حوار مع جريدة المساء 5-3-2020 الجزء الأول

حوارات
22
0

يحظى الناقد والمترجم والسيمائي سعيد بنكراد باحترام كبير في الأوساط الأدبية والأكاديمية، لما راكمه من اشتغال جِدّي ومضنٍ مكّنه من أن ينحت بعمق بصمة خاصة في الدرس السيميائي بالجامعة المغربية ويفتح مجاله على قضايا جديدة خاصة ما يتعلق بالصورة والبصري عامة، ثم بما خلّفه للمكتبة المغربية والعربية من إصدارات مهمة تربو عن 36 كتابا بين ترجمة وتأليف. ناهيك عن عصاميته في الحفاظ على انتظام “مجلة علامات” المتخصصة في الدرسات السيميائية، والتي مازالت علامة صامدة في الحقل الثقافي المغربي منذ عددها الأول سنة 1994.

مَسَار فضَّلَ فيه بنكراد أن يظل بعيدا عن الأضواء غير تلك التي تمنحها المعرفة، ومكتفيا باصطياد فرائد النقد الحديث وترجمتها للعربية خاصة ما يتعلق بمجال تخصصه، ووفيّا بالقدر ذاته لمطاردة المعنى واستنطاق العلامات بحس يؤمن بقدرة السيميائيات على تفكيك الأنساق الإيديولوجية والثقافية الموَجّهة لسلوك الناس.

ليس من العسير أن تصادفه بين الفينة والأخرى في هذا المقهى أو ذاك وسط العاصمة الرباط، غير صَادٍّ حَواسَّهُ عن ضجيج الحياة، حيث يستطيع باحترافية أن يمارس عزلته المعرفية وسط صخب المحيط، عبر الوفاء لطقسه اليومي في القراءة كأسلوب حياة. القراءة التي هي عنده قراءات متعددة بتعدد المعنى والرؤى في هذه الحياة.

في هذا الحوار نراجع مع سعيد بنكراد بعض انشغالاته المعرفية والبحثية، ونتعرف على حيثيات إصداراته الأخيرة، كما نحاول تقصي مواقفه من بعض المستجدات التي تحظى بالاهتمام.

حاوره: محمد عبد الصمد الإدريسي

1-لننطلق من الحاضر القريب.. انهممتَ مؤخرا بموضوع الوجود الافتراضي وهو ما يمكن ملاحظته من خلال إصدارك لترجمتين على التوالي، الأول يتعلق بكتاب “أنا أوسيلفي إذن أنا موجود” والثاني “الإنسان العاري”.. ما سر هذا الاهتمام بالموضوع من قِبَلِكم كسيميائي؟

ج-لا سر في الأمر، فجزء كبير من اهتماماتي واهتمامات السميائيات عامة ينصب على الصورة. فما يتحدث عنه الكتابان هو في الجوهر الشكل الجديد الذي يُبنى من خلاله معنى الأشياء والكائنات، فالحضور الافتراضي في حياة الناس اليوم أقوى من حضور الواقع فيها. يتعلق الأمر بإسقاط عالم يتطور على هامش الواقع، إنه يسكن الصورة وحدها. وتلك هي المفارقة، فالصورة لا تدل على شيء ما، بل تدل على غيابه. وضمن هذا الغياب تتسرب الكثير من الدلالات التي نستعيد من خلالها نمطا جديدا في الحياة يمارس في “الوهم”، أي فيما يمكن أن تسلمه الصورة أو توهم به. وقد شرحت هذا التداخل بين الواقعين بشكل موسع في مقدمة كتاب” أنا أوسيلفي”. وكنت قد كتبت مقالا عن السيلفي قبل ظهور هذا الكتاب (ماي 2016)، وكان في الأصل الدرس الافتتاحي الذي ألقيته في المعهد العالي للإعلام والاتصال في نوفمير 2015 ، وفيه تحدثت عن الرغبة التي تستوعبها اللحظة “الأبدية” في انفصال عن دفق زمني هو الحاضن للحلم الإنساني. فما هو أساسي في بناء المعنى ليس المعيش بل صورته، فتأمل البحر وحيدا لا قيمة له إذا هو لم يُصور ويُلقى في الشبكات الاجتماعية ويحصل على الكثير من الجيمات.

