المثقف والخبير والمواطن والمستهلك

مقالات
190
0

سعيد بنگراد

ليست الغاية من “التسمية” أو “الوصف” هي الفصل بين الأشياء والكائنات والتمييز بينها فقط، إنهما يُستخدمان أيضا، وربما في المقام الأول، من أجل تسريب سلسلة من التدقيقات الدلالية هي شرط حضور هذه الكيانات في الذاكرة الرمزية. فقد تكون التسمية تعيينا لشيء ما أو لكائن مخصوص، وقد يكون الوصف تحديدا له استنادا إلى صفات بعينها، ولكنهما يُعدان في الوقت ذاته نظرة مسبقة مصدرها التنويع الثقافي أو الأحكام المسبقة، أو قد يكونان شكلا من أشكال تصريف مواقف الناس في الوقائع الإبلاغية وأثرها في السلوك الفردي والاجتماعي. وتلك وظيفة المشترك الدلالي عامة، بالضد والترادف في الوقت ذاته.

وهذه هي فرضيتنا الأساس من أجل النظر في مضمون بعض المفاهيم المتداولة في ميدان السياسة والاقتصاد والإيديولوجيا، من قبيل المثقف والخبير والمناضل والمحتج والمواطن والمستهلك. فهذه المفاهيم لا تُصنف ضمن مرادفات ضمنية أو صريحة، ولكنها تشير، مع ذلك، إلى مضامين تشترك في “حقول دلالية” تجمع أو تفصل بينها استنادا إلى موقف إيديولوجي أو سياسي هو ما يحدد تصورنا للوظائف الاجتماعية والسياسية. إنها ثنائيات لا تستند إلى ضدية إقصائية، ذلك أن مضمونها لا يتحدد من خلال تقابل مباشر بين حديها، بل يعود إلى التضايف الوظيفي بين طرفيها، فهما يشيران إلى طريقتين مختلفتين في النظر إلى “الحقيقة” و”العلم” و”القيم” و”العدل” و”الحق”، وربما طريقتين في الكشف عن غايات الوجود ذاته. يتعلق الأمر بقاعدة تداولية تقوم عليها استراتيجيات تواصلية جديدة أفرزتها التحولات الجذرية التي شملت كل الأنشطة التي تُصنف ضمن الشأن العام، بشقيه المدني والسياسي.

فاستنادا إلى هذه النظرة استُحدثت هذه التقابلات لتَستوعب مساحات قيمية جديدة أُعيد داخلها توزيع الأدوار الاجتماعية والمعرفية بما يُغطي جزئية حياتية مرتبطة بالشأن العام، أو يستوعب نشاطا سياسيا مواليا أو مناهضا للسلطة. وهذا ما يجعل الحدود الثانية في هذه الثنائيات تحل محل الأولى ضمن “دورة حضارية” هي حاصل سقوط الكثير من “المحكيات” التي كانت تُعد، إلى الأمس القريب، سندا لفعل سياسي يتميز باستقطابات صريحة تفصل بين اليساري واليميني وبين التقدمي والرجعي والحداثي والتقليدي، ليحل محل ذلك كله فضاء عمومي ” محايد” يتحرك ضمن زمنية يحدها أفق الحاضر وحده. فما يميز الزمن الراهن هو انكفاؤه على ذاته وانفصاله عن مداه الماضي والمقبل في الوقت ذاته.

وذاك هو الأساس الذي يقوم عليه التقابل في الثنائية الأولى، فالفاصل بين المثقف والخبير لا يعود في الأصل إلى ما يملكان من زاد معرفي، بل يرتبط بطريقة تصريف هذا الزاد في النشاط المدني وفي تدبير الشأن السياسي. فهذا وذاك يتمتعان بسلطة معرفية تميزهما عن العامة من الناس، ولكنهما يمارسانها وفق غايات تختلف باختلاف مضمون “الخبرة” عن مضمون الموقف الإنساني والحضاري. فليست الخبرة سوى تقدير “محايد” لوضع سياسي أو اجتماعي، أو هي الإحاطة بحالة اقتصادية مرتبطة باللحظة أو الأفق القريب، في حين يُعد “الموقف الثقافي” تعبيرا عن انتماء إلى نظام قيمي يضع الإنسان ضمن سيرورة زمنية لا يحدها أفق معلوم.

