درويش والتجربة الزمنية

مقالات
114
0

سعيد بنگراد

لا شيء يستثير في النفس الحيرة والخوف والرهبة أكثر مما يفعله الزمن، فهو ثابت في الوجود الإنساني، “فنحن في الزمن”، فلا شيء يمكن أن يتحيز خارجه في الوعي وفي مظاهر المحيط وظواهره. ومع ذلك يستعصي على الإدراك والضبط الموضوعي، إن التجربة داخله وحدها يمكن أن تجعله قابلا للقياس والعد، فهو يُرى في الوعي لا في التتابع الرتيب لليالي والفصول. فمن خلال هذه التجربة تُصبح الزمنية قابلة للتمدد في تفاصيل الحياة خارج جوهر وهمي لا أحد يدرك كنهه. “فالوعي دفْق منسجم”، كما يقول برغسون، إنه يحتضن “المدة” منه ويُسربها إلى الداخل النفسي، لكي تصبح مرئية في الإدراك الحسي لحظة تجسدها في ما يحيط بالذات ويُسند حميميتها، ففي هذا التجسد يَمْثُل الزمن في الحياة ذكريات وأحلاما وترجيا وتأسيا وحنينا وندما، بل يكون هو السبيل نحو التقدم أو التخلف والانتكاس والسرمد والحين والدهر الذي يهلكنا جميعا.

ووفق هذه المحددات الأولية صاغ محمود درويش تصوره للزمن في مجموعة كبيرة من قصائده التي ضمتها دواوينه الثلاثة الأخيرة. فالزمن يحضر فيها رديفا للحسرة والانكسار والنهاية والتجاعيد والموت الآتي بإصرار. تتجسد التجربة الشعرية في كل هذه القصائد باعتبارها “تمثيلا مشخصا” لعدوى الزمان في الوجود، ما يتسرب إلى “الذات” و”المرآة” و”الكؤوس الفارغة” والرؤية “من خلف الزجاج” و”المشاة المسرعين” “حيث يَرى ولا يُرى”، إنه في ذلك كله يوجد خارج ما يؤثث الحياة ويصنع عنفوانها وهي تمشي أمامه مزهوة في ” البداية” و”الربيع” خارج قلق “النهايات”.

إنه يضع ذاته في الزمنية حين لا يُرى، فهو مقصي من متعة الربيع والصباحات التي تَعِد بشمس لا تريد أن تغرب. ويضعها خارجها حين يُسقط الكون أمامه موضوعا لتأمل خاصيته الأساس المقابلة بين البداية والنهاية: ” البداية خلفنا وأمامنا سحب تبشر بالشتاء”. إن المقطع الشعري في كليته ليس سوى تمثيل لزمنية تقابل بين أمام وخلف وبين بداية ونهاية وبين الربيع الذي مضى وبين شتاء يهدد بابتلاع كل شيء في طريقه. إن البداية في ناظريه لا تٌحتسب، فما يأتي منها وينتهي عندها تستوعبه المتعة في الجسد والربيع في الطبيعة. إن النهاية وحدها قابلة للوصف، لأنها خارج الفعل فقد ” قلت الأحلام” وضاقت الرؤية، إنه “مشى ما يكفي ليعرف أين يبتدأ الخريف”، أي لكي يمسك بالتباشير الأولى نحو الانحدار إلى أسفل يتعذر بعده القيام من جديد.

إنه خريف معمم، إنه في العمر وفي الطبيعة حيث “السرعة القصوى” للتجاعيد في الذات وهو أيضا عند “الفرس المحمل بالفصول” حيث لا مجال للتمهل، إنه إيذان بانحدار نحو المجهول، ” فالطريق ” هو درب الحياة الذي يقود حتما من البداية إلى النهاية؛ إنه يسير بالجسد نحو التلاشي: ” يحملني وأحمله وأسأله لماذا السرعة القصوى، تمهل أيها الفرس المحمل بالفصول”. فلا راد لقضاء الزمن، فهو موجه من داخله إلى أمام لا يُرى إلا في الخريف، أي في النهايات. فالتوقف مستحيل، لأنه موجود خارج الذات وخارج قدرتها على توجيه صبيبه نحو الشباب ومراتع المتعة.

وقد يكون النَّفَس السردي الذي يهيمن على مجمل هذه القصائد هو الوسيلة المثلى التي تُمكن الذات من تشخيص انفعالاتها عبر إسقاط مشاهد من الحياة المحيطة أو تلك المستوحاة من الذكريات. فمن خلال هذا التقابل، وهو إحالة على حالات تتلوها تحولات، ندرك شيئا ما عن زمن يتسلل الى الوصف والسرد والتذكر والسير في الطريق وحيدا حيث لا ” حق له في التلفت للوراء”، والعودة إلى زمن ولى، “وددت لو عدت من لألاء نجمتنا إلى شبيهي في بستان موعده”. والشبيه هنا، وفي كل السياقات أيضا، ليس أصلا، بل هو في أحسن حالاته نسخة قد تقترب من مصدرها أو تمعن في البعاد عنه. إنه بذلك إحالة على استحالة استعادة ما مضى من الأيام.

