع إنساني يجدد قيمه باستمرار.

ولهذا السبب، فإن المثقف ضمير أعلى لا يصوغ مواقفه استنادا إلى قناعة محدودة – قناعته هو أو قناعة عشيرته – إنه يفعل ذلك استنادا إلى مبدأ كوني. إنه لا يقدم أجوبة جاهزة، فكل الأجوبة هي كذلك في ارتباط بنسق مباشر لا يمكن أن يغطي سوى مساحة ضيقة في الزمان وفي المكان. إنه يصوغ سؤالا، والسؤال مفتوح على أجوبة تنتمي إلى سياقات متنوعة. لذلك يُطالب المثقف بإنتاج ما يشكك وينسب ويسائل ويبحث في ذاكرات لا تراها العين ” المطمئنة” والروح” المستكينة”، إنها قيم يجب أن تقود مجتمعه إلى تجديد خياراته الحضارية وتعميقها، وهي خيارات لا تشكل داخلها الانتخابات والتكتيك السياسي سوى الوجه المرئي لرهان يمتد بعيدا في ذاكرة المستقبل.

إن الديمقراطية ذاتها ليست، في نظر المثقف، منتوجا حضاريا لإدارة الصراع السياسي بدون دماء فحسب، –  إن النظر إليها باعتبارها كذلك معناه إفراغها من مضمونها الحقيقي وتحويلها إلى لعبة تديرها سلطة المال والمخدرات، والفساد الإداري- إنها أكثر من ذلك، بل لا يشكل هذا الوجه سوى المظهر العملي لتصور فلسفي يكف الفرد في رحابه عن التفكير في المطلق والكلي والثابت والنهائي. تعني الديمقراطية التزام الفرد المعزول تجاه ذاته قبل أن تكون التزام النظام السياسي تجاه آليات سلطته، فالفرد يتعلم من خلالها كيف ينتمي إلى قيم ومبادئ دون أن يكون مضطرا للارتباط بحزب سياسي بعينه : يقضي الفرد جزءا كبيرا من حياته يتنقل بين الحقائق التي تنتجها معارفه المتنامية والمتغيرة باستمرار، والحقيقة الوحيدة التي يستقر عليها في نهاية حياته هي ألا وجود لحقيقة مطلقة. ذاك هو مبدأ الفعل الثقافي الذي يعتنقه المثقف ويجعل من الديمقراطية أداة لحمايته.

وهو الوضع الذي تكذبه كل الشواهد عندنا.لم ينتبه المثقفون بعد، أو أغلبهم على الأقل، إلى التفاوت الموجود بين الشعار السياسي الذي يستند إلى الآليات الشكلية التي توفرها الديمقراطية، وبين إرث حضاري ثقيل منتشر في كل مكان في شكل أحكام وقيم وتصورات تبطل الديمقراطية وتحولها إلى كيان أجوف. ديمقراطيات الهند وباكستان أكبر شاهد على ذلك : هناك تناوب على السلطة وتطاحن لا يتوقف بين الأعراق والأديان. فالحريات السياسية وحدها لا تكفي، فهناك في السلطة وخارجها من يحدد للفرد طريقته في الأكل والملبس وممارسة العواطف.

وهذا الوضع لا تفسره سوى هيمنة السياسي والديني على كل شيء في حياتنا. لقد تغيرت أسئلة المثقف عندما تبنى أجوبة السياسي، وسلم بسلطة الفقيه على المجتمع. لقد تخلى عن وظيفته النقدية وانساق وراء شعارات ” الأقلية ” و” الأغلبية ” و” الظرفية” وكل ما يمكن أن تحيل عليه الاستقطابات الإيديولوجية والدينية. لقد تحولت كل المبادئ الكبرى، التي هي أساس وجوده وأساس وظيفته، إلى شعارات موسمية بلا قيمة، سرعان ما  تختفي باختفاء الانتخابات والحملات السياسة التي تهيئ للمؤتمرات والندوات الوطنية، لتحل محلها رتابة اليومي وأسئلة المعيش المباشر.

فليس غريبا أن يكون المثقف عندنا سلفيا في السياسة، وبنيويا في الأدب، وليبراليا مع صديقته، ومحافظا مع أخته أو زوجته، ويكون ماديا في التحليل وشيخا في مسجد الحي، ويحقد على كل ما لا يعرف. لقد انهار مبدأ الانسجام وتحولت المبادئ في المعرفة والأخلاق والممارسة إلى بضاعة تصرَّف حسب المواقف والمقامات المتنوعة : يقول المثقف ما يشاء ويمارس ما يشاء، ولا ضير هناك، فلكل مقام مقال، ولكل موقف تدبير وكلام الليل يمحوه النهار.

