السميائيات والتأويل، مدخل إلى سميائيات بورس

مؤلفات
132
0

مقدمة

 

 

بدءا يمكن القول إن السميائيات في تصور بورس، ليست مجرد أدوات إجرائية يمكن استثمارها في قراءة هذه الواقعة النصية أو تلك، كما لا يمكن أن تكون نموذجا تحليليا جاهزا قادرا عن الإجابة على كل الأسئلة التي تطرحها الوقائع. إنها على النقيض من ذلك فعل، أي سميوز، والسميوز، كما سنرى ذلك في الفصل الثاني من هذا الكتاب، سيرورة لإنتاج الدلالة ونمط في تداولها واستهلاكها. وبعبارة أخرى، إنها تصور متكامل للعالم. ذلك أن الإمساك بهذا العالم باعتباره سلسلة لامتناهية من الأنساق السميائية، أي باعتباره علامات، يشير إلى استحالة فصل العلامة عن الواقع، ما دام هذا الواقع نفسه يُنظر إليه باعتباره نسيجا من العلامات، أي سلسلة من الإحالات التي تضمحل لحظة استيعابها في الفعل الإنساني.

إلا أن موتها هذا ليس موتا نهائيا، إنه موت مؤقت وعرضي. فهذا الفعل الإنساني يوَلِّد من جديد لحظة تحققه، سلسلة من العلامات التي تُدرَج ضمن سلسلة جديدة من الإحالات، وهكذا دواليك. فكل فكر ” هو فكر ناقص بالضرورة ويحتوى على الضمني والكامن ” ( بورس )، فهو يحتاج، لكي يحيل على فكر آخر، إلى فكر سابق وهكذا إلى ما لانهاية.

ولهذا فإن السميائيات، في تصور بورس، ليست صنافة جامدة تدرج أنواع العلامات في خانات قارة بشكل نهائي. إنها، على العكس من ذلك، ترد كل الأنساق إلى حركية الفعل الإنساني. إنها تجعل من الإنسان علامة وتجعل منه صانعا للعلامة وتقدمه كضحية لها في نفس الآن. فالإنسان هو المنتج للسلوك الفردي وهو الذي يحول هذا السلوك إلى قاعدة جماعية، أي يجعل منه عادة تشتغل كنموذج يحكم السلوك الفردي. وهذه العادة هي ما يستمر في الحياة بعد موت العلامة. إنها ولادة جديدة: ولادة القيم الاجتماعية وشهادة على نموها واضمحلالها أي موتها، لتولد من تحت أنقاضها قيم جديدة. فلا وجود لتصنيف مسبق، فما يعين هو ذاته ما يشير إلى التجاوز : تجاوز العلامة لنفسها (فكل عنصر من عناصرها ينتج آثاره المعنوية الخاصة)، وتجاوز التصنيف لنفسه ( كل تصنيف قد يولد تصنيفا جديدا هو تركيب لعنصرين أو أكثر ).

وهي، من جهة ثانية، تدرك العالم باعتباره كلية ( ليس هناك فصل بين الواقع والفكر)، ولكنها تضع هذا العالم للتداول باعتباره أنساقا غير قابلة للوصف الكلي ( الفصل بين موضوع مباشر وموضوع ديناميكي )، فهي تعترف بأن النسق الدلالي – بحكم اندراجه ضمن حركية الواقع – غير قابل للوصف إلا جزئيا من جهة، وهي تعترف، من جهة ثانية، بنسبية القراءة وتعددها ( الفصل بين مؤول مباشر ومؤول ديناميكي وآخر نهائي ).

إلا أن هذه الثلاثية قد تثير الكثير من التساؤلات، فقد ” يُعترض علينا بالقول : إن تحديد العلامة باعتبارها بناء ثلاثيا معناه نفي لها، ما دام كل مكون من مكونات العلامة يتحول بدوره إلى علامة تستدعي ثلاثية جديدة، وتبعا لذلك اندحارا لامتناهيا يمنع العلامة من أن تكون علامة. إن هذا الاعتراض صحيح في حالة واحدة، الحالة التي تكون فيها نظرية العلامة منفصلة عن فعل العلامة. والحال أن الأمر ليس كذلك في نظرية بورس. فالفصل عنده بين النظرية والممارسة معناه خرق لمبدأ الامتداد. فالعلامة تولد وتنمو وتموت في الأشياء ” ( 1).

