وهج المعاني : في سميائيات الأنساق الثقافية

إصدارات
58
0

مقدمة

 

 

نتناول في هذا الكتاب مجموعة من “الوقائع” الإنسانية التي لا تصنف عادة ضمن اهتمامات الباحث “الأكاديمي”، فهي تنتمي إلى المعيش اليومي الذي تخفيه البداهة أو يغطي عليه الاستعمال النفعي. ودواعي هذا الاهتمام كثيرة، فهذه الوقائع ليست جزءا من محيط “صامت”، كما يشير إلى ذلك الحس السليم، بل تندرج ضمن أنساق دالة تحيل على مضامين موغلة في أعماق لا يمكن أن تستوعبها عين ألِفت محيطها وتماهت فيه. ذلك أن طاقات البداهة على التمويه هي مصدر الإحالات الرمزية لأشياء الكون وكائناته.

إن المرءُ لا يستطيع، ضمن تعدد هذه الأنساق وتنوعها، التحكمَ الواعي في كل مُنْتَجات قوله وجسده وطقوسه، فعدد قليل من هذه المنتجات يلبي حاجات صريحة، أما ما يفضل منها فسيستعيده الاستعمال الاستعاري ويوجهه نحو تلبية ما تشتهيه الدهاليز المظلمة للداخل النفسي. ذلك أن الإنسان يخبئ في مظاهر “العادي” و”المألوف” و”المتعارف عليه” مجموعة كبيرة من المواقف والأحكام والتصنيفات، كما يُضمنها انفعالاته وأهواءه وسيلا كبيرا من الرغبات التي لم تجد طريقها إلى الإشباع. وذاك ما تقتضيه “تجارة للعلامات” تسوق كل شيء، اللغة والمعتقدات واللباس والألعاب، بل قد تسوق أفعال الإنسان وجسده، كما هو الحال في الرياضات الفردية والجماعية، على حد سواء. إن الفعل نفسه ليس خاما إلا في الظاهر، فهو يتحقق “دائما بواسطة علامات، وهذا التوسط هو المسؤول عن حالات التزييف التي يخفيها الرمزي” (1).

وهو ما يعني، بصيغة أخرى، أن “المعاني” تنتشر في كل شيء، في التصنيف والحكم والتقدير، وتنتشر في الأشياء التي نستعملها للنفع والمتعة والاستيهام، تماما كما تنتشر الإيديولوجيا في الأحكام والأوصاف والتصنيفات الاجتماعية. بل هي كذلك في توزيع الأدوار والمواقع والوظائف. فنحن لا نحضر أفرادا داخل المجتمع، إننا نتحرك داخله من خلال وظيفة بها نُعرف ونُصنف، وضمنها نُنْتِج ثقافات فرعية تميز هذا الجسم الاجتماعي عن ذاك. المجنون وحده يمكن أن يكون واحدا يتحرك خارج كل تصنيف سوى جنونه ذاته، إنه يتحدد بذلك باعتباره وظيفة أو صفة موجهة للانزياح لا للتماهي.

لذلك لا يجب البحث عن المعنى فيما تقوله الظواهر بشكل مباشر، كما لا يمكن البحث عنه في ما تعلنه الذات قولا صريحا يخص نواياها، صدقا وكذبا. فمن خصائص المعنى أنه مخاتل ومخادع ومتمنع ومتعدد الجواهر وأشكال التجلي. إنه واقعة ثقافية، تماما مثل الجسد والإيماءات والطقوس الاجتماعية واللباس والسفور والحجاب. فهذه “الوقائع” ليست نفعية إلا في الظاهر، أو هي كذلك في عيون ترى الأشياء ولا ترى سياقاتها المضمرة، أما في العمق، فإنها تحيل على واجهات يحضر عبرها الإنسان في عين الآخر، ومن خلالها يبحث عن “وضع” يخصه باعتباره فردا، أو باعتباره انتماء إلى هوية يعمل جاهدا على الكشف عن تجلياتها في اللغة وفي استعمالات الأشياء.

