سميائيات الصورة الإشهارية

سعيد بنگراد
مؤلفات
9 سبتمبر 20207 مشاهدة
سميائيات الصورة الإشهارية

سميائيات الصورة الإشهارية

الإشهار والتمثلات الثقافية

 

مقدمة

لا نود الحديث في هذه المقدمة عن الدور الاقتصادي للإشهار، ولا عن موقعه ضمن آليات التسويق وآثاره في الاستهلاك وكل العمليات التي يحيل عليها النشاط الاقتصادي بواجهاته المتعددة، فتلك قضايا هامة في سياقات أخرى غير سياقنا هذا، فالمقالات التي يضمها هذا الكتاب لا تعير كبير اهتمام لقضايا الربح والخسارة والادخار والتنافس، على الرغم من اعترافنا الصريح بوجود روابط حقيقية بين هذه الأنشطة وبين رغبات المستهلك الواعية واللاواعية. ومع ذلك، وعلى الرغم من تباين أهداف التحليلين، فإن القضايا التي نتناولها في هذا الكتاب تعد الواجهة غير المرئية لعمليات الإنتاج والتسويق والاستهلاك، أو هي الوجه الخفي لعمليات التكييف الفردي والجماعي التي تقود إلى ” الشراء ثم الشراء والمزيد من الشراء” على حد تعبير هاس (1).

وهذا أمر بديهي، فالغاية من الدعاية الإشهارية هي الربح، ولا يشكل الاحتفاء بالإنسان والعالم المخملي الجميل الذي يعد به الإشهار سوى وسائل غير مباشرة للبيع وترويج البضائع. وعلى الرغم من بداهة هذه الحقيقة، فإن هذه الغاية لا تكشف عن نفسها أبدا بشكل صريح، فلن نعثر أبدا على وصلة إشهارية تقول لنا علانية: اشتروا الـمُنتج “س” فهو أنفع لكم وأجدى لحياتكم. فتلك حقيقة لا تساعد على البيع، لأنها تعزل الـمُنتج عن محيطه القيمي وتحوله إلى مادة استهلاكية بلا قلب ولا روح.

وهذا ما يتضح من بناء الإرسالية الإشهارية ذاتها، فهي تستند إلى ازدواجية في التدليل تجعل الـمُنتج يتأرجح بين مظهر مادي هو موضوع الاقتناء وهدف الإشهار، وبين الكون القيمي الذي يختزنه هذا الـمُنتج ويعد رمزا له. فما يعود إلى وجهه المادي يشكل المعنى المباشر المعطى مع فعل الترويج ذاته، إنه حرفي ونفعي ومباشر. أما ما يعود إلى الوضعية الإنسانية التي تتجسد داخلها القيم الإنسانية، فإنه يشكل المعنى الإيحائي المتواري في ثوب الفرجة الحياتية التي تخبئ داخلها الإرسالية الإشهارية مراميها الحقيقية. وتتحدد وظيفة هذا المعنى الثاني في تطبيع المعنى الأول وإضفاء طابع البديهية عليه، بحيث يصبح اقتناء هذا الـمُنتج أو ذاك هو اقتناء لقيم بعينها، وهو أيضا التصريح بالانتماء إلى طريقة في العيش تتضمن نوعا من التصنيف الاجتماعي (2).

ذلك أن الاقتصار على الدعوة الصريحة إلى شراء الـمُنتج واستعماله، معناه جهل أو تجاهل لما يعتمل داخل الإنسان شعوريا ولا شعوريا. فالمستهلك لا ينجذب إلى هذا الـمُنتج لأنه الأنفع والأجدى من غيره، إنه يفعل ذلك لأن هذا الـمُنتج يقدم نفسه للمستهلك بطريقة أجمل وأذكى من غيره أولا، وثانيا لأن فعل الشراء ذاته تتحكم فيه مجموعة من الصور النمطية الثاوية في الدهاليز المظلمة للاشعور، وهي التي تملي توجيهاتها لحظة الشراء، وتدفع المستهلك إلى اقتناء هذا الـمُنتج دون ذاك.

وهذا ما تدل عليه الاستراتيجية التي تعتمدها الإرسالية الإشهارية ذاتها في صياغة مضامينها وطريقة عرضها. فهي لا تكتفي بعرض الـمُنتج، بل تستفرد بالمستهلك الفرد وتعزله عن غيره باعتباره ” أنا” مميزة تعيش وسط ملكوت فريد، وبهذا فهي” تخلق بينه وبين أمثاله وضعا تنافسيا، إنها تقول له: كن أكثر غنى، أكثر حظوة، أكثر سعادة، كن محبوبا أكثر، أبيض أكثر، كن أحسن من أي كان (3).

وعلى هذا الأساس، فإن ما تقدمه الإرسالية الإشهارية ليس الـمُنتج، إنها تبشر بانتماء إلى قيم تحدد للفرد وضعا اجتماعيا يميزه عن الآخرين أو يوهمه بذلك. ويذكر جاك سيغيلا (4) أنه ذهب في بداية عهده بصناعة الوصلات الإشهارية إلى السيدة باطا – وكانت امرأة في الخامسة والستين من عمرها- وعرض عليها مشروع وصلات إشهارية تركز على الأحذية بعيدا عن كل الإيحاءات التي يمكن أن تثيرها الأقدام ( الإيحاءات الجنسية منها على الخصوص). ولم يعجبها الأمر ونظرت إلى وصلته نظرة ازدراء، ويقول سيغيلا معلقا على موقفها هذا: بعد أن نظرت تلك السيدة مليا إلى المجسمات التي وضعتها بين أيديها قالت لي: “اسمع أيها الشاب لا يمكنني أن أتعامل معك أبدا، فبائع الأحذية لا يبيع أحذية، إنه يبيع أقداما جميلة”.

ويضيف سيغيلا قائلا: (5) “لقد أدركت تلك السيدة سر اللعبة، لقد كنت مخطئا، ولم أفطن إلى ذلك إلا لاحقا، حين اتضح لي أن الـمُنتج لا يقود في غالب الأحيان إلى الشراء”. فالبيع والترويج والدعاية عمليات لا تقتصر على عرض سلعة وتعداد محاسنها، فهذه العناصر وحدها ليست كافية لإقناع المستهلك باقتناء هذا الـمُنتج أو ذاك. إن الإشهار هو في المقام الأول استنفار لطاقات انفعالية مبهمة داخل الذات المستهلكة، وتعتبر القدرة على استمالة هذه الانفعالات إحدى الوسائل الأساس لنجاح الإرسالية الإشهارية.

فكما أن الـمُنتج ليس كيانا ماديا مفصولا عن العالم الإنساني، فإن المعنى لا يوجد في الواقع ولا يسكن الكائنات والأشياء. إن المعنى في عين الرائي، وعين الرائي هي التي تخلص الـمُنتج من نفعيته ووظيفته لتحوله إلى حلم وجمال ورؤى سحرية. والإرسالية الإشهارية تساعده على فعل ذلك. فهي تحول الأشياء الاستعمالية النفعية إلى أدوات للفرجة والابتهاج، إنها تخلص الأشياء من بعدها النفعي وتحولها إلى حامل لقيم “المسرة” و”المحبة” و”التصالح” و”الطمأنينة” و”الذكاء”.