 

فلهذا، فإن دائرة العلامات تتسع لتشمل كل الموجودات، بل إن الواقع ليس كذلك إلا في حدود مثوله أمامنا كعلامة، فلا يمكن تصور إدراك حقيقي يجعل من الموجودات كيانات مفصولة عن الذات التي تدركها، ” فإذا قلتم بأن هذا الموضوع موجود في استقلال عن كوني أفكر فيه، فإن كلامكم لا معنى له “. ( بورس)

من هنا كانت ضرورة العودة إلى الأصول المعرفية المحددة لكُنْه هذه السميائيات. وهذا أمر بالغ الأهمية، فنحن نعتقد أن ما هو أساس في أية نظرية ليس التقنيات والأدوات والمفاهيم المعزولة، إن هذه الأدوات أمر لاحق، ولا تشكل في نهاية الأمر سوى وجه مرئي لأساس معرفي هو وحده الضامن لهوية النظرية ووجودها. إن المظهر المعرفي لهذه النظرية هو ما يستهوينا، فهو وحده الذي قد يسعفنا على إدراك أفضل لخصوصية إنتاجنا الفكري والإبداعي. وسيلاحظ القارئ الحاذق أن ما يجمع بين تصورات معرفية متعددة وبين نظرية بورس، هو منطلقاتها الفلسفية وليس مجموع المصطلحات التي جاءت بها. بل يمكن القول ألا شيء يجمع بين هذه النظريات وبين تصور بورس على مستوى المصطلحات.

إن هذه السميائيات، كما أشرنا إلى ذلك في الفقرات السابقة، لا يمكن اختصارها في سلسلة من الأدوات الإجرائية الخالية من أية روح، لأنها ليست أجوبة عن أسئلة “محلية” و” عرضية” تخص هذا القطاع من المعرفة دون ذاك؛ وهي كذلك لم ترتبط -في تصوراتها النظرية والتطبيقية- بدرس بعينه قد يحد من امتدادها وشموليتها وغناها. لقد كانت التجربة الإنسانية في كليتها نقطة انطلاقها وغايتها في الآن نفسه. فالإنسان مهد العلامات، وهو منتجها ومستهلكها والمروج لها. فلا شيء يوجد خارج مدار ما ترسمه العلامات من سيرورات دلالية لا يمكن أن تقف عند حد معين.

إنها تساؤل حول المعنى وتساؤل حول شروط إنتاجه وأشكال تجليه. فماذا تعني السميوز، إن لم تكن لهاثا وراء معنى لا يستقر على حال. فالسميوز، شأنها في ذلك شأن الفكر عند بورس، فعل ناقص بالضرورة، إنها تحتوي، لحظة الإحالة، على الضمني والمحتمل والكامن. ولهذا فهي لا يمكن أن تكون تعيينا لمعنى مثبت في الواقعة بشكل نهائي، إنها على العكس من ذلك خزان لا ينتهي من الدلالات. وهذا إسهام أول من إسهامات بورس، فلا يمكن البحث عن المعنى خارج العلامات، ولا يمكن أن نفكر دون علامات، فالمعنى موجود في العلامات، والعلامات وحدها هي السبيل إلى إنتاج الدلالات وتداولها.

ورغم ذلك فإن بورس لم يكن قطعيا في تصوراته، فسلسلة الإحالات التي لا تنتهي عند حد بعينه هي هروب من المعنى، والهروب من المعنى كاللهاث وراءه، فلا أمل إذن في الخروج من دائرة المعنى، ولا أمل في الوصول إلى معنى كلي ونهائي، ألم يقل بورس : “إن السميوز في هروبها اللامتناهي من علامة إلى علامة ومن توسط إلى توسط، تتوقف لحظة انصهارها في العادة، لحظتها تبدأ الحياة ويبدأ الفعل”.( 2)