بعبارة أخرى، إن “حقيقة” الخبير من طبيعة براغماتية تبنيها الأرقام والجداول والأسهم وتغيرات المؤشرات في الأسواق المالية، أما حقيقة المثقف فمصدرها الأخلاق والفضيلة والعدل والحق. يتحرك المثقف ضمن مشروع حضاري تحتل فيه القيم موقعا مركزيا، إنه ينطلق من قناعات تجعل منه “وعيا جماعيا”، أو صورة عن إنسان “كوني” ينخرط في الشأن العام وقضايا الناس خارج تفاصيل الفعل السياسي وإكراهاته. إنه “وظيفة” وليس كَمّا معرفيا يمنحه وضعا يتميز به عن غيره، أو هو جزء من نشاط فكري عام موجه أساسا لخدمة الإنسان وحده. وتلك كانت صورته في التاريخ بدءا من سقراط الذي تجرع السم انتصارا للحقيقة، ومرورا بزولا الذي وقف في وجه السلطة دفاعا عن مواطن أعزل، وانتهاء بسارتر الذي انتصر للشعب ووقف في وجه مضطهديه.

إنه بذلك يراهن على ” الفطرة الإنسانية” التي تُحيل على ما يجمع بين الناس ويوحدهم ضمن فضاء عام يتعايشون داخله خارج ما يحدده العرق أو الطائفة. إن الحقيقة عنده لا تُبنى في المخابر المعزولة، بل تتبلور ضمن سيرورة ما يفرزه صراع الإنسان مع قدره. ويجد هذا التقابل مصدره في طبيعة المعرفة التي يحملها المثقف، إنها تُصنف عادة خارج ثنائية الأغلبية والأقلية كما تريدها آليات “التمثيل المفوض”، فهي تُمارس في “الظل”  الاجتماعي والسياسي والعقدي في انفصال عن “نجومية” صاحبها و”جماهيريته”، كما هي حال الخبير والسياسي( الحضور الدائم في الفضائيات). يتعلق الأمر بممارسة فكرية بدون ضجيج إعلامي. وهذا أمر بَيِّن، ففي كل حالات الوجود الإنساني على الأرض كانت الثقافة، بكل مداخلها، الأسطورية والدينية وكل أشكال السلوك الفردي والاجتماعي، هي المميز الأسمى للأمم، وهي أساس النمو والتطور والاندحار والانتكاسات أيضا.

وليس ذاك هو وضع الخبير، إنه يدعي الانتماء إلى “الحقيقة” و”الموضوعية” و”العلم”، إنه خارج الشعب والطبقات، وخارج الإيديولوجيا والسياسة، إنه ينتمي إلى “السلطة “، كما يمكن أن تتجسد في مؤسسات الدولة أو في المقاولات الاقتصادية، الخاصة والعامة (لا يقول أغلب الخبراء في الغالب إلا ما توده الجهة التي تطلب “خبرتهم”). ذلك أن الأرقام “صامتة” عنده، إنها لا تكترث للمحددات الأخلاقية والشرط الإنساني، ولا قيمة لدروس التاريخ فيها أيضا. فكل شيء عنده يمكن أن يكون موضوعا للخبرة، تستوي في ذلك خبرة “الأمن” و” الحروب ” بأنواعها، و”الجريمة” و”الإرهاب” وتحديد النسل”، والكثير من المناطق المدنية والسياسية التي كانت تشكل إلى عهد قريب كلا لا يمكن الفصل بين أجزائه. وبذلك يُعد الخبير في صورته الكونية، مرادفا لما كان يسميه ميشال فوكو، وهو يتحدث عن الوظيفة السياسية للمثقف: ” المثقف المخصوص”، ذاك الذي يتصرف في ملكه المعرفي استنادا إلى مردوده في السوق السياسي، لا استنادا إلى ما يحيل عليه الضمير الإنساني.