ولهذا السبب، وأسباب أخرى عرضنا لها في الدراسات التي يضمها هذا الكتاب، فإن ما يثير اهتمامنا في عمليات الترويج لسلع الاستهلاك هو فعل الشراء ذاته لا من حيث مردوديته المالية والاقتصادية، بل من حيث هو فعل ثقافي في المقام الأول. فمع اعترافنا بأن الفرد المعزول هو الذي يتوجه إلى السوق، وهو الذي يقتني ويختار ويدفع الثمن، فإن هذا الفعل لا يمكن أن يُفهم إلا في ارتباطه بالخطاطات الثقافية التي تؤطر السلوك الفردي وتحدد له مراميه وتوجهاته، الخفية منها والمعلنة. بعبارة أخرى، إن الأمر يتعلق بالبحث في الفعل الفردي ذاته عن الدوافع المحددة للسلوك الشرائي الجمعي، أي ما يطلق عليه “اللاشعور الثقافي”، الذي يعتبر التنكر له والكفر به خروجا عن القيم التي تحدد هوية الفرد الحضارية وتشده إلى مجتمعه وثقافته. بل تشده إلى ما هو أبعد من ذلك، فهي تشير إلى ماض نفسي موغل في القدم لا يحضر في الذهن في شكل مضمون زمني ممتد في حقب بعينها فحسب، بل يتخذ شكل رموز مبهمة وصور غامضة ولاواعية. وتُعد هذه الرموز برمجة مسبقة شبيهة بالبرمجة البيولوجية التي تعبر عن نفسها من خلال ردود الأفعال الغريزية.

إن سلوك الإنسان ليس دائما فرديا، ولا يُعَبِّر بالضرورة عن ميل خاص لا تدرك سره سوى الذات الفاعلة، فهذا السلوك قد يكون جزءا من خطاطة ثقافية عامة اعتبرها فرويد “بقايا مهجورة”، أي أشكالا نفسية لا يمكن للحدث الفردي وحده أن يشرحها أو يبررها، فهي تشكل إرثا للذهن البشري” (6). ولقد أطلق يونغ على هذه البقايا “الصور النمطية” أو “الصور الأولية”، وهي صور تكمن وظيفتها في “تنظيم وبرمجة ردود أفعال الأفراد” (7). وعلى هذا الأساس، فإن سلوك الفرد يخضع لبرمجة قبلية غير مرئية وغير مفهومة عقليا، وهي التي “تمكن الفرد من التصرف بطريقة تتوافق مع وضعية ما كما لو أنه سبق أن عاشها” (8).

ويمكن أن نسوق في هذا المجال مثالا يوضح هذا الأمر. فقد حاولت بعض المؤسسات الفرنسية المنتجة للجبنة (fromage) أن تجد لها موقعا في السوق الأمريكية، وقامت من أجل ذلك بحملة دعائية كبيرة لمنتجاتها ( لا يجادل أحد في جودة منتجات فرنسا في هذا المجال). وباءت الحملة بالفشل وأصاب البضاعة كساد كبير.

لم يكن سبب هذا الفشل تقصيرا في الدعاية ولا عيبا في الـمُنتج ولا نقصا في مستوى عيش الأمريكيين، بل يعود إلى اختلاف الصور النمطية التي تتحكم في عالم الاستهلاك في البلدين، وهي أمور لا تدركها الذات المستهلكة بشكل مباشر، ولا يمكن معاينتها في فعل الشراء ذاته. إن الصور النمطية الثقافية هي” نموذج للمرجعية الثقافية اللاواعية التي تختزن شحنة انفعالية قوية (…) وهي ما يحدد الإدراك وردود الأفعال غير العقلانية”(9). فماذا حدث إذن ؟ من المعروف أن الجبنة المخمرة عند الفرنسيين، كالكامومبير مثلا ( camembert )، لها قيمة كبيرة، وتستهلك وفق طقوس بعينها، فكلما ازدادت خميرتها، ازدادت قيمتها ولذ استهلاكها. وهناك في السنن الثقافي الفرنسي ما يؤكد ذلك، فالفرنسيون ينظرون إلى” الجبنة باعتبارها كائنا حيا، ولها قيمة عاطفية كبيرة، وهناك الكثير من الوصلات الإشهارية (…) التي تؤكد الروابط الموجودة بين الجبنة واللذة والحب العائلي والصداقة وحب الوطن” (10).

وعلى النقيض من ذلك ما يحدث في أمريكا. فالجبنة هناك يجب أن تكون معقمة بالضرورة، وملفوفة في غطاء من البلاستيك لتوضع في الثلاجة وتستهلك بعد ذلك، ذلك أن الأمريكيين ينظرون إليها كما ينظرون إلى أية جثة تودع في مستودع الأموات، وكل حملة دعائية، وكل مُنتج لا يحترم هذه المعايير مآلهما الفشل(11). وهذا الاختلاف في تصور الجبنة وتهييئها وطريقة استهلاكها هو الذي جعل الجبنة الفرنسية غير قادرة على أن تجد لها موقع قدم في السوق الأمريكية.

استنادا إلى هذا يمكن الحديث عن “مستهلك ثقافي ” (12) يشتغل كنموذج وجداني عام تتحقق من خلاله كل النسخ الاستهلاكية الفردية. ومعنى هذا أن مصمم الوصلات الإشهارية لا يقف عند حدود رصد الحاجات الاستهلاكية المباشرة، بل يبحث في “اللاشعور الجماعي” عن الرغبات الدفينة غير المعلن عنها مباشرة من خلال السلوك الفردي، وتحديد طبيعتها وطرق تجلياتها الممكنة ( ما عبرنا عنه أعلاه بالانفعالات المبهمة ).

وعلى هذا الأساس، فإن الإشهار ليس إقناعا بالمفهوم المنطقي للكلمة، وهو ليس كذلك حتى بالمعنى الذي يحيل عليه الحس السليم. إن الإشهار يمتلك أسراره الخاصة وله آلياته في مخاطبة الفرد المستهلك واستدراجه إلى شراك فعل الشراء الذي لا ينتهي.

ولقد أطلق أحد المختصين في ميدان التواصل الإشهاري تعبير ” الإقناع السري” (13) على هذا النوع من التواصل، ليميزه عن غيره من حالات التأثير على الآخر بهدف إقناعه بشيء ما. ويمكن النظر إلى “الإقناع السري” باعتباره “قرصنة” تستند إلى رد فعل انفعالي يتم في غياب آليات التفكير العقلي. فبينما يحيل العقل على حالات وعي تعبر عن صفاء ذهني يراقب الفعل ويحد من غلوائه، وإليه يستند الإنسان من أجل التمييز بين الكائنات والأشياء وتصنيفها والحكم عليها، يتميز الانفعال بإثارته لردود أفعال “عفوية” غالبا ما تستمد مضامينها الحقيقية من اللاشعور وقدرته على تجاوز الحدود التي ترسمها “الأنا” الواعية بنفسها وأفعالها.

وبهذا المعنى، فإن “الإقناع السري” يعمل على تحييد حالات الوعي هذه، ليبحث في النفس الإنسانية عن السبل المؤدية إلى تعطيل أدوات المراقبة “لتحرير الفعل من قيوده”(14)، والدفع بالفرد إلى عالم الاستهلاك متحررا من كل الضغوط التي تفرضها المراقبة العقلية.