إن الأمر يتعلق بمبدأ الامتداد: امتداد العلامة نحو الفعل، ورصد لأثر العلامة في الفعل. فهي تحيل على ما يوجد خارجها وتموت، ومن موتها تنبعث القاعدة والقانون والعادة. فالتأويل غايات، ونحن نؤول وفق متطلبات حاجاتنا بجميع أنواعها، فحاجتنا إلى الاستقرار على معنى يريحنا من لهاث قد لا يجدي في شيء أمر في غاية الأهمية. من هنا كانت الدلالة عند بورس مستويات. إن السميوز لامتناهية احتمالا، لكن الحاجات الإنسانية تقلص من حجمها وتفرض عليها حدودا. من هنا كانت الحاجة إلى مؤولات وليس إلى مؤول واحد، وهذا إسهام ثان. فالسميائيات عند بورس يمكن النظر إليها باعتبارها نظرية في التأويل، فما يحدد صحة العلامة هو الوجه المؤول داخلها، فالعلامة لا تحيل على موضوع فحسب، إنها، بالإضافة إلى ذلك، تكشف عن معرفة جديدة تخص هذا الموضوع.

ولأن الموضوع هو أصل الإحالة، فإنه يتجاوز العلامة في الوجود وفي التمثيل. فلا يمكن لفعل التمثيل الذي يقوم به الماثول أن يستوعب، من خلال إحالة واحدة، كل المظاهر المعرفية التي يشتمل عليها الموضوع. إن الموضوع أغنى من التمثيل، فالحاجة إلى تمثيل جديد يستعيد العناصر المنفلتة من التمثيل الأول أمر ضروري، بل هو أساس بناء الوقائع ومبرر قراءتها وتأويلها. لذا فالموضوع عند بورس أنواع. إنه في المقام الأول ما يبدو من خلال العلامة بشكل مباشر، وهو ثانيا ما توحي به العلامة من خلال فعل التمثيل ذاته، وهذا إسهام ثالث. فالإحالة الواحدة لا تستطيع استيعاب ما توفره التجربة في بعدها الواقعي ( أسبقية المادة على الفكر).

تلك بعض الإسهامات النوعية التي جاءت بها سميائيات بورس. إنها إسهامات لا ندرك قيمتها الحقيقية إلا حين نتجاوز لائحة التصنيفات والتقسيمات الفرعية الخاصة بالعلامة، وهي تقسيمات توهم غير المختص بأن هذه النظرية معقدة وتستعصي على الفهم والإدراك. أما حين ندرك أن قراءة الوقائع الإنسانية ( والنقد الأدبي جزء من هذه القراءة ) ليست هلوسة مجانية أو هذيانا، ولا هي كتابة على هامش الكتابة الأولى، أو انطباعات لا يحكمها رابط ولا يجمع أجزاءها منطق، فإننا سنكتشف أن الذهاب نحو النص هو استنفار لرصيد معرفي هائل هو وحده الكفيل بتحويل القراءة إلى إنتاج للمعرفة، لا بسط لانفعالات ضحلة سريعة الزوال، لا تحرك في النص ساكنا، فهي كذلك الطائر الذي قضى الليل على غصن شجرة ضخمة فاعتقد أنه أرهق كاهلها، فراح في الصباح يقدم لها الاعتذارات ويطلب منها العفو.

فإذا أدركنا كل ذلك، وتجاوزنا مستوى التصنيفات المركبة التي تقدمها هذه النظرية من خلال وجهها المرئي، اتضح لنا أن نظرية بورس تقدم لنا إسهاما فعليا في قراءة النصوص وتأويلها وإدراك ما أمامها وما خلفها. فلا يكفي القول إن النصوص بؤرة للدلالات، فالدلالات كثيرة ومتنوعة، إلا أنها تتمنع ولا تسلم نفسها لأول عابر سبيل. إن الدلالة أسرار وكل سر يحيل على سر، وقد لا يكون السر الأخير سوى لحظة توهم الذات بأنها استقرت على دلالة بعينها.