إن الأمام وحده ثابت، فهو الحقيقة في الزمن، أما التوقف، فهو وهم يوحي به تأمل الأشياء من الخارج: ” فهل وصلت أم انفصلت عن الطريق” : هل هو قلق النهاية واستيهامات الوصول، إشارة إلى الكائن من أجل المستقبل المنظور، ذاك الذي يمضي مزهوا بشبابه، أم هو، على العكس من ذلك، “قلق الموت” الذي لا يخلف موعده في الخريف الزاحف؟ لا شيء يفصل هذا عن ذاك، فمن خلال هذا التقابل تنتشر الذات كما هي في امتداداتها الممكنة في” لحظات” مقتطعة من زمنية لا تتوقف امتثالا لأمر الموت، كما يتجلى في التحلل المتواصل للأشياء في الذات وفي محيطها.

إن الذات المبلوة لا تتحسس الزمان في تفاصيل جسدها، إنها تشخصه، فتضعه في الأشياء والكائنات، وتضعه في السرعة والتمهل وفي الفصول وفي المظاهر. إنها لا تبكي زمنية ولت، وإنما تمجد الألم من خلال بسط سلطة أخرى تفوق في قوتها سلطة الذكريات، فالذكرى هي “حاضر الماضي”، كما يقول القديس أوغيستينوس، ففيها يصبح الذي ولى وحده مادة للوعي والرؤية والتأمل. ولن تكون الذكريات شهادة أيضا، بل هي إحساس خاص بزمن هو للذات وحدها، أو تتوهم ذلك على الأقل. إنها لا تستثير في النفس متعة الانفلات من حاضر مباشر فقط، إنها، بالإضافة إلى ذلك، تتضمن الخوف أيضا، أو تشير إلى “قلق”، بتعبير هايدغر، فهي في ذاتها إشارة ضمنية إلى توجه إلى أمام لا يُخْلِف فيه الموت ميعاده أبدا.

بعبارة أخرى، إنه لا يمضي، في التجربة المباشرة لفعل الشعر، إلى أمام زمني لا يتوقف، وإنما يعود فيه إلى ما كان عليه قبلُ. لذلك على الحياة “أن تسير ببطء كالإناث الواثقات بسحرهن وكيدهن”، “فالقطار يسير كالأفعى الوديعة”، إنه لا يتوقف إلا في “المحطات”، ما يحدد النهاية الخاصة بكل كائن. يتعلق الأمر بإحساس الذات بتحللها في تفاصيل الوصف الذي يقودها إلى امتلاك طبيعة من خلال الموت فيها: التعفن في “حبة التفاح” و”آخر الرمان في الصيف الإضافي” ( زمنية مستقطعة من عمر افتراضي). إنه يتحاشى الرؤية في المرآة لكي لا يرى التحلل في ذاته، إنه يضعه في الأشياء: ” أما أنت فالمرآة قد خذلتك”.

لقد نفد الكم الزمني المخصص له، ولكنه يصر على استعارة جزء منه، كما يتجلى في بقايا الطبيعة في لحظات ذبولها. إن الزمن “فرس” و”طريق” و”شتاء” و”خريف”، إنه حاضر في الوعي لكي يحاصر ما تبقى من ربيع لا يُرى إلا في الذكريات: ” ألا تزال بَقِيَّتي تكفي لينتصر الخياليُّ الخفيفُ على فَسَاد الواقعيّ؟ ألا تزال غزالتي حُبلى؟ بالقطع لا، فلن تعود اللحظة العابرة، فلا شيء هناك سوى ” عشب يابس، وشوك وصبار على سكك الحديد”، إنها هنا أيضا دلالة على زمن يمر كما تمر القطارات، إنها تسير نحو محطة نهائية.

وذاك هو الفاصل الكبير بين التذكر والذكرى، يكون التذكر نفعيا في الغالب، إنه “زمنية ميتة” تختفي باختفاء موضوع الاستذكار؛ أما الذكرى فهي “زمنية حية” في الاستيهامات الذاتية، إنها إحساس فيه الحنين والندم والألم، أو هي الحسرة على شباب ولى وجسد ترهل فحاصرته التجاعيد من كل جانب، وتساقطت أوراق الأشجار أمامه. وذاك ما تحتفي به التجربة الشعرية، إنها ليست معنية باستحضار ما فات، بل تهرب من الصور التي تقابل بين ” الخيالي” في الذاكرة وبين ” الواقعي” في التجربة الحياتية.