وعلى عكس “الإقناع الصريح “، أي ذلك الذي يبلور حججا وبَيّنات ومقدمات للبرهنة على صحة قضية ما، فإن “الإقناع السري” له طرقه الخاصة للوصول إلى غاياته، ذلك أن “الجهود التي يبذلها الإشهاري للوصول إلى لاوعينا هي مجهودات غير مرئية ” (15) . فهذا الإقناع قائم في الأساس على أساليب لا تدركها العين المجردة، ولا يكشف سرها الإدراك الواعي، إنها تختفي في ثوب الإيحائي والاستعاري والضمني. ولهذا السبب تتجنب استثارة الفعل الواعي لكي تتسلل، في غفلة من المستهلك، إلى عالم اللاشعور حيث تعشش الصور النمطية التي تحدد لنا في غالب الأحيان ردود أفعالنا وأنماط سلوكنا التي تبدو لنا، ولغيرنا، أنها على جانب كبير من العقلانية.

استنادا إلى هذا، تكون غاية الإشهاري هي السيطرة على اللاشعور أولا، فذاك هو السبيل الوحيد نحو توجيه سلوكنا وتنميط ردود أفعالنا بالاعتماد على مجموعة من المسبقات الاجتماعية التي نرتكز عليها في الشراء والاستهلاك، وهو ما يعني ضمنيا الدعوة إلى الانخراط في “نمط معين للحياة” تثمنه الأحكام الاجتماعية وتُعلي من شأنه التصنيفات الثقافية.

وهذا أمر بالغ الأهمية، فتكييف السلوك الإنساني وفق الحاجات الحياتية المتنوعة ( الوهمية والحقيقية على حد سواء) مرتبط بحقيقة ردود الأفعال الإنسانية ذاتها التي يُنظر إليها عادة على أنها “ردودا محددة بشكل سابق” (16). وأحيانا تكون ردود الأفعال هذه مدرجة ضمن سلوك أسطوري لا نعي كنهه ومراميه بشكل عقلاني. ولهذا، “فإن الأساس الذي تقوم عليه أساليب الإقناع الإشهاري، سواء تعلق الأمر بالدعوة إلى تناول مشروبات كحولية أو تعلق الأمر بالدعوة إلى مذهب فلسفي، هو العمل على تحرير ردود الأفعال هذه عن طريق الكلمات والرموز، أو أي فعل يلعب دور المنبه” (17).

وهذا ما يمنح الأدوات البلاغية دورا هاما في تسهيل التسلل إلى المناطق المظلمة في وجدان المستهلك، وتكييفها وفق غايات الإشهاري. بل تقوم هذه الأدوات بأكثر من ذلك، فهي تعمل جاهدة على تحييد الرقابة العقلية وتعطيل دورها الواقي. فالشاعر الذي يرقد داخل كل مستهلك (18) يقتضي التخلي عن الإحالة على مُنتج عار من كل غطاء قيمي أو جمالي لإثارة عوالم يسكنها الحلم والشعر والأسطورة والمخيال، وهي عناصر كافية لتعويم المعنى وإدراجه ضمن اللاتحديد التدليلي الذي يميز كل قول استعاري يسعى إلى استثارة قيم جمالية لا تتقيد بالنفعي وحدوده. وهو أمر يبرره الامتداد في شكل الوجود، فاللامتناهي يفترض بالضرورة عدم الوقوف عند مدلول بعينه، ذلك أن القول الاستعاري لا يحيل على معنى جاهز ومعطى بشكل سابق على المتلقي، إنه قول يكتفي بتأجيج انفعالات ستقضي زمنا طويلا في البحث عن حالة من حالات التجسد اللامتناهية.

وعلى هذا الأساس، قد لا تحتاج الإرسالية الإشهارية إلى تحديد خصائص الـمُنتج وتعداد مزاياه ووظائفه، لتكتفي بعرض وضعية إنسانية تحيل على حالة مثلى، حيث يعم الهدوء والطمأنينة والسعادة والرخاء، ويتحول وجود الـمُنتج إلى رمز نستحضر من خلاله عالما ينتفي فيه الحزن والشقاء والعنت وكل ما يكدر صفو المرأة في مطبخها، والرجل في عمله، والشاب في لحظات عشقه وانطلاقه والطفل في حالات لهوه وعبثه.

وهذا ما يفسر حضور الـمُنتج ضمن وضع إنساني. فكل مناحي الحياة حاضرة في صياغة مضمون الإرسالية الإشهارية، ما يعود إلى الحواس الخمس: الذوق والشم واللمس والسمع والبصر، وما يعود إلى الدين والأخلاق والعادات، وما يشير إلى لذات الجسد وعوالمه المخملية. وتلك هي القوة الضاربة للوصلات الإشهارية التي تقدم نفسها على أنها تمثيل وإعادة تمثيل لحالات “مألوفة” لدى مستهلك تعمي ناظريه سرعة التقديم وتقنيات الصورة وبداهة الكائنات والأشياء.

استنادا إلى هذا، فإن ما تقدمه الوصلة الإشهارية ليس كيانا معزولا، ولا حالة مفردة تملك خصائص لا يمكن العثور عليها في غيرها من الحالات، فكل العناصر “الممثلة في الصورة تحيل على النوع الذي تنتمي إليه من خلال فعل كنائي ضمني. فالفتاة التي تحتسي مشروبا مثلا يُنظر إليها باعتبارها تحيل على كل الفتيات” (19). وهذا أمر بالغ الأهمية في التواصل الإشهاري، فالنموذج الممثل يجب أن يظل مجهولا، ويجب ألا يثير حوله أي اهتمام، فالذي يجب أن يحضر في الإرسالية هو العوالم التي تثيرها هذه الفتاة بحيث تصبح هي التحقق الممكن للفتاة التي يحملها كل مستهلك في وجدانه. ولهذا السبب، عادة ما تكتفي الإرسالية بالتقاط لحظة حياتية “عادية” تمثل لمجموعة من الشبان في حالة “إشراق”، وتسقط من خلال هذه اللقطة نموذجا حياتيا يمثل حالة مثلى يحلم بالتماهي فيها كل شاب وشابة.

يمكن القول إذن “إن الإحالة على حالة معزولة معناه الإحالة على ما يمكن النظر إليه باعتباره قيمة مَثَلِية، أو حجة تمتلك سلطة قوية، لأنها تكون دائما مسبوقة بتلك العلامة التي يطلق عليها في المنطق “المكمم الكوني(quantificateur universel  (، فعندما يوضع هذا المقوم بجانب الرمز ” س”، فإنه يجعل هذا “السين” دالا على كل “السينات الممكنة “. يستند هذا الميكانيزم إلى سيرورة سيكولوجية للتعرف ( فهي من هذه الزاوية سيرورة خارج -سميائية)، إلا أنها غير ممكنة إلا في حدود وجود أدوات بلاغية تجعل من الحالة المعزولة حالة دالة على الكونية” (20).

وهذا ما أشرنا إليه سابقا ونحن نتحدث عن القول الاستعاري الذي يستند إلى أدوات بلاغية لها وقع خاص داخل الواقعة الإبلاغية. فالصيغ التعبيرية في هذه الحالة- وفي جميع الحالات- توحي بالشيء ولا تُعينه، وتُلمح إلى القيمة ولا تذكرها، وتصف الحالة وتُنكرها، موكلة للاشعور مهمة استيعاب حدود المبهم والغامض والملتبس. وهذا ما يجعل الصورة البلاغية قوة مدمرة أو سلاحا فتاكا تتحدد مهمته الأولى في “جعل التواصل الإشهاري أكثر قدرة على الإقناع” (21). وهو ما يبرر استعانة الوصلات الإشهارية بالغناء والرقص، وهو ما يبرر أيضا استعمال السجع والكلام الموزون المقفى.