فالعلامة لا يمكن أن تقف عند إحالة واحدة. فما يطلق العنان للدلالة هو نفسه ما يجعل من إيقافها أمرا مستحيلا. فالسميوز لا متناهية، ولا يمكن للدلالة أن تقف عند حد بعينه. فالنص عندما يتخلص من إكراهات الذات المبدعة يصبح في حل من أمره، ويسلم حينها نفسه لحركية تأويل لا تتوقف عند حد بعينه. تلك هي الخلاصة المباشرة لتصور بورس للدلالة وإنتاجها. إلا أن الوصول إلى ذلك يقتضي إلماما بقوانين الدلالة وأشكال وجودها ومستوياتها، ويقتضي أيضا إلماما بمنطق الإحالات ومنطق الانتقال من الزاوية المؤولة إلى موضوع التأويل. فموضوعات التأويل ليست واحدة ولا يمكن أن تكون كذلك؛ بل هي نفسها أنواع. وتلك طبيعة الممارسة الإنسانية وذاك هو سرها.

صحيح أن مفكرا تداوليا من طراز بورس لا يمكن أن يقبل بانسياب دلالي لا حد له. فهو يقر بأن التأويل يتم وفق حاجات نفعية، فكل تأويل عنده يتم وفق غايات خارج سميائية، إلا أن المقصود باللانهائية هنا هو إمكانية الانسياق وراء إحالات لا يمكن نظريا أن تتوقف عند حد بعينه، فـ» الفكر بطبيعته ناقص ويحتوي علي الضمني والكامن «. ولهذا فإن كل فكر إنما يحيل على فكر آخر. وبعبارة أخرى، فإن الأمر يتعلق بطريقة أخرى للقول إن التعدد هو ما يبرر وجود النص ووجود قراءاته. فكل ما في النص مرتبط بعوالم غير مرئية هي مبرر النص وضمانة على اشتغاله، فالنص ليس نصا في ذاته، بل هو نص في حدود إحالته الضمنية أو الصريحة على نصوص أخرى. وفي هذه الحالة، فإن التحقق النصي المفرد ليس سوى إمكان ضمن إمكانات أخرى. لذا فهو لا يمكن أن يكون تعيينا لمعرفة معطاة بشكل نهائي، بل هو سلسلة من الإحالات، التي قد لا تنتهي، نظريا عند نقطة دلالية بعينها.

إلا أن منطق النص والبحث عن انسجام ممكن للكون النصي يقودان السميوز إلى انتقاء دلالة والاحتفاء بها وتفضيلها على دلالات أخرى. فالقول بأن النص يعالج هذا الموضوع أو ذاك لا يعني، قطعا، رد هذا الكون النصي إلى هذه الثيمة دون غيرها، إنه يشير فقط إلى إمكانية وجود انتقاء سياقي يقود الفعل التأويلي إلى تحيين مسار تأويلي بعينه، ويقوم في الآن نفسه بالدفع بمسارات أخرى إلى التراجع. فلهذا، فإن المؤول الديناميكي، وهو المؤول المسؤول عن انفلات الدلالة من عقالها وتطورها في كل الاتجاهات، لا يعين مستوى دلاليا واحدا، كما هو الحال مع المؤول المباشر أو النهائي، بل يحيل على مسارات تأويلية متعددة. فالسيرورة التدليلية، كما يتصورها بورس، ليست فعلا كليا، بل هي مستويات، والمستويات هي إحالات جزئية بالضرورة، تشير لحظة تحققها إلى وجود تحققات أخرى ممكنة.

 

وهذا ما يفسر، على سبيل المثال، ولع إمبيرتو إيكو – أحد أبرز من نبه جمهور الباحثين إلى المردودية التحليلية البالغة الغنى التي تشتمل عليها نظرية بورس – بـ” الموسوعة ” و” الانتقاء السياقي ” و”السيناريوهات البينصية” و” الطوبيك” و”التناظر” و” القاموس الأساس” … ، (3) وهي كلها مفاهيم تحيل على تنسيب الدلالة والحد من غلواء التأويل وإدراجه ضمن شروط خاصة. فعلى خلاف بعض التفكيكيين الذين رأوا في بعض إشارات بورس إلى مبدأ ” اللانهائية ” باعتباره يحيل على تصور يرى في التأويل سيرورة لا تنتهي عند حد بعينه، نظر إيكو إلى السميوز وإلى كل المفاهيم المرتبطة بها باعتبارها مبدأ للتعددية لا باعتبارها تأويلا بلا نهاية. فالإحالة عنده، أي سيرورة السميوز، يجب أن تؤدي إلى إغناء نقطة الانطلاق لا إلى نفي أية صلة بها، فالمعرفة التي يستقر عليها التأويل، « بعد تطور كاف للفكر « ( بورس )، هي إغناء للمعرفة التي شكلت نقطة انطلاق سيرورة التأويل. وهذا ما لم يدركه هؤلاء، فقد أوحى لهم مبدأ “اللانهائية” أن الأمر يتعلق بتأويل يستند إلى إحالات لا تحكمها أية غاية، وهذا أمر ينسجم تماما مع منطلقاتهم الفكرية. فالغاية عندهم من أي تأويل هي هذه الإحالات بالذات، فاللذة لا يمنحها مدلول تنتهي إليه القراءة بعد سلسلة من الإحالات، بل مصدرها هذه الإحالات ذاتها.