إنه بذلك لا يبشر بقيمة أو مبدأ، إنه يبيع “خبرته” كما تُباع كل السلع في المتاجر ( مكاتب الخبرة المفتوحة في وجه كل المؤسسات). لذلك ليس واردا أن يموت الخبير، في مسعاه إلى “الحقيقة”، من أجل فكرة، فهو يبحث أو يدعو إلى “حقيقة” تبرأت من السياسة والإيديولوجيا ومقتضيات الهويات التي أفرزها التاريخ وصدَّقت عليها الحضارة. وهكذا يتحول الخبير في نهاية الأمر إلى “واصف” محايد أو “معلق” على الطريقة الصحفية، أو “تقني”، إنه في المجمل ” كْلامْجي” محدود في الرؤية والتحليل، غالبا ما يكون قد فشل في مدرجات الجامعة وفي قول شيء ما في العلم والمعرفة. إنه ابن لاشرعي للمثقف.

وهذا معناه أن الفصل بين الخبير والمثقف يقتضي الاعتراف بالفرق الموجود بين الواقعة وتأويلها، وبين الحقيقة وشروط بنائها، وبين العلم ومجمل تطبيقاته. فمضمون هذه المقولات يتحدد، في جميع هذه الحالات، من خلال مصلحة إنسانية صريحة لا من خلال “فتوحات” نظرية بلا غاية. وذاك هو الأساس الذي يميز المثقف عن السياسي أيضا، يتعلق الأمر بما يفصل بين ” “الولاء” وبين “الحقيقة”، فالولاء مقولة أخلاقية، أما الحقيقة فمن طبيعة نظرية” (إيكو). لذلك يطمئن السياسي كثيرا للخبير، ولكنه كثير الريبة من المثقف ( يقول أحد الطغاة: عندما أسمع كلمة مثقف أخرج مسدسي).

ووفق هذا المنطق أيضا يجب النظر إلى التقابل الثاني، أي ما يفصل بين المناضل والمحتج. فكلاهما ينطلق من “خصاص” يَسِم معيش الناس وشرطهم الاجتماعي والاقتصادي، ولكنهما يختلفان في مضمون هذا الخصاص وطبيعته وفي طريقة الاستجابة له. فالفعل عند الأول “طوعي” يعود إلى الإرادة الذاتية في ممارسة قناعات لا تحددها الحاجات الخاصة، بل نابعة من الانتماء إلى الوطن أو الحزب أو المبدأ الأخلاقي عموما، فذاك شرط الانخراط في فعل يعود بالنفع على كل الناس. وتلك جذورهما في اللغة أيضا، فالمناضل مشتق من التباري والغلبة والقتال والدفاع، أي ما يضع الفرد في مواجهة حاجز أو منافس أو عدو، أما المحتج فمشتق من الحاجة في المقام الأول، إنه نفعي في وجوده وفي تصريف حاجاته داخل الفضاء الاجتماعي.

لذلك يتميز المناضل بحضوره السياسي، إنه يشكل جزءا من طبقة، أو هو فرد ضمن شريحة أو فئات واسعة من الشعب، ولكنه متميز عنها أيضا، فهو حامل لرسالة تتجاوز المطالب المادية لكي تتلمس السياسي فيها. بعبارة أخرى، إن المناضل “محتج” أيضا، ولكن احتجاجه يتحدد ضمن مشروع قد يكون فكريا أو سياسيا يقتضي الفعلُ النضالي داخله وضعَ الحاجات ضمن المصلحة العامة، ما يحافظ عليها أو ما يقود إليها. إن مصلحة الفرد عنده هي جزء من مصالح الشعب، وليست المطالب غاية في ذاتها، بل هي ممر نحو ما يمكن أن يحسن من الشرط الحياتي في السياسة والاجتماع.