لذلك لا تشكل الحاجات الأولية سوى لحظة هشة قد تشير إلى معطى بيولوجي ثابت يتكرر من خلاله الوجود الإنساني في الطبيعة، أما الأصل فيه فهو ما تقوله جزئيات السلوك اليومي، أي ما يصنف عادة ضمن “الثقافة”، تلك الحالات الرمزية التي استطاع الإنسان بفضلها الانفلات من “الدورية الزمنية” التي ترعاها الأحكام الدينية، لينوع من حضوره في نفسه وفي الطبيعة. وهذا أمر تؤكده طبيعة الدين نفسه، فما يأتي منه ثابت، أما منتجات الثقافة فزمنية.

وضمن السيرورة الزمنية، لا ضمن مُطْلقات الدين، تبلورت كل التصورات الخاصة بالثقافة. فقد كانت خروجا عن طوع الطبيعة أولا، ونمطا في العيش ثانيا، وحالة من حالات السلوك المهذب والراقي ثالثا. إنها تشير، بحكم هذه الزمنية ذاتها، إلى سيرورة قادت الكائن البشري بشكل تصاعدي من الإنساني، إلى الاجتماعي، إلى الكوني كقيمة يتحدد الإنسان/ الفرد داخلها باعتباره حصيلة سيرورة عامة تتحقق في التاريخ وفي الحضارة استنادا إلى قوانين هي من صلب الممارسة الإنسانية، وليست تطبيقا لتوجيهات غيبية.

إنها تحيل في شكلها الأول على نظام، أي على الشرط الإنساني في ذاته باعتباره وجودا طارئا، وتحيل في الثاني على نوع، أي على واقع خاص بمجموعة بشرية بعينها تختلف عن سواها في الملبس والمأكل وفي أشكال التعبير، وتشير في الحالة الثالثة إلى سلوك مخصوص، كما يمكن أن يتحقق في مواقف فرد اكتشف إنسانيته في النظام وفي النوع فتحول إلى كائن “متحضر” و”مثقف” يناهض الحقد والكراهية والتمييز العنصري، ويقف في وجه العنف والحرب وكل الحالات المرضية التي أفرزتها الممارسة الإنسانية نفسها (2). إنها، شأنها في ذلك شأن اللغة، تؤسس “الهوية” خارج دائرة الفردي، ولكنها لا يمكن أن تتحقق وتكشف عن نفسها إلا من خلال ممارسات فردية.

إنها بذلك نقيض لحسية الطبيعة وإكراهاتها، أو هي في الأصل “سلسلة من التحديدات المضافة المفروضة قسرا على السلوك الطبيعي للكائن البشري” (3). إنها تهذيب للغرائز وترويض للظواهر الطبيعية، وأنسنة للأشياء. أو هي، من خلال كل ذلك، “سميأة” (4) للمدرك الخارجي من أجل استيعابه داخل “أشكال رمزية”، هي وحدها ما يحق لها ادعاء صفة الوجود، فمن لا يُسمى ولا يخضع للوصف والتصنيف والتمييز والعزل موجود خارج إكراهات الأنساق ومفصول عنها، أي موجود خارج ممكنات الثقافة.

وهو ما يعني أن الوظيفة الثقافية، من زاوية هذه الأنساق دائما، هي تدبير لحالات الرقابة الذاتية والمحظورات الإضافية. وهو أمر بالغ الأهمية، فالمحظور ليس منعا وحظرا في جميع حالاته، بل هو، في حالات التعاقد الاجتماعي خاصة، انتماء “عفوي” لنظام أخلاقي يؤسس على التواصل الاجتماعي بكل واجهاته الثقافية، أو هو التنازل الطوعي عن جزء من الحرية للاستمتاع بحالات إنسانية مضافة تَفْتَح الذات على ما هو أبعد من ملكوتها الضيق.