إلا أن هذا النمط من الإقناع قد لا يكتفي بالوصف الاستعاري للحاجات الحياتية، كما لا يقف عند حدود الإحالات الضمنية على عوالم يوحي بها الـمُنتج أو يلمح إليها. إنه يقوم بهذا وأكثر من ذلك، إنه يقوم بتحديد بؤر فعله من خلال الوجود الإنساني ذاته، أي الاستعانة بجسد الإنسان كله: ظله وعيناه وأنفه ووقوفه وجلوسه واسترخاؤه وحيويته. إنه يقوم بذلك من أجل رسم خطوط سيرورة دلالية بالغة الغنى والتنوع تتجاوز التحديد الوجودي المحايد للكائن البشري لتتحول كل منطقة في الجسد الإنساني إلى لحظة تواصل لها إحالاتها الانفعالية المتعددة المشارب والتجليات.

ويكفي أن نشير في هذا المجال إلى كل الدلالات التي يمكن الحصول عليها من خلال التنويع في الوَضْعات  ( poses)، أو الحضور الجسدي ( الزوايا والخطوط والنظرة )، لندرك أن الإنسان لا يدل في الصورة من خلال “إنسانيته” المطلقة، ولا يدل من خلال كلية جسده، بل يفعل ذلك من خلال “وظيفية جسدية” تتزيى بكل ما يحيل في الجسد على الإثارة الجنسية، وذلك من خلال التركيز على مناطق ونتوءات وهضاب ومنحدرات، بعضها مرئي وبعضها الآخر من إبداع الاستيهامات التي يوحي بها التمثيل البصري. وعلى هذا الأساس، فإن إدراك الصورة يستدعي بالضرورة تقطيعا للمدرك ذاته، وهو تقطيع تقوم به الذات المبصرة في أفق تشكيل وخلق موضوع لنظرتها وتكييفه وفق حاجاتها المتنوعة (22).

إن الجسد من خلال حالات تفككه هذه يُولِّد معطى انفعاليا وغريزيا وثقافيا عاما لا يدرك إلا من خلال الأجزاء. وبالعودة إلى هذه الأجزاء نُدرك التفاوت الموجود بين كل عضو في القيمة التعبيرية والموقع والحجم. فكل عضو من هذه الأعضاء يتحدد من خلال الاستعمالات: هناك الاستعمالات العملية ( النفعية )، وهناك الاستعمالات الغريزية، وهناك تلك التي تحيل على العوالم الثقافية/الأسطورية. فالجسد، باعتباره بؤرة لتجلي العملي والغريزي والوظيفي، وباعتباره منطلقا لتجليات الأسطوري/الثقافي يعيش، بشكل دائم، تحت التهديدات المستمرة للاستعمالات الاستعارية ( الإيحائية ). إننا من خلال هذه الاستعمالات لا نقرأ الحركة ولا نقرأ الإيماءة، ولا نقرأ الترابطات المحلية المرئية لهذه الحركات والإيماءات، ولكننا نقرأ فقط النصوص التي تولدها هذه الحركات (23).

وليس غريبا أن ننتقل، ونحن نتأمل الجسد، من الأبعاد النفعية لكي نستحضر الأسطورية منها، ونعود من جديد إلى ما يأوي الأبعاد الحسية /الجنسية. فنفس الجسد ( ونفس البناء ) قابل لأن يتكيف مع الاستعمالات التي يفرضها الوجود المسبق لتقسيم له علاقة بأحكام بعضها نتاج تصنيف علمي وبعضها الآخر وليد مواقف اجتماعية ثقافية، وما تبقى يدخل ضمن دائرة الأحكام العنصرية المستندة إلى العرق أو الدين أو اللون ( تستعين بعض الوصلات الإشهارية بالإنسان الأسود للإحالة على القوة الجنسية وحرارة الجسد، لأن الأسود في عرف الغربي لم تلوثه الثقافة بعد وهو ما يزال قريبا من الطبيعة) (24).

وفي هذا المجال أيضا لسنا بعيدين عن الصور النمطية التي تحدثنا عنها في الفقرات السابقة، تلك التي اعتبرناها الأساس الذي ينبني عليه “الإقناع السري”. فالنظر إلى الجسد باعتباره يحيل، من خلال نمط بنائه، على التركيبة العقلية والانفعالية والحسية /الجنسية هو الذي يفسر مجمل الصور الخاصة بالجسد النسوي التي تمطرنا بها الوصلات الإشهارية. ولقد تم منذ القدم الحديث عن تقسيم ثلاثي يشير إلى مراتب النفس البشرية وأنماط تجلياتها، وهي المراتب التي تشكل الكيان الروحي للإنسان في مقابل الكيان الجسدي “اللحمي”.

ولقد أشار أرسطو إلى هذا التقسيم من خلال تمييزه بين ثلاثة أنواع من الأنفس، ترتبط كل نفس عنده بملكة معينة. فهناك أولا “النفس المفكرة” ( âme pensante )، وهي الأساس الذي ينبني عليه التفكير العقلي. وهناك “النفس  النبوتية” (  âme végétative  ) التي تنتج التغذية والنمو والتوالد. وهناك في الأخير ” النفس الحسية” ( âme  sensitive)، وهي المبدأ المنظم  للانفعالات الحسية ( 25).

وتشكل هذه الأنفس الثلاث الأساس الذي يقوم عليه سلوكنا الحسي والفكري، وإليها أيضا تستند بعض التيارات التي تصنف السلوك الإنساني اعتمادا على ما يقدمه المظهر الخارجي للشخص أو ما يسمى في العربية: الفراسة، وهي المقابل لما يطلق عليه في الفرنسية:  ” physiognomonie “. ولقد صاغ لافاتار ( G G Lavatar)، وهو أحد المختصين في هذا المجال، تصوراته انطلاقا من هذا التقسيم بالذات. ” فبؤرة الحياة الحيوانية، تلك التي توجد في الأسفل، وفيما هو محاذي للأرض، هي البطن والأعضاء التناسلية التي تعد مركزها الرئيس. أما الحياة المتوسطة أو الأخلاقية فموطنها الصدر والقلب. في حين يُعد الرأس بؤرة الحياة العقلية التي تعد أهم الحيوات جميعا ” (26).

ودون أن ندخل في نقاش حول أصالة هذا التقسيم ودرجة علميته، فإننا، مع ذلك، لا يمكن أن نتجاهل أن جزءا كبيرا من أحكامنا- وهي أحكام تنتمي في غالبيتها إلى التجربة المشتركة- تستند إلى هذا التوزيع الثلاثي. فالرأس مرتبط في أذهاننا بالعقل، والقلب مرتبط بالعاطفة والحنان، أما ما تبقى فهو مزيج من الأفعال الحسية، البعض منها مرتبط بالتغذية، والبعض الآخر يشير مباشرة إلى العوالم الجنسية. بل أكثر من ذلك، فحسب لافاتار دائما، يمكن أن تخضع كل منطقة من هذه المناطق لتقسيم ثلاثي جديد. وسنكتفي هنا بالإشارة إلى المنطقة العليا، أي منطقة الرأس. فهذه المنطقة تتوزع على الأنشطة التالية: فأعلى الرأس، الجبهة فما فوق، مرتبط بالتفكير العقلي، أما المنطقة الممتدة من العينين إلى أسفل الأنف فتشير إلى الدينامية والحيوية، أما المنطقة المحيطة بالفم فتشير إلى الحيوية الحسية (27).