ولقد كانت هذه النظرة الصاحية حقا مدخلا لعقد مصالحة لم يكن يتوقعها أحد بين نظريات شديدة التباين في المنطلقات والأهداف والمفاهيم. وهكذا وجدنا أنفسنا ننتقل من مقترحات بورس لكي نشرح مفاهيم گريماص، ونرتكز في نفس الآن على مفاهيم جماليات التلقي من أجل استيعاب مفهوم السميوز ومردوديته وعلاقته بفعل القراءة. فبعدما كانت هذه النظريات تنطلق من تصورات تهدف إلى معالجة قضايا نصية ولدتها زاوية نظر بعينها، أصبح من الممكن النظر إلى هذه الزوايا في تكاملها. (4)

ولقد حاولنا عرض مجموع هذه القضايا من خلال الفصول الخمسة المكونة لهذا الكتاب. فقدمنا في الفصل الأول تصورا شاملا عن القضايا التي تثيرها نظرية المقولات باعتبارها هي الأساس الذي سينطلق منه بورس لصياغة مجموع تصوراته النظرية الخاصة بالسميائيات. فدون استيعاب هذا الأساس الفلسفي يصعب فهم الأبعاد الحقيقية للمقترحات النظرية التي يقدمها بورس في هذا الميدان. فهو لا يخفي أن السميائيات في تصوره جزء من المنطق، إن لم تكن مجرد اسم ثان له. ولهذا فالبناء الثلاثي الذي تتميز به العلامة عنده لا يمكن رده إلى رغبة في إضافة عنصر غائب في تصورات أخرى( سوسيرمثلا ) أي المرجع، الذي يطلق عليه بورس الموضوع، بل مصدره مبدأ الثلاثية الذي يحكم إنتاج المعرفة وتداولها. فالإدراك لا يمكن أن يكون نتاج علاقة بين عنصرين، ورد التجربة الإنسانية إلى مبدأ ثنائي هو أمر مخل بنظام هذه التجربة، ولن يؤدي إلا إلى تحديد لحظي ليس له أية قيمة معرفية. ولهذا فإن العلامة، وهي مبدأ أساس في تنظيم التجربة الإنسانية وفهم مضمونها، لا يمكن أن تكون إلا ثلاثية.

وهذا ما حاولنا توضيحه في الفصل الثاني من هذا الكتاب. فلقد ناقشنا في هذا الفصل مسألة بناء العلامة في التصور السميائي الذي جاء به بورس. وفي هذا المجال، حددنا من جهة، مكونات العلامة، وقمنا بتعريف كل مكون على حدة، ثم ناقشنا، من جهة ثانية، بعض قضايا التأويل استنادا إلى مبدأين :

– المبدأ الأول هو مبدأ القصور التمثيلي للعلامة. فالعلامة تحتوي على معرفة مزدوجة : ما هو معطى من خلال التحيين المباشر، وما هو ضمني من خلال هذا التحيين ذاته. وهذه الإحالة المزدوجة هي ما يجعل من القراءة بحثا دائما عن علاقات غير مرئية من خلال التحقق.

– المبدأ الثاني، هو مبدأ السميوز اللامتناهية. فالمؤول ليس عنصرا في البناء العلامي فحسب، بل هو علامة أيضا، وباعتباره كذلك فإنه يحتاج إلي تمثيل جديد يقود إلى خلق علامة جديدة تولد مؤولا جديدا، وهكذا دواليك إلى ما لانهاية. فالمستويات الدلالية التي يشير إليها بورس من خلال تقسيماته الفرعية للمؤول ليست شيئا آخر سوى إشارة صريحة إلى الاحتفاء بتعددية دلالية مصدرها الطابع الناقص لكل فكر.