إنها طريقة أخرى للقول، إن الثقافة، من حيث نسبيتها الناتجة عن زمنية السلوك وطبيعة التعاقدات الاجتماعية، تؤكد، من خلال التنوع فيها وضدا على كليات الدين وعمومياته، حق كل الثقافات في الوجود، شريطة ألا تتناقض مع ما يصنف ضمن “الأخلاق الإنسانية الكونية”، أو ما يمكن أن يناهض “الضمير الإنساني”، باعتباره واحدا في ذاته، ومتعددا في الجوهر والتحقق والتجلي.

وجوهر الثقافة هذا هو الذي يجعل البحث في جزئيات وتفاصيل المعيش اليومي بحثا في الجوهر الحقيقي للإنسان نفسه. فما يقوله عن نفسه وما يحتمي به، باعتباره واجهة دينية قد تجنبه “نار العقاب” أو تقيه “شر الأحكام الاجتماعية”، أو باعتباره واجهة تحدد عرقه أو أصله، ليست، في واقع الأمر، سوى قناع تختفي وراءه أشكال سلوكية ” أرضية” شوهتها التقاطعات الكبيرة بين أحكام مسبقة ميزتها الثبات في الزمن، وبين إفرازات سلوك متطور في الثقافة. فكما أن اللغة هي كينونة الإنسان وامتداده في الآخر وفي التاريخ، فإن أشياءه وطقوسه هي الواجهة المادية لهذه الكينونة.

وهو أمر يمكن أن نفسر من خلاله الأحكام الخاصة بالحجاب مثلا، فهو في جوهره نمط اجتماعي في اللباس، ولكنه تحول، ضمن قواعد الدين وأحكامه، إلى هوية يتحقق داخلها الانتماء، ومن خلالها يصدق الإيمان ويترسخ. والحال أن هذا الحجاب، باعتباره شكلا اجتماعيا لحضور الذات خارج الجدران العازلة، سابق في الوجود على “الحكم الديني”، ولم يقم التأويل الفقهي سوى بتحويل “العرضي” في السيرورة الاجتماعية، إلى “جوهر” قار في التصنيف الديني والطائفي.

تلك كانت منطلقاتنا في هذا الكتاب من أجل التعاطي مع محيط إنساني “دال” بالجوهر والعرض واللون والشكل، ودال أيضا من خلال أشياء الذات الاجتماعية وأهوائها ومنتجات عينها ولسانها. فبداهات هذا الوجود لا يمكن أن تنسينا أن في المظهر النفعي للظواهر تختفي الإيديولوجيا والأحكام المسبقة والتصنيفات الدينية والعرقية والطائفية، ووراء يافطات الانتماء إلى العقائد تتسلل الثقافة باعتبارها الشاهد الوحيد على تطور الإنسان في الزمن:لم تستطع الأحكام الدينية، بمرونتها وتطرفها، أن تنسي المحجبة أن لها جسدا يجب أن يُرى، لذلك بادرت إلى إخفاء الشعر وكشفت عن مفاتن ما تبقى. وهو ما يعني أن سلطان الرمزي أقوى دائما من حسية المرئي المباشر.

ولم تكن غايتنا، من خلال ما قدمناه في فصول هذا الكتاب، البحث عن جوهر معنوي “قار”، تحضر هذه الظواهر من خلاله في العيان وفي ما اختفى في تفاصيل الحياة، فالمعنى متحول بطبيعته، بل حاولنا رصد سيرورات إنتاجه وسيرورات تلقيه وأشكال تداوله. فما تدركه العين الساذجة باعتباره شيئا مفردا يغمره النفعي من كل الجوانب، يلتقطه الحس السميائي باعتباره علامات تهدي أو تضلل أو تشوش. وفي جميع هذه الحالات، فإن المعنى ليس معطى مع مقاصد الظاهرة، بل يُبنى من خلال تفكيك ما يحضر في العين بشكل كلي.