ويضاف إلى هذا التقسيم الثلاثي التنويعات الدلالية الناتجة عن النمط الخاص بتجليات الأجزاء وأشكال تحققها، فالدلالة ليست محايثة للعضو، ولا تنبعث منه بشكل تلقائي، فالعضو نفعي في أصله واشتغاله، أما دلالته فهي نتاج الاستعمال الثقافي له. وهكذا، فإن الأشكال التي يرسمها العضو هي التي تحدد مضامينه: الكتفان اللذان يرسمان زوايا قائمة تشيران إلى الصرامة والعقل والمنطق، وخصلات الشعر المترامية على شكل خطوط متعرجة مترامية في كل الاتجاهات تشير إلى الأنوثة والحنان، وكذلك الأمر مع العينين وشكلهما وشكل النظرة المنبعثة منهما.

وما يهمنا بالأساس هو الاستخدام الإشهاري للجسد واستغلال مناطقه تلك من أجل توجيه العين والوجدان وجهة تحقق إحدى الملكات المشار إليها أعلاه. فالثابت أن الصورة تحين فعلا أو تحين رغبة أو تحيل رمزيا على نشاط عقلي ( وهذه الحالة نادرا ما تتحقق في الصورة الإشهارية)، وتحيين هذه الملكات مرتبط بانتقاء ما يجب أن يحضر في الصورة وما يجب أن يغيب ويتوارى، فالرغبة موطنها العينان والشفتان والنهدان وما يوجد تحتهما، أما الرأس فدليل على الواجب والنفعية والروتين.

وليس غريبا أن تنبهنا المجلات المختصة في أدوات التجميل وقاعات التدليك إلى أن الجسد يمتلك خارطة للحنان وأخرى للقسوة وثالثة للامبالاة، ويكفي أن نتعرف على هذه الخارطة لكي ندرك الطاقة التعبيرية التي يتوفر عليها الجسد. وذاك هو السر الذي اكتشفه صناع الوصلات الإشهارية واستثمروه إلى أقصى الحدود واستعملوا في ذلك جميع الأساليب التي تتيحها الصورة.

فهذا الجسد الذي يتم التعامل معه باعتباره أرضا بكرا، أو باعتباره متاعا لا قيمة له إلا في ذاته، في حاجة إلى استكشاف للبحث داخله عن مظاهر السعادة والصحة والجمال، وهو ما يؤدي في النهاية إلى استثارة الرغبات الجنسية الدفينة في وجدان مستهلك يبحث في ذاكرته عن كل اللذات الممنوعة. وهكذا لم يعد لمقولات “الروح” و” جمال النفس” و”الأخلاق النبيلة” وما شابهها أية قيمة، فهذه المقولات لا تمتلك أية مردودية في سوق الاستهلاك، فالجسد لا يحتوي على روح أو نفس، إنه موضوع يقدم للآخر من خلال خصائص ومقومات مرئية تدركها العين المجردة.

إن هذا التصور “الماهوي” للجسد كما يتجلى في سوق الإغراء بعيدا عن العوالم “الروحية” والجمالية”، غير “اللحمية” يُلقي الكثير من الأضواء على الطريقة التي يتعامل وفقها الإشهار مع الجسد الإنساني، والأنثوي منه على الخصوص. فهو يرى فيه إما موضوعا يحمل غايته في ذاته وهو ما يفسره تنامي الاهتمام بالجسد وعوالمه ( المواد التجميلية المتنوعة، أو المواد الاستهلاكية التي تحافظ على صحة الجسد ورشاقته )، وإما أداة يُروج عبرها لمنتجات تحيل على نمط في العيش ونمط في الحياة.

ولقد أشار بودريار إلى مفارقة غريبة في تاريخ التحكم في السلوك الإنساني وتوجيهه من لدن المؤسسات بكل أشكالها الدينية منها والسياسية والاجتماعية. فعبر هذه المؤسسات “حاولوا فترة طويلة إقناع الناس أن لا جسد لهم ( ولم يفلحوا أبدا في مسعاهم )، أما الآن فيحاولون بجميع الوسائل إقناعهم بضرورة الالتفات إلى أجسادهم” (28). وغرابة هذا الموقف هي التي تؤكد، عكس ما قد نتصور، ” أن بداهة الجسد لا يمكن أن تنسينا أن هذا الجسد هو واقعة ثقافية” (29) قبل أن يكون كتلة من اللحم والشحم. “فعلاقة الناس بأجسادهم تعكس، في كل الثقافات، نمط العلاقة التي تربطهم بالأشياء كما تحدد نمط علاقاتهم الاجتماعية ” (30).

إن الجسد ( جسد المرأة بطبيعة الحال) هو “الحدود وهو الحس السادس أيضا”، على حد تعبير إحدى المجلات المتخصصة في شؤون المرأة، إنه شيء آخر غير ما تراه العين، إنه لا يعطى، فهو دائما في حاجة إلى كشف واستكشاف. لهذا لا يمكن التعامل معه كما نتعامل مع موضوعات اليومي والمألوف، إنه طاقة تعبيرية، أو هو خزان “للحنان”، والحنان لا يُرى، إنه ما يتبقى عندما يتخلص الجسد من أبعاده الوظيفية ودوائر النفعي والغريزي فيه.

ولهذا السبب، فإن هذا الجسد ليس جسدا بالمعنى الحقيقي للكلمة، إنه “موضوع إيروسي”، على حد تعبير جان بودريار، فما تقدمه الصورة ليس هو الجسد الذي نصادفه في الشارع والمطبخ والمعمل والحقل، وليس حتى ذاك الذي نداعبه بلذة وشوق في السرير، إنه جسد ” مُصفى” نُزعت عنه كل المناطق النفعية ليصبح دالا على وظيفة واحدة هي الوظيفة الإيروسية، أي منتجا للاستيهامات أو مهيجا أو مثيرا للرغبات. ويحيل بودريار على نداء غريب بثته مجلة  EllE، وهي مجلة متخصصة في الشؤون الجسدية للمرأة، تصف ما تسميه “خارطة الحنان” في الجسد. وهو نص، كما سنرى، يرشح بنرجسية قد تصل حد المرض أحيانا، لأنها نرجسية موجهة نحو غايات بعينها، كما يلاحظ ذلك بودريار، فجمال الجسد مرتبط بمردوديته في سوق الجاذبية والإغراء. يقول النص :

” تمددي على الأرض، افتحي ذراعيك، وداعبي بأصابع يدك اليمنى ذلك الخط الصاعد من البنصر على امتداد ذراعك والممتد من المرفق إلى الإبط. وهناك خط آخر شبيهه موجود على طول ساقيك. إنها خطوط الحساسية، خريطة الحنان في جسدك. وهناك خطوط أخرى للحنان: إنها تمتد على طول العمود الفقري، وهي موجودة في رقبتك وفي بطنك وكتفيك … وإذا كنت تجهلين وجود هذه الخطوط، فستنتاب جسدك حالة كبت، تماما كما هي حالة الكبت الذي تُلم بالنفس. إن مناطق جسدك التي لا تسكنها الأحاسيس، ولا يزورها ذهنك، هي مناطق مهملة ” (31).