وهو ما يفصل بين ما يُطلق عليه في بعض الأدبيات “القيم الأساس” عن “القيم الاستعمالية”، فللأولى وقع على الهوية والذات في كينونتها ونمط حضورها في الحياة، أما الثانية فمرتبطة بحاجة خاصة بتدبير شأن حياتي عارض يعود إلى الاستهلاك وحده. لذلك، لا يسعى المناضل إلى تحسين وضع معيشي فحسب، بل يقدم له الضمانات السياسية التي تحوله إلى حالة حضارية يتم تصريفها ضمن برنامج سياسي ينخرط فيه الكثير من الناس. إنه بذلك ليس جزءا من النظام، إنه مناهض له. وتلك هي الحدود الفاصلة بين فعل نضالي يحمي الفضاء العمومي الذي يحتضن الفرد ويحمي حقه في العيش الكريم ويحمي خصوصيته ويمنحه الحق في الإعلان عن اختلافه في الرأي والمعتقد، وبين فعل احتجاجي لا يكترث لأي غطاء قيمي أو سياسي، إنه يستعمل هذا الفضاء لتلبية خصاص لا يقود بالضرورة إلى تغيير نظرة الناس إلى وجودهم، الأرضي والسماوي.

وهو ما يعني أن المحتج لا يراكم مكاسب، وإنما يكتفي بما يتحقق منها ضمن لحظة ليست موجهة إلى أمام يطور فعلا أو يحسن من حالة. في حين يرتبط المناضل بالتاريخ والذاكرة، إنه لا يرد على الخصاص القائم ولا يستجيب له فقط، وإنما يتوقع حدوثه ويتفاداه. لا تشكل الحاجة عند المناضل أساسا للفعل، فالأساسي فيها هو وجهها القيمي أو السياسي، فذاك هو الدافع والمحفز إلى الانخراط في ممارسة تُغير من وجه السقف الحضاري أو تُغنيه. لذلك يختفي المحتجون بعد الإشباع، ويظل المناضل جزءا من فضاء عمومي في حاجة دائمة إلى من يحميه.

إن المحتج لا يكون مناضلا بالضرورة، فهو في الغالب مرتبط باعتراض لحظي، إنه لا يشكك في النظام الاجتماعي أو السياسي، بل يسعى إلى تحسين وضع خاص قد يكون ضد مصلحة عامة، أو قد يتحقق على حساب فئات أخرى. إنه بلا ذاكرة، في السياسة والإيديولوجيا والمبدأ الأخلاقي. وتلك حالة ” المعارك” التي يخوضها آلاف المحتجين القاطنين في الفايسبوك. فهم جيوش جرارة تُقاتل في الظلام قوى الشر والاستبداد والظلم الاجتماعي خارج أي أفق سياسي أو إيديولوجي، وفي الغالب من الحالات لا يكون “الاحتجاج الافتراضي” سوى حالة من حالات الكاتارسيس، الرغبة في التطهر والعودة بعد ذلك إلى الواقع سالما من أي ذنب. وبذلك يكون هذا المحتج ابنا شرعيا للمستهلك.