ولهذا لا يجب أن نستغرب أن يموت فرج فوده دفاعا عن العلمانية والحداثة، هو الذي لم يكن يساريا لا بالجذر ولا بالقشور، ويخرج ” الحداثيون ” في الوطن العربي يهللون لقيام ” الثورة الإيرانية ” ولقائدها المظفر ولي الله الخميني، ولا ضير في مناهضة الأصولية عندنا، فهي شر لا يطاق، والتغني بخطاب حماس وإنجازاتها التي لا تحصى. تلك ليست هوية المثقف ولا دوره. إن مواقف المثقف مبدئية، فهي لا تنتمي بالضرورة إلى سجل سياسي صريح، بل تؤكد رؤيا حضارية لها تصور منسجم يحكم إدارة الشأن الإنساني، ويحكم نمط الإنسان في تنظيم علاقاته بعيدا عن الإكراهات التي تحد من حقه في ممارسة حياته وفق ما يشتهيه هو، لا وفق ما يشتهيه جاره أو أقاربه في الحي، أو ما توده سلطات السياسة والاجتماع.

يشهد على ذلك تاريخ المثقفين عندنا وفي كل ربوع الوطن العربي: مثقفون كثيرون سقطوا وأسلموا قيادهم للسلطة، وآخرون انسحبوا من الساحة وابتلعهم النسيان، وآخرون خرجوا من الحياة وشيدوا لأنفسهم أبراجا حداثية تحيط بها مياه التخلف من كل الجهات، وآخرون كثيرون أيضا دخلوا السجون وخرجوا منها ليعودوا إليها دفاعا عن حق الانتماء إلى الوطن وحبه دون وساطة السلطة أو وصايتها.

إن إدارة الصراع مع السلطة بكل معانيها، السياسية والاجتماعية والمعرفية، استنادا إلى إيديولوجية رد الفعل، والبرامج السياسية المحلية المحدودة في الزمان وفي المكان هي مهمة السياسي، أما المثقف، فإنه يديره من خلال الانحياز إلى تصور يتبنى أرقى ما أنتجته البشرية في نضالها الطويل من أجل العودة بالإنسان إلى حالته الأصلية كائنا يكرمه كل شيء في هذا الوجود، ويترك للفاعل السياسي أمر تصريف هذه الاختيارات وفق الخصوصيات الموجودة في الواقع، لا في أذهان الباحثين عن الحلول السهلة.

لقد سقطت مقولة ” المثقف العضوي ” أو طواها النسيان، أو تراجعت إلى حين، ولم يعد هناك سوى الأخلاق، وعلى المثقفين أن يدافعوا عنها بكل ما أوتوا من قوة : عليهم أن يدافعوا عن الأخلاق في كل شيء، في المعرفة والسياسة والاقتصاد والممارسات الاجتماعية.

لقد انهارت النظم الكبيرة – النظم السياسية والاقتصادية، وتهاوت كل الاستقطابات الثنائية التي تحكمت في إنتاج القيم وتداولها لمدة طويلة، ولم يعد لنا من حماية، من أنفسنا ومن السلطات التي تحيط بنا من كل الجوانب، سوى الفضيلة كما سن حدودها عظام الإنسانية من فلاسفة ومصلحين : فضيلة الدفاع عن كرامة الإنسان باعتبارها قيمة مطلقة لا يوجد في هذا الكون كله ما يبرر المساس بها.

لقد وضع الوزير الأول الفرنسي السابق بيريغوفوا حدا لحياته، لا لأنه سرق مالا عاما، أو مارس شططا في السلطة يستحق الإدانة، إنه لم يقم سوى باقتراض مبلغ مالي من أحد أصدقائه دون فوائد من أجل شراء منزل. يبدو أن للأخلاق هناك سلطتها. ولم يعرف عن وزير مغربي واحد استقال درءا لفضيحة أو دفاعا عن موقف مبدئي، أو احتجاجا على سلوك سياسي مشبوه. الظاهر أن السياسة في بلادنا لا تكترث للأخلاق.

 

——

1 Umberto Eco : Cinq leçons de morales, éd Grasset, 2000, p18

2- انظر الكتاب الشيق لمحمد الشيخ: المثقف والسلطة، دار الطليعة، بيروت 1991