 

أما الفصل الثالث فقد خصصناه لمناقشة التوزيع الثلاثي للعلامة. وهنا أيضا كانت نظرية المقولات هي السند المعرفي الأساس الذي ارتكز عليه بورس من أجل خلق سلسلة من التنويعات الخاصة بالعلامة. فكل عنصر من عناصر العلامة قد يتوزع على علامات ثلاث، وكل علامة مرتبطة، وهذا هو الأساس، بأثر معنوي بعينه، أو بحكم منطقي خاص. وهذا التوزيع يعد، في تصور بورس، استعادة لمجموعة من الظواهر التي قد لا يستطيع فعل العلامة في شكله العام استيعابها.

أما في الفصل الرابع فقد حاولنا إثارة مجموعة من القضايا الخاصة بالتأويل كما تظهر من خلال بعض قضايا المؤول. فعلى عكس القائلين بأن العلامة لا يمكن أن تستقر على حال من خلال سلسلة الإحالات التي يتحدث عنها بورس، فإننا حاولنا إثبات أن هذه الحركية تعد إسهاما مميزا لنظرية بورس في مجال التأويل. فاللغة نسق يوضح نفسه بنفسه، والمعنى لا يوجد خارج هذه اللغة، إنه موجود من خلال الإحالات وليس مودعا في محفل متعال لا يدرك سره إلا الله.

وناقشنا في الفصل الخامس، من نفس المنطلقات، أي التأويل وقواعده، قضية القراءة والسميوز وموقع محفل التلقي في تصورات بورس. فبورس يصرح، دون مواربة، أن التأويل ممكن حتى وإن غاب الشخص المؤول، فالمؤول (   interprétant ) ليس في حاجة إلى شخص يقوم بالتأويل. من هذه الزاوية حاولنا أن نربط، انطلاقا من مقترحات إيكو، بين الطابع اللامتناهي للسميوز وبين الطوبيك ( ويدل عند إيكو على فرضية سابقة للقراءة ). فلا جدال في أن السميوز لا متناهية بحكم طبيعة الفكر الإنساني ذاته وبحكم تعدد حاجات الإنسان وتنوعها، لكنها نهائية في كل واقعة خطابية مخصوصة. والواقعة الخطابية تستدعي، كضرورة لإنتاج الدلالات، محفلا للتلقي، وهذا المحفل يستند في قراءاته إلى أسئلة مسبقة توجه القراءة نحو غايات دلالية بعينها.

وفي هذه النقطة كانت خلاصتنا أنه لا وجود لقراءة شاملة تستوعب، من خلال مسار تأويلي واحد، مجمل المعطيات الدلالية التي يحيل عليها النص. إن التأويل انتقاء لمسار تأويلي، وهذا الانتقاء هو وليد الطوبيك، أي وليد الفرضيات  الأولى الموجهة للقراءة.

 

وفي ختام هذه المقدمة ننبه القارئ غير المتخصص إلى أن بإمكانه أن يقفز على الفصل الأول، ويباشر القراءة انطلاقا من الفصل الثاني. وسيكون بإمكانه العودة من جديد إلى قراءة الفصل الأول. فلهذا الفصل أهمية قصوى في فهم نظرية بورس السميائية، إلا أنه يتميز، كما هي مجموع كتابات بورس، بنوع من التعقيد والتركيب، ويستدعى استحضار مرجعات فكرية متنوعة لفهم المقاصد العميقة لكل مقترح نظري.

 

                                                     

1 –   Deledalle, ( Gérard ) : “Avertissement  aux lecteurs de Peirce” , in Langages n 58, P . 26

2- انظر           Eco ( Umberto ) : Lector in Fabula , Ed Grasset 1985 , p . 87  — 112

3- إيكو ، نفسه ص 133

4- انظر كتب إيكو الأخيرة :

– Lector in Fabula

– Les limites de l’interprétation

– Interpétation et surinterpétation