2-ربما هذا الذي سميته “الوهم” والذي تخلقه الصورة أصبح وهما أكثر صدقا عند الناس من أي شيء آخر؛ بل يعيشون فيه أكثر من عيشهم في الواقع الحقيقي. هل ترى أن هذا من أخطر الآثار التي خلفتها الثورة الرقمية اليوم؟

ج-يبدو لي أن الأمر كذلك. فالافتراضي لا يقدم حياة حقيقية، إنه يستبدلها بمجموعة من الصور يتبادلها الناس في مواقع التواصل الاجتماعي. فاللحظة، كما عبرت عن ذلك سابقا، لا تُعاش بل يجب أن تُصور، فلا أهمية للفعلي، فقيمته مستمدة من الافتراضي. ولن أذيع سرا ، إذا قلت إن هذا الأمر يشكل خطورة على الناس من جميع الجوانب. هناك انشطار في هوية الذات وكينونتها: ما يقال في الافتراضي وما يُعاش حقيقة. إن الواقع مركب ومعقد ويعج بالمفاجئات وغير المتوقع والنسبي والعفوي، إنها الحياة بكامل النقصان فيها، أما الافتراضي فتتحكم فيه الصنعة، فالناس يقولون ما يود سماعه الآخرون أو رؤيته، فهم يبحثون عن مثيلهم ليكون صديقا. إنهم يلغون (يقتلون) المختلف الذي لا يشبههم. وتلك خطورة الحياة الافتراضية. وهذا ما يستهوي اليوم طلبتنا وتلاميذنا ويجعلهم ينصرفون عن الكتاب إلى الصورة، بكل ما يعنيه ذلك من تراجع لدور اللغة في حياة الناس. والكثيرون لا يدركون خطورة هذا التراجع، ذلك أن المناطق التي تنسحب منها اللغة يستوطنها العنف. إننا لا نعرف العالم بالبصر بل نُدرك سِرَّهُ بالكلمات التي تعيد خلقه وتحوله إلى رؤى.

3- هل نفهم من هذا أن ما تكسبه الصورة اليوم يأتي على حساب اللغة، وإذا استحضرنا أن ما يهدد اللغة ليس الصورة وحدها وإنما هذه الهجانة اللغوية التي باتت تحيط بها من كل جانب؛ في الشارع وفي وسائل الإعلام وفي الكتب المدرسية التي بدأنا نسمع عن سياسات تدريج قادمة نحو المناهج، في نظرك ما مدى الخسارة أن تفقد اللغة مواقعها في حياة الناس؟

ج-لا يتعلق الأمر بالمفاضلة بين الصورة واللغة. فهما يشكلان نمطين مختلفين في التعبير عن كينونة الإنسان، كما تعبر عن نفسها في العقل وفي المرفقات الانفعالية ( نحيل هنا على الزوج الشهير الذي تحدث عنه أندري لورا -غورهان الذي يجمع بين الوجه اللغة وبين اليد الأداة). ولكن عندما تحل الصورة محل اللغة؛ فإن الأمر يختلف، ففي هذه الحالة ننتصر للانفعال ضدا على عقل يُنظم التجربة استنادا إلى لغة تُبنى في المفاهيم. أما المستوى الثاني من السؤال؛ فيشير إلى ما هو أكثر خطورة، فليست الصورة هي التي تنافس اللغة، بل ظهور زواج جديد بين صورة تُعد نظيرا بصريا يحتفي بلحظة عابرة في جسد يعرض نفسه في حسيَّته من خلال يافطاته المباشرة، وبين لغة ليست موجهة لاستثارة دلالات تحتاج إلى تأويل قد يستعصي على الأذهان البسيطة، إنها تقول فقط ما “يجب أن تقوله”، إنها حسية، أي شفافة ووثيقة الارتباط بما تقوم بتعيينه. بعبارة أخرى، هناك ميل استعراضي لا يكتفي بالمتعة، بل يستجدي نظرة الآخر. وهذا ما يمكن أن نلتقطه من الخطاب المنتشر في أوساط الشباب، وفي جنبات المؤسسات التعليمية، بل في لغة الشبكات الاجتماعية وفي بعض الفيديوهات أيضا.