وبعد تقديم هذه “الحقائق العلمية” الخاصة بالجسد الأنثوي، تقترح المجلة الـمُنتج الذي سيساعد هذه السيدة على اكتشاف جسدها من جديد لتحبه ولتحنو عليه وتداعبه كما تداعب طفلها… لتعود من جديد إلى حالة حب ذاتي نرجسي لم يفلح حب الأبناء والزوج في إغفال وجوده.

وما يلاحظ في هذا النص وغيره من النصوص التي تتغنى بجمال الجسد الخالد هو غياب الإشارة إلى المنطقة التي تتحدث عن العقل والتفكير والبرهنة، فما هو أساس في الجسد هي “خارطة الحنان”، أي “مقومات الإغراء والجاذبية”. وهو ما يجد بؤرته الجسدية في مناطق سبق أن أشرنا إلى موقعها وطبيعتها ( فتاة تتلذذ بامتصاص قطعة شوكولا ولا يظهر في الصورة سوى حركات الشفاه، لأن الأساس في الصورة ليس الشوكولاطا، بل الملذات التي تثيرها الشفاه عند المستهلك ).

وهذا ما لا يصدق على الجسد المذكر. فبينما يتم التركيز في النموذج الأنثوي على الجمال والإغراء والنظر إلى الجسد باعتباره موضوعا للغواية، يركز الإشهار في النموذج الذكوري على المظهر الرياضي، وعلى اللياقة البدنية والحيوية البادية على وجه “موظف كبير ” يتمتع بكل أسباب النجاح الاجتماعي “، فهذا الموظف، الذي يعي بأن نجاحه تحكمه نظرة الآخر، سينظر إلى مظهره الخارجي بأنه هو ورقته الرابحة في لعبته”(32). لكن هذا المظهر لا علاقة له بتناسق الأطراف، ولا علاقة له أيضا بالخصر الضامر أو النهدين الكاعبين. إن المظهر في النموذج الذكوري هو الحيوية واللباس ولون البذلة وربطة العنق، وصعود السلم دون أن تحتبس الأنفاس أو يصاب الجسد بالإنهاك.

وعلى الرغم من ذلك لا بد من تنسيب الأحكام والنظر إلى الواقعة الإشهارية بمنظار المحلي والثقافي الخاص. فما تقدمه القنوات التلفزية أو ما تنشره الصحف والمجلات عندنا لا يستعيد بالضرورة الظاهرة في عموميتها المطلقة. فمع اعترافنا بكونية الظاهرة الإشهارية، فهي وثيقة الصلة بنظام اقتصادي آخذ في العولمة وتحطيم كل الحواجز، واعترافنا بالأساليب الكونية للإقناع الإشهاري، واعترافنا أيضا بتشابه أساليب الإشهار في التسلل إلى لاشعور المستهلك وتكييفه مع الحاجات الجديدة، فإننا لا يمكن أن نتجاهل الوقائع المخصوصة. إن وجدان المستهلك المحلي وطريقته في تلبية حاجاته لا تشبه بالضرورة الطريقة التي  يُستدرج من خلالها وجدان المستهلك الغربي إلى إشباع رغباته. بل إن نظرة المستهلك إلى نفسه وإلى الآخر تستند أحيانا إلى فعل الانتقاء ذاته. فالاستجابة للحاجات لا تسلك دائما السبيل نفسه، كما أن القناعات العقائدية والفكرية لا تعبر عن نفسها بصفاء ونقاء، كما يتصور البعض أو يحاول أن يوهمنا بذلك. فالحاجات لا تفسر بالانتماء إلى ثقافة أو دين أو أية عقيدة أخرى، إنها معقدة ومركبة، لذا فهي مزيج من كل هذه المظاهر ومظاهر أخرى قد لا ندرك سرها أبدا.

ولقد أشرنا في فصول هذا الكتاب إلى وجود استقطاب ثنائي يعبر في العمق عن نوعين من الحاجات: تلك التي نحتمي بها من أجل الحفاظ على انتمائنا وصيانته وترسيخه، وتلك التي تحقق لنا ما لا تستطيع المؤسسات الاجتماعية الاستجابة إليها بشكل مباشر. وقد حاولنا إبراز ذلك في سلسلة من الأمثلة التطبيقية التي عملت على رصد المحلي وتأكيد خصوصيته من خلال وسائل التمثيل ذاتها، فالمعنى ليس معطى عاما، ولا يوجد في النماذج الكونية، ولكنه ينبثق عن الفعل المخصوص الذي لا يكشف عن دلالاته إلا من خلال استحضار الثقافي المحلي. وأبرز نموذج على ذلك هو ما قدمناه في مقالنا “نساؤهم ونساؤنا”، فقد حاولنا رصد مظاهر وجود “الذات النسائية”، كما يتم تمثيلها في الصور الإشهارية التي تمطرنا بها التلفزة المحلية استنادا إلى نوعين من الحاجات، كل نوع يلبي رغبات لها علاقة بنوعية القيم التي يتم وضعها للتداول.

ولقد قدمنا في هذا المقال ما يشرح ويوضح الكيفية التي تأتي من خلالها المرأة إلى الصورة، وعلاقة هذا الحضور بالمنتجات الموضوعة للتداول من جهة، وعلاقة هذه المنتجات بالقيم التي يتوزع عليه الكون الإنساني. ولم يكن غريبا أن نشير في هذا المجال، ونحن نتحدث عن جسد المرأة وعوالمه، إلى قيم استعمالية تمتزج بالجسد ويرتد إلى حالة “اللاشكل” التي تطبع وجوده وتقدمه خارج الأشكال التي تخبر عن مضامين الإغراء داخله، فالمعنى، كما هو مثبت في كل تصورات التفكير الحداثي، لا وجود له إلا من خلال ما تقدمه الأشكال ( لا نذيع سرا إذا قلنا إن الجلباب والأثواب الفضفاضة وملابس الطبخ لا تغري).

بعبارة أخرى، إن الجسد الأنثوي لا يغري من خلال حالة اللاشكل هاته، فالنتوءات تنتفي، وكذلك الهضاب وكل مناطق الرغبة، ويتحول الجسد في هذه الحالة إلى كتلة يغطي عليها نشاط نفعي يستجيب في غالب الأحيان لحاجات نفعية أولية كالأكل وتوفير خرق للأطفال أو تنظيف الأواني وغرف المنزل وإزالة “الطبايع” من الأثواب ( الأوساخ) التي تغطي طاولات الأكل. إن مردودية الفعل ووظيفيته تنوب عن إغراءاته، فالعين موجهة إلى الفعل الصادر عن الجسد، لا الجسد في ذاته.

ويتعلق الأمر في هذه الحالة بعملية ضبط طوعي للجسد، أو هو انضباط جسدي تتخلى بموجبه المرأة عن فرديتها وأنوثتها وجمالها لتحتل موقعا داخل “مؤسسة” لا تعترف لها إلا بإدارة شؤون صغيرة تخص البيت والتنظيف ورعاية شؤون الزوج والأطفال( أو لا تفعل ذلك علنا على الأقل ). ويتجلى “الانضباط”، بالإضافة إلى ذلك، في الصفات التي تحضر من خلالها هذه الذات داخل الوصلة، فالمرأة في هذه الوصلات هي “أم” أو “زوجة” أو “أخت” أو “جدة” أو “خادمة”، وهي صفات تحيل جميعها على تصنيف مسبق يثمن الدور الاجتماعي والوظيفة النفعية، ويقصي في الوقت ذاته كل ما له علاقة بالذات النسائية التي تعبر عن نفسها من خلال خصائص تتمتع بها هي نفسها دون غيرها.