وهي الرؤية التي مكنتنا من الانزياح عن “الكليات الفكرية” عبر تحديد تفاصيلها ضمن اللغة وأشياء الحياة، وضمن ظواهر السلوك اليومي. وتلك مهمة كل فكر نقدي في أشد مستوياته تجريدا وفي أكثرها انغماسا في الملموس، في الوقت ذاته. فمادة المعرفة وجوهرها ليسا شيئا آخر غير ما يقوله السلوك وما يخفيه أو يصرح أو يوهم به. إن انتماءات الأفراد يافطة كبيرة لا يمكن أن تخفي لاوعي السلوك وميله إلى التحرر من مؤسسات المجتمع وإكراهاته.

لذلك يخطئ السياسيون كثيرا عندما يعتقدون أن الفعل السياسي مفصول عن “متاهات” التأمل الأكاديمي. والحال أن التعددية في المعنى ليست مفصولة عن التعددية في الرؤى وفي القيم وفي السياسة أيضا. فعندما نقر أن النص/الظاهرة لا يمكن أن يكون مصدرا لمعنى واحد، فإننا نقر أيضا أن الوجود لا يمكن أن يستقيم من خلال رأي واحد. إن حياة “الجسد الاجتماعي” تكمن في تنوعه لا في وحدانية النشأة.

وهو ما يعني أننا لا نشتغل بنصوص معزولة، ولا نتأمل قضايا مفصولة عن الهم اليومي، بل نحاول، من خلال عملنا الأكاديمي هذا، الإسهام في بناء إنسان جديد يعرف كيف يقرأ وكيف يعمل وكيف يستمتع وكيف يرى في العلامات مدخلا لعوالم أخرى غير ما يشير إليها ظاهرها. فنحن لا نقدم للناس حقائق، فلا قيمة للجاهز في السميائيات، بل نسعى إلى تلمس الطريق الذي يمكن أن يقودنا إلى فهم أفضل لمحيطنا خارج المسبقات من جميع الأنواع، وخارج التصنيفات المسكوكة التي تشوش على الذات وتحرمها من اكتشاف المعاني في العلامات لا في ماديات المحيط.

ولنا في تاريخنا وفي تاريخ غيرنا شواهد على ذلك، فالذين أطلقوا الشرارات الأولى للفكر الحداثي في بلادنا، لم يكونوا من العامة، بل أفرزتهم الجامعات، تماما كما أن الذين أشعلوا الثورة الفرنسية لم يكونوا سوى “ديكارتيين تركوا مدارسهم ونزلوا إلى الشوارع”، كما يؤكد ذلك توكفيل(5). فما عَدَّهُ الجياع والمقهورون ثورة على الظلم والجوع والاستبداد، كان في منطق التاريخ وسيرورته ثورة فكرية وحضارية ستعلن عن ميلاد إنسان جديد.

وضمن هذا الأفق تندرج محاولاتنا في هذا الكتاب. إن البحث في المعنى هو في الجوهر بحث في الثقافة باعتبارها صيغة من صيغ تصريف الإيديولوجيا في السلوك اليومي.

——

هوامش

1-Paul Ricœur : in l’esprit de société, ouv collectif sous la direction de Anne Decrosse, éd Mardaga,1993, p.6

2- Denis Kambouchner : La culture , in Notions de philosophie III, éd Gallimard, 1995, p 445

3-  Youri Lotman : Travaux sur le système de signes, éd Complexe, 1976,p.54

4- “سميأة”، من السميائيات أي تحويل العالم الخارجي إلى مجموعة من العلامات ذات الطابع الرمزي، وتتم هذه السميأة من خلال اللغة في المقام الأول، لكنها قد تتحقق من خلال أنساق أخرى، ومنها النسق البصري.

5- هو ألكسيس-هنري-شارل كليريل كونت توكفيل (Alexis-Henri-Charles Clérel, vicomte de Tocqueville )مفكر فرنسي ولد سنة 1805 وتوفي سنة 1859 ، من أكبر المتخصصين في الثورة الفرنسية التي اندلعت سنة 1789.