وتلك هي الأسس التي قام عليها التقابل بين المواطن والمستهلك. يتعلق الأمر في هذه الحالة أيضا بثنائية ليست منفصلة عما يترتب عن الفصل بين المثقف والخبير وبين المناضل والمحتج. فالأول مرتبط بالثقافة والنضال الاجتماعي والسياسي، والثاني يتحرك ضمن عوالم الخبير والمحتج، فهؤلاء جميعهم مشدودون إلى تدبير حاجة آنية خارج محدداتها في السياسة والإيديولوجيا. يشكل الأول كينونة سياسية يتحدد مضمونها استنادا إلى ما تقتضيه المشاركة السياسية، فهي أساس البناء الاجتماعي، وهي أساس مجموع القوانين التي تقوم عليها الديمقراطية باعتبارها نظاما يبنيه مواطنون توافقوا على العيش ضمن قوانين تحميهم من أنفسهم ومن الآخرين. ذلك أن “العقد الاجتماعي” يقتضي التنازل عن حق خاص من أجل مصلحة عامة، أو هو من الزاوية ذاتها القبول بمحظور هو شرط الانتماء إلى نظام اجتماعي يتعايش داخله كل الناس.

وذاك كان معنى المواطن عند اليونان، إنه مرتبط بالقضايا التي أفرزها تشكل الحاضرة وشروط إدارة شؤونها السياسية. إنه ليس تابعا يستهلك التشريع، بل هو أحد منتجيه، إنه ينتمي إلى “نخبة” من الشعب تشارك في تدبير شأنها السياسي ( لا شأن للعبيد بالمشاركة السياسية، فهم منتجون أو مستهلكون فقط). فلا وجود إذن لديمقراطية بدون مواطنين. لقد كان المواطن عند أرسطو” هو المؤهل للمشاركة في السلطة السياسية عبر الترافع والتقاضي”. إنه يتمتع، تبعا لذلك، بوضع قانوني يحدده الانتماء إلى المدينة (الوطن) ويتمتع بحقوق وواجبات، وبذلك يسهم في الحياة المدنية والسياسية. لذلك لن تكون المواطنة انتماءً إلى الوطن من بوابة الاستهلاك أو الاحتجاج العارض، بل هي كذلك من حيث إحالتها على اختيارات سياسية وحضارية للمواطن نصيب كبير فيها.

وليس غريبا أن يتبنى ثوار فرنسا مفهوم المواطن للدلالة على الإنسان الجديد الذي أفرزته ثورتهم سنة 1789. بل إن إعلانهم التاريخي عن حقوق الإنساني تضمن مفهوم المواطن باعتباره رديفا للإنسان خارج الانتماءات الطارئة. لقد حل المواطن محل المؤمن والرعية الذي كان مملوكا للإقطاع والكنيسة والدوائر السلطانية. لذلك يتمتع المواطن أيضا بالحرية والحق في الرأي والمساواة أمام القانون. إنه ليس مستهلكا فقط وليس محتجا عابرا في ذاكرة الوطن، إنه الصورة التي يمكن أن تستوعب مجموع الوظائف التي تُسند إلى إنسان يعيش ضمن دولة مدنية ديمقراطية. إنه المثقف والمناضل والمحتج والمستهلك أيضا، أي كل ما يضمن له مواطنة أساسها اختيارات سياسية أو فكرية لا يشكل الاستهلاك أو الاحتجاج فيها سوى يافطة برانية لفعل سياسي. إنه من خلال ذلك كله يمارس حياته استنادا إلى تعاقد يجمع بين كل المواطنين ضمن فضاء عمومي يستوعب كل الاختيارات.

وفي مقابل المواطن هناك المستهلك، وهو إفراز من إفرازات النمط الرأسمالي في الإنتاج وفي توزيع الثروات. إنه كائن جديد تتحدد كينونته من خلال حاجات لا تتوقف عن التناسل. فمن سمات المجتمع الاستهلاكي أنه لا يلبي حاجات فقط، إنه يقوم بخلقها أيضا، ودون ذلك سيعيش المواطن وفق حاجات هي إفراز لمتطلبات عيش يضمن الاستمرار في الحياة وقسطا من الكرامة. لذلك يستهلك الناس كل شيء، المواد الغذائية والكماليات ويستهلكون الرسائل القصيرة والأفكار والانفعالات والإشاعات والنميمة.