وليس غريبا أيضا أن نشير إلى قيم أساسية تتشكل من خلالها الذات النسائية كهوية مفردة لها قيمتها في ذاتها من حيث “الرشاقة” و”القد الجميل” و”التناسق بين الأطراف”. فالجسد في هذه الحالات حقيقة حية، إنه كيان تخلده الصورة وتُعلي من شأنه من خلال إبراز مفاتنه، والتركيز على مناطق الرغبة فيه. وهنا أيضا يحضر التوزيع السابق للجسد. فالرأس شعر وجداول بلا ضفائر، والعينان مسبلتان وشفتان تمتصان رحيق الهواء، والصدر نهدان، والبطن يليه حوض فسيح وساقان وما جاورهما.

إن هذه المرأة التي تأتي إلينا مُبشرة بالعطور والزهور وأدوات التجميل تطل علينا من عالم آخر، فهي امرأة لا تملك من “السلع” سوى”جسدها”، لذا فهي لا تعرض منتجا، ولا تدعو إلى استعمال مادة من المواد، وإنما تقدم “مناطق” للرؤية والإغراء والاشتهاء. إنها أعضاء ” تُرى “و”تُسمع” و”توصف” في ذاتها، فهي أصل الرغبة ومنبعها ومنتهاها. وبالإضافة إلى ذلك، فهي امرأة بلا اسم ولا صفة ولا لقب، إنها المرأة في”المطلق”، مستودع للذة ومحراب للتعبد.

لذا فهي لا تستوطن فضاءات تحيل على النفعي أو الوظيفي، إنها في أماكن لا ترى، أو في أماكن تثير ذكريات الربيع الذي مضى، أو الربيع الذي سيأتي، أو تسقط حالات الطبيعة التي تخلصت من نفعيتها ومن كل ما يحيل على الوجود الاجتماعي لتتحول إلى فضاء بِكر يرمز إلى الحنين للعودة إلى أحضان فضاء ممتد في كل الاتجاهات حيث تُصبح المرأة وحدها الحقيقة التي تذكرنا بالخطيئة الأولي، أو تدعونا إلى ارتكابها من جديد.

والخلاصة أن الإشهار في قنواتنا ومجلاتنا ( المجلات النسائية بالخصوص) يحدثنا عن منتج يتحرك خارج كل المدارات الثقافية التي ترسم حدودها الصريحة والضمنية الذات المستهلكة المحلية. فالمنتج عندها ليس حالة وعي، وليس تعبيرا عن ميل من الميولات المحددة للأهواء، أو سندا لنظرة الذات لنفسها وللآخرين، ولن يكون بطبيعة الحال مستودعا للقيم أوخزانا للمفاهيم، إنه يعكس حالة الهجانة الفكرية والحضارية التي نعيشها: جزر حداثية تعيش منغلقة على نفسها في شكل زوايا أو طوائف دينية، ومحيطات من التخلف تدوس على كل مظاهر الجمال بلا رحمة ولا شفقة.

وهذا مثلا ما يعبر عنه بعمق التمييز السابق بين قيمتين: الأولى نفعية والثانية أساسية. إن التوازنات الممكنة بين الحالة التي يمكن أن تكون عليها “النحن” ثقافيا وحضاريا، وبين حضور “الآخر” باعتباره موضوع اللذة القصوى التي تتحقق خارج إكراهات الثقافي المحلي كما يتم تصويره استيهاميا، لا كما يتم تصريفه في الواقع من خلال السلوك الفردي، لا يمكن أن تعيش إلا في أذهان مستهلك تتجاذبه رغبة اللحاق بالآخر والاستمتاع بمنجزاته، والخوف من هذا الآخر ومن نموذجه الحضاري الجارف في الوقت ذاته.

وهذا ما يتجسد في حالات التمثيل للذات النسائية. فالوظيفة المرجعية التي تحيل على المنتج في حالات الاستهلاك النفعي المباشر تستدعي حضور المرأة “المحلية”، بإحالاتها المتعددة على الانضباط الاجتماعي والثقافي الذي تتطلبه المؤسسة جنسيا واجتماعيا. أما الوظيفة الجمالية التي تحتفي بالذات في خصوصيتها، فتجلب نموذجا لا نعرف من حالاته سوى تلك التي تحدثنا عن المتعة المنفلتة من كل رقيب. وبين “النحن” و”الآخر” تنتصب حواجز من طبيعة خاصة. فهي تحتمي بالمحلي من أجل تقديم المنتج النفعي والمباشر، وتستنجد بالآخر عندما تبحث الذات المستهلكة عن بعد آخر لا تسعف الثقافة المحلية في الاستجابة له. ويدخل في هذا طريقة الحضور الأنثوي، باعتباره الأصل في الإشهار ومنطلقه.

وما يصدق على مواد التجميل وتنشيط الجسد واستثارة الرغبات، يصدق أيضا على مواد الاستهلاك اليومي ( الشعبي). ففي هذه الحالة أيضا تخرج الوصلات من قمقمها الحضاري الذي يبشر بعالم حداثي يتغنى بالجسد وأهوائه، لكي يلج الحواري والأزقة الضيقة وحقول الزراعة. وفي هذه الحالة، يحضر نموذج  ثقافي آخر لا صلة له بما يجري في المدن الكبرى وشوارعها الفسيحة ( وهي مدن غريبة عنا، كما أن رجالها وأطفالها غرباء عنا أيضا، والإطار الحياتي الذي تصوره لا علاقة له بنمط عيشنا). وهو ما تصوره الحملات الإشهارية الأخيرة التي ركزت بشكل مثير على المسابقات التي قد توفر للبعض فرصة امتلاك شقة، وتتيح للبعض الآخر فرصة زيارة الديار المقدسة وللبعض الآخر فرصة الزواج من جديد. وفي جميع هذه الحالات لا يحضر المستهلك من خلال خصوصية ذاته، بل يتم تمثيله من خلال إمكانية إحالاته على عالم الاستهلاك النفعي بأحلامه الصغيرة التي لا تتجاوز حلم الفوز ب” موتور” أو عشرة ملايين.

وقد يكون الأمر مقبولا في نظر مصممي الوصلات الإشهارية، فالغاية في نهاية الأمر من الإشهار هي البيع والربح، لا تربية الأذواق وتهذيب النفوس، إلا أن الأمر سيتخذ بعدا آخر، حين نستحضر النموذج الحضاري الذي يتحكم في الإبلاغ الإشهاري ككل ويوجهه. فنحن لا نعثر في هذه الوصلات على “المغرب العميق” الحاضر في أذهاننا في شكل رموز وأطر ثقافية وردود أفعال ونمط في العيش، تماما كما تحضر “فرنسا العميقة” مثلا في وصلات الإشهار من خلال منتجاتها وتاريخها ورموزها الدينية والثقافية. والسبب واضح ولا يحتاج إلى كبير عناء لإدراكه، فأغلب الوصلات الإشهارية تأتينا من الخارج مصممة على مقاس مستهلكين آخرين لهم علاقة ثقافية وثيقة بالمنتج وبالإطار الحضاري الذي يستهلك داخله.

