ديال ميلودة وعبد الإله، أعني الحزب

مقالات
16
0

سعيد بنگراد

من جديد تُثار قضية الدارجة في الساحة الثقافية، ولكن من باب السجال السياسي هذه المرة، فقد وردت على لسان رئيس الحكومة كلمة عابرة (ديالي) أحدثت “التباسا” لغويا وأخلاقيا أساء إلى المشهد السياسي المغربي كله. لقد كانت هذه الكلمة مرتبطة بسياق صريح يحيل على الحزب ولا شيء غيره، حزب السيدة ميلودة وحزب السيد عبد الإله. والكل كان يدرك هذه الحقيقة، والكل كان يعرف أن عبد الإله بنكيران لا يمكن أن يصل، في اجتماع رسمي لممثلي الأمة، إلى هذا المستوى من السوقية والبذاءة اللغوية (والسياسية)، والذين اتهموه بذلك لم يكونوا صادقين في السر وفي العلن.

ومع ذلك، هناك في الاستعمال العامي لهذه الكلمة ما يبرر هذا الاتهام، أو على الأقل، ما يستثير حالة الحرج التي أحس بها المتهِمون والمتهَمون على حد سواء. لقد كان هذا الاستعمال يتضمن في التداول اليومي حمولات أخرى دفعت الكثيرين، بل دفعت كل الناس، بمن فيهم المدافعون عن الدارجة، إلى استحضار دلالة جنسية لم يكن من الممكن تجنب الإحالة عليها بحكم طبيعة اللغة المستعملة في هذا السياق وفي غيره. وهو ما يعني أن “المتهم” الرئيسي في هذه النازلة هو هذه الكلمة بالذات، وليس الناطقين بها، فهي جزء من نظام لغوي عامي مرتبط، في أغلب حالاته، بتدبير شأن نفعي عادة ما ينزاح عن التجربة المباشرة ليعود بالمتلفظ، أو بالكلمات، سيان، إلى أصل الوجود حيث كان كل شيء مرتبطا بـ”العري” في الأشياء والكائنات وفي السلوك، أي استثارة حالات تماس مباشر للذات مع محيط خارجي حَرْفي في وجوده وفي معناه.

وعلى الرغم من وجود إجماع ضمني على أن مضمون الكثير من الوحدات المتداولة في الدارجة المغربية “القحة”، ما يسميه البعض “المغربية”، عائم وملتبس ويولد، في الكثير من الحالات، انزلاقات دلالية قد تعصف بأكثر النوايا صدقا، فلا أحد منهم حاول وضع الكلمة المثيرة للجدل ضمن ما هو أوسع منها، أي ضمن نظام “السجلات العامية” التي تشتمل على الكثير من شبيهاتها من قبيل “جَبْتُو” و”حْشيه” و”خرجو”، و”التقبة”… وسلسلة أخرى من الكلمات التي عادة ما يتحاشى الناس استعمالها ضمن المقامات المحترمة، أو يحيطونها بالكثير من ضمانات التداول. فهذه الكلمات موجهة من داخلها نحو معنى “فاضح”، فهي محكومة بدلالات تُعد جزءا من سياقات إبلاغية تم استبطانها اجتماعيا وفرديا منذ اللحظات الأولى للاستعمال الواعي للغة.

بعبارة أخرى، إنها تتضمن “قوة تعيينية” كبيرة تشد الاستعمال إلى الفعل المباشر عبر صيغة استعارية من طبيعة تناظرية، ضدا على ما يمكن أن تتضمنه من دلالات تحيل على المقصود الظاهر. ويكفي أن “نترجم” عبارة السيد رئيس الحكومة إلى العربية لكي يصبح كل شيء واضحا، فضمائر الامتلاك فيها مرتبطة بالضرورة بالشيء المملوك ( حزبي، قميصي سيارتي…) ولا يمكن أن تنزاح عن هذه الدلالة إلا في الحالات التي تتحول فيها الجملة كلها إلى حامل لدلالة تشير إلى امتلاك من طبيعة رمزية. وهذا دليل آخر على أن هناك تفاوتا بين العامية التي يدعو البعض إلى التدريس بها، وبين العربية، أي هناك تفاوت بين معنى مرتبط بتجربة حسية، وبين دلالات تُبنى في اللغة في انفصال عن المحددات الأولية لهذه التجربة.

وهذا التفاوت ينعكس على مستوى التسميات والأوصاف في المقام الأول، ولكنه ينعكس أيضا على قدرة كل منهما على الفصل بين مناطق انفعالية متميزة في الهوية والدرجة من قبيل تمييز العربية بين الحزن والفرح، وتمييزها داخل الحزن ذاته بين السوداوية والكرب والغم والهم والاكتئاب…، وهذا ما لا تستطيع الدارجة القيام به. والحاصل أن القيمة التعبيرية للكلمات لا ترتبط بجمالية تنميقية تخص لغة أدبية مغرقة في مثاليتها، بل لها علاقة بطبيعة التواصل بين الناس وقيمته وعمقه، التواصل بين الأفراد والجماعات، بين المربين والتلاميذ بين الأساتذة وطلبتهم. فوظيفة اللغة، كما سبق أن رددنا ذلك مرارا، لا تكمن في تسمية الأشياء والتمييز بينها فحسب، إنها تقوم، بالإضافة إلى ذلك، بتهذيب العالم وتخليصه من كتلته المادية السابقة على الحجم الإنساني.

إن اللغة، استنادا إلى كل هذه الحيثيات، لا تنقاد بشكل طوعي لقصد من يستعملها، فقد استضمرت من السياقات ما يجعلها قادرة في الكثير من الحالات على استيعاب قصد المتكلم ضمن قصدها الخاص وتوجيهه إلى ما لا تُحمد عُقباه من الدلالات. بعبارة أخرى، إن الاستعمال لا يُخْلِص لنوايا المتكلم، بل يكشف عن الآليات التي تتحول من خلالها الكلمات إلى نص أو واقعة إبلاغية معزولة وفق نواياها هي، في انفصال عن نوايا المتكلم في الكثير من الحالات.

وهي صيغة أخرى للقول، إن النية لا قيمة لها في ميدان السياسة، وفي ميدان كل تواصل من طبيعة عمومية، فوحده مضمون الخطاب يحدد القصد الفعلي لكل سياق إبلاغي. ومصدر هذا القصد ليس الذات المتكلمة وحدها، بل مودع في اللغة في المقام الأول. إن” لغة الشعب” ليست دائما مُرْبِحة سياسيا، فقد تتحول، مع الوقت، إلى تهريج يُضحك الشعب.