يخلق الوصف، وهو سمة مركزية في قصائده، “المدة” المميزة، “مدة الحدث” و”مدة الأشياء” لكي تكون هي السبيل إلى خلق زمنية ثالثة هي التي تتسرب إلى الشعر ومن خلالها يُعيد ترتيب الكون وفق ما يفعله الزمن فيه وما تصير عليه الكائنات والأشياء أمامه. بعبارة أخرى، إنه يعيش اللحظة كما هي في المعيش المباشر، لكي يخلق لحظته في الشعر، وهذا التوسط هو وسيلته الوحيدة لكي يمسك بمضمون التجربة الزمنية خارج إكراهات الدفق الموضوعي للزمن، فما يهرب من العين، وهو يتوغل في الزمن، تستعيده الكلمات في صور جديدة هي المعادل الفني لتجربة الموت الآتية. وهو أمر يكثفه الإيقاع الداخلي للكلمات ولطريقة انتظامها في السطر الشعري. إنها تخرج من رتابة القافية لكي تسكن الانفعال في ما يمكن أن يقوله النبر والتقابلات المضمونية.

يتعلق الأمر بزمنية من طبيعة مغايرة، إنها ليست من وقائع التاريخ، وليست استيهامات تخييل جامح، بل هي من طبيعة شعرية تُمسك بالانفعال كما يتسرب إلى الأشياء ضمن علاقات لا تراها إلا ذات تُسقط نفسها على ما يأتيها من خارجها، إنها مرآة لا تعكس، بل تشخص الانفعال لكي يصبح قابلا للإدراك. إن ” الشكل يمضغ ظله”، إنه ليس مستودعا لمعنى، بل هو ظرف طارئ، فلن يحيل سوى على ” عدم موثق … ومطوق بنقيضه”. ففي خاتمة العمر تهرب الأحلام وتتشابه الأيام : ” كبرنا ،كم كبرنا، والطريق إلى السماء طويلة”، في الحيرة لا في متعة تُعاش فقط.

إن اللحظة في تجربة الذات ليست كَمَّا عدديا يوصف في ذاته، بل هي مادة الشعر ذاته و”مدته”، “فالزمن يوجد خارج الإنسان، أما المدة فجزء من حميميته” (برغسون). إننا نتوسل بالوصف لكي نمضي إلى قلب الأشياء وهي تنمو في الوجود وتضمحل من خلال صورة ما آلت إليه. لذلك لا يصف الشاعر ما فيها، وإنما يحولها إلى وعاء يستوعب السيرورة في الزمن: فما يتلاشى ويضمُر ويضمحل أمام العين يستثير في الوجدان اللحظة الأولى، لحظة البداية بعنفها وقوتها وشبابها. لقد وصف موته “في الزمنية” عبر احتضار بطيء لحياته الماضية، ومن خلال ذلك يكشف عن هشاشة الأشياء حوله، إنه يتصورها مودعة في زمنية، كما هو اللحم في القدر أو كما تتلاشى نضارة الجسد تحت سياط الزمن: ” إن الغد يسرق الماضي ويرحل”.

ومن خلال ذلك كله يُسقط النهاية على البداية، الربيع على الخريف والنضارة على الذبول والشباب على الكهولة وانفلات الزمنية من هوى النفس ورغباتها في البقاء في “اللحظة” ( “الآن” الهوسيرلي الذي نحن غرقى فيه)، أي الفاصل بين الربيع والخريف: ” مشيت ما يكفي لأعرف أين يبتدأ الخريف”. إنه يتحاشى وصف الترهل في الجسد فيضعه في المحيط: إنه يضعه في النجم “لحظة الارتطام في السماء “، والفرس الذي تُسَيِّر فارسا والمسافر في الطريق.

إن الخراب في النفس، ولكنه غير قابل للوصف، أو لا يمكن أن يكون في الشعر سوى استعارة لعالم يحتضن التلاشي الذي لا يتوقف”: “عشب، هواء يابس، شوك، وصبار، على سكك الحديد. هناك شكل الشيء، في عبثية اللاشكل… ويمامتان تحلقان على سفينة غرفة مهجورة عند المحطة مثل وشم ذاب في جسد المكان”. إنها سلسلة من الصور الحسية التي تختفي في مجازات تروي جميعها الخراب الداخلي الذي لم تستطع الذات المنهكة قول شيء مجرد عنه ( بالمفاهيم).

لا يمكن لهذا الدمار العنيف أن يكون إلا إذا كان حاصل زمنية تحطم في طريقها كل شيء. وذاك هو ما يستوعبه الحقل الدلالي الذي تستثيره ” المحطة”: محطة للإقلاع، حيث الربيع والشباب ومحطة للتوقف، حيث يبتدأ الخريف و”الطريق إلى السماء قريبة”. إنه” يشعر بحاجته إلى أمل يؤنسه، كأن يخضوضر المجهول في الصحراء”. فلا شيء يمكن أن يواجه قطارا لا راد لوجهته. إنه الدهر الذي فيه نحيا وفيه نذبل وداخله نتلاشي.