وهو ما يعني أن المستهلك منتج من منتجات آليات الإشهار الحديثة، فهو لا يبحث في محيطه عن فضاء للحلم، بل يحقق رغباته في تنوع “الماركات” وتعددها، إنه لا يعيش ضمن دفق زمني تفرزه ممارسة حياتية، بل يعيش وفق إيقاع الأشياء التي تحيط به، إنه ليس منفتحا على حلم، بل مشدود إلى موضوع هو الرغبة والسبيل إليها في الوقت ذاته. يتعلق الأمر بحسية شاملة لا تستوعب الناس استنادا إلى قيم تحدد كينونتهم بل تصنفهم ضمن أشياء محيطهم، إنه الاستيهام الذي يجب أن يتحقق الآن وبأقصى سرعة. لذلك كانت المواطنة تجسيدا لوعي رمزي، وكان الاستهلاك شكلا بدائيا للحياة، أو هو أكثر المناطق حسية في وجود الفرد والجماعة.

لذلك لن يكون مصدر السعادة عند المستهلك سوى الاستهلاك ذاته، إنه يتحدد من خلال العندية (avoir) لا من خلال كينونة (être) تقيس وجودها بنمط حضورها الرمزي في الحياة. فما هو أساسي في حياته هو ما يملك لا ما هو عليه حقا. إن السعادة الاستهلاكية هي أن يحيا المرء في الهنا والآن، في اللحظة والحاضر المباشر. “ذلك أن السعيد في المجتمع الاستهلاكي هو المستهلك “المستكين” “الوديع” “المسالم” “الحنون” و”الواثق” في “معجزات” المنتج وقدرته على تجنيبه تعب الروح والجسد وكل مشاق الحياة. فلا مكان للحلم في حياته، إن الحلم نجمة تلوح في الأفق البعيد، أما الرغبة فحاجة مباشرة تحتاج إلى إشباع فوري” (1). بعبارة أخرى، إن المواطن السعيد هو الذي يحقق مواطنته في الاستهلاك وحده خارج حيثيات السياسة والإيديولوجيا. لقد اختفى المواطن وحل محله مستهلك يقيس حجم الزمن في حياته بكميات الأشياء التي يستهلكها.

والصورة الأخيرة هي التي استقر عليها الإنسان المعاصر ( وفي بلادنا أيضا). لقد اختفى المثقف والمناضل والمواطن، وحلت محلهم صور هي مزيج من خبير ومحتج ومستهلك يتحركون في فضاء عمومي فقد قدرته على إعادة إنتاج مواطنين ينتجون قيما ولا يستهلكون منتجات فقط. وباختفاء هؤلاء سقطت الوساطة بين الدولة والمجتمع. بل أصبح الناس يتحدثون اليوم عن صور جديدة، منها الكافر والمؤمن والمتشدد والمتسامح وكثير من صفات العرق والجهة والطائفة. إننا نعيش وفق هيدونية جديدة بدون عمق فلسفي، إنها تُصَفي الواقع من الجهد والمعاناة وإكراهات الحياة. لقد اختفى الواقع أو هو في طريقه إلى التلاشي، وعوالم الافتراض وحدها يمكن أن تقدم ترياقا جديدا يعيش به الناس. وسينتهي بنا الأمر إلى ما آلت عليه أحوال من يصفهم دوستوفسكي في الإخوة كارامازف هؤلاء الذين” وضعوا حريتهم عند أقدام السلطة قائلين: خذونا عبيدا عندكم ولكن أطعمونا”(2).

——

1-انظر كتابنا : بين اللفظ والصورة ، تعددية الحقائق وفرجة الممكن، المركز الثقافي العربي،2017 ص 176

2-Marc Dugain , Christophe Labbé : L’homme nu , La dictature invisible du numérique, éd Plon   Robert Laffont,2016 , p 170 ;