ولهذا السبب، ولأننا توقفنا عن تجديد قيمنا من خلال فعل محلي أصيل قادر على التجدد استنادا إلى ممكنات المعطى الثقافي المحلي ذاته في تفاعله مع القيم الإنسانية الرفيعة، فإن الازدواجية القيمية تبدو جلية من خلال محاولة التوفيق بين المتعي والنفعي استنادا إلى قيم محلية ” أصيلة”، ولكن لا علاقة لها بالسلوك الفعلي للناس، وبين قيم “دخيلة”، “مرفوضة” في الخطاب النظري الاجتماعي والثقافي، ولكنها هي ما نرصد في السلوكات المحلية مع فارق بسيط- مهول- يتمثل في انعدام أية علاقة بين الأساس المادي للسلوك وبين القيمة المؤطرة له، وهو ما يؤدي إلى تفريخ كائنات مشوهة وجدانيا وأخلاقيا وفكريا.

استنادا إلى كل هذه الملاحظات، حاولنا في الفصول السبعة التي يضمها هذا الكتاب توضيح هذه الازدواجية وانعكاساتها على بناء وجدان مستهلك تتجاذبه كل الأهواء. صحيح أننا لم نشر إلى كل القضايا الخاصة بالفعل الإشهاري باعتباره واقعة إبلاغية في المقام الأول، وباعتباره صناعة، وأيضا باعتبار أبعاده النفسية والاجتماعية، إلا أننا حاولنا، من زاوية نظر تخصصنا- أعني السميائيات- الكشف عن آليات وأسرار التدليل باعتباره الوسيلة غير المرئية للتسلل إلى لاشعور ذات تعاني أصلا من كل أنواع الفصام والذهان الدلالي والنفسي.

إن الإشهار، كما حاولنا تبيين ذلك، لا يكتفي بالدعاية لمنتج من خلال تعداد محاسنه ووظائفه، إنه يقوم بأكثر من ذلك وأخطر، إنه ينتج قيما ويوجه أذواقا ويخلق حاجات، وهو في كل ذلك في منأى عن كل رقابة، فهو لا “يكذب” ولا يقول “الحقيقة”، إنه يكتفي بالعرض. وتلك خطورته وقوته الضاربة، إنه يسرب المنتج ضمن وضع إنساني مألوف يتماهى فيه كل مستهلك حيث يصبح اقتناء هذا المنتج أو ذاك أمرا طبيعيا. وهذا ما يضفي طابعا خاصا على الإشهار، “فهو كلام تنبؤي لأنه لا يدعو إلى الفهم ولا إلى التعلم، إنه يدعو إلى الأمل. فما يقوله لا يفترض معرفة سابقة ( تلك الخاصة باستعمال هذا المنتج أو ذاك)، بل يستدعي إثباتا لاحقا يؤكده واقع العلامة التنبؤية التي يُلقى بها إلى التداول. وهنا تكمن فعاليته، إنه يجعل المنتج حدثا مزيفا سيصبح حدثا حقيقيا داخل الحياة اليومية من خلال استدراج المستهلك إلى شراك الخطاب الإشهاري”(33).

إن هذا الحدث هو بؤرة التدليل وعصبه، ومنه تشتق المعاني وتتناسل، وهو أيضا منطلقنا نحو فهم مجمل المعاني، أو بعضها على الأقل، فالمعاني وطرق إنتاجها هي المدخل إلى فهم الذات وتحديد المتاهات الثقافية التي تتحكم في ردود أفعالها، وهي التي تفسر ميولاتها ورغباتها، ولا يمكن أن نتحدث عن الدلالة دون رصد سيرورات تشكلها، فالتعرف على السيرورة جزء من الدلالة وبوابة إليها. فنحن لا نبحث عن معنى جاهز، بل نُسهم في بنائه.

لقد كان علينا أن نقتحم  الإرسالية، “ونعيث فيها فسادا”، لذلك لم نكتف بوصف مكوناتها، بل آثرنا تأويل المعطى لا الاكتفاء برصد عناصره، والبحث في ذاكرة كل عنصر، كما يتحقق داخل الإرسالية، في ارتباطه مع تجلياته داخل الصرح الثقافي الذي يمنحه القدرة على التدليل وإنتاج المعاني. ولهذا السبب، فإن قراءتنا هي قراءة سميائية تولي التأويل أهمية قصوى، فالمعنى لا يمكن أن يكون إلا إذا كان متواريا متخفيا مستعصيا على الضبط والإمساك، وكلما توارى واحتجب وأوغل في التركيب كانت لذة المطاردة قوية وكانت رحلة البحث ممتعة.

——-

هوامش

1- C. R. Haas : Pratique de la publicité, éd Bordas , Paris , 1988, p.199

2-  انظر  R Barthes : L’aventure sémiologique, éd Seuil, 1985, p.246

3 –   Olivier Reboul : Le slogan, éd Complexe, ; p 93

4-جاك سيغيلا أحد أبرز صانعي الوصلات الإشهارية في فرنسا، وهو الذي أدار الحملة الانتخابية لميتران سنة 1981.

5-قول مذكور في : Jean-Marie Floch : Sémiotique , Marketing et communication, sous les -signes, les stratégies: éd P U F , 1990, p.201

6-   C G Jung : L’homme et ses symboles, éd Robert Laffont , 1990, p 67

7-  Sylvain Duthois : Les règles de la séduction publicitaires, in Communication et langage, n 109, p 35

8-نفسه ص 35

9-نفسه ص  43

10-نفسه ص 38 – 39

11-نفسه ص 38 – 39

12-نفسه ص 33

13-  Vance Packard : La persuasion clandestine , éd Clamann- Lévy, 1984

14-نفسه وهو عنوان الكتاب

15-نفسه ص 7

16-نفسه ص 28

17-نفسه ص28

18-تعبير لجاك سيغيلا، انظر  الفصل الثاني من هذا الكتاب : الصورة الإشهارية : المرجعية والجمالية والمدلول الإيديولوجي.

19-  Umberto Eco : La structure absente, éd. Mercure de France, 1972, p 241

20-نفسه ص 241

21- نفسه ص 238

22-انظر الفصل الأول من هذا الكتاب.

23- انظر كتابنا: السميائيات : مفاهيمها وتطبيقاتها، منشورات ضفاف ، دار الأمان ، الاختلاف، بيروت  2015، ص 140

24-انظر Pierre Fresnault deruelle : Maternité noire, in L’éloquence des images, Images fixes III,  P U L 1993 de la page 87 à la page 93  وهو مقال شيق يصور امرأة سوداء تحمل بين ذراعيها رضيعا أبيض، وهو ما يحيل على إيحاءات بالغة الغنى

25-انظر Pierre Guiraud :  Le langage du corps , éd que-sais-je , 1980 , p 11

26- – G G Lavater : Fragments physiologiques, in  Pierre Guiraud :  Le langage du corps, op cit , pp.12-13

27-نفسه ص16

28-  200 J Baudrillard : La société de consommation, éd Folio, 1970, p

29-نفسه ص 200

30-نفسه ص 200

31-نفسه ص 202

32-نفسه  هامش الصفحة 206

33-   Baudrillard : La société de consommation, p 198

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.