معجم السيميائيـات متابعـات نقديــة ترجمــــات

دراســــات

 مؤلفــات بطاقة تعــريف الصفحة الرئيسيـة
للاتصـــال  مواقـــع   خزانات الموقـع صحف ومجـلات رسائل وأطروحـات وحدة تحليل الخطاب مجلـة عــلاما

 

فانسان توماس

الجثة واللغة والصور

ترجمة: أحمد الفوحي

تقديم

الجثة، كماهي، تثيرتمثيلات متعددة، غير أن مآلها يثير عملية رائعة من التمثيلات والتمثيلات المتكررة في علاقة بعناصرالتراب والهواء والماء والنارالتي تؤدي بها إلى التحلل المعدني، فتجد لذلك أثرا في المخيال. فوفاة الجسد إيذان بالجثة. وسواء كانت الثقافات ذات سلوك عتيق أو حديث عصري، فإنها تتعامل مع الجثة لتتجاوز الفظاعة التي يثيرها تعفنها المحتوم الدال على الإبادة التي تنتظر الاحياء. ولما كانت اللغة موضوعة للإبانة عن المعاني وكان التصريح على المستوى اللغوي سببا في المفسدة، وقع الترادف والاشتراك في اللغة وكذا الاضداد والمجاز والحقيقة والاستعارة والكناية والتورية وكل الصور البيانية التي تعتمدها اللغة في أداء وظائفها. وفي هذا السياق تندرج هذه المقالة الذي تتناول مسألة الجسد وهو جثة هامدة والإمكانات التي توفرها اللغة للحديث عن الجثة في علاقتها بالمتكلم من حيث القرابة أوعدمها ومن حيث إثارتها للاشمئزاز إذا ما أحالت اللغة على مدلولها بطريقة مباشرة. إن هذه المقالة ترجمة لجزء من الفصل الثاني من كتاب لويس فانسان توماس الموسوم بـ الجثة : من البيولوجيا الى الانتروبولوجيا ( le cadavre; de la biologie à l'anthropologie)الصادر عن منشورات complexe بروكسيل 1980. والكتاب يقع في خمسة فصول هي: 1-مقاربات أنتروبولوجية للجثة، 2- الجثة: اللغة والصور، 3- دينامية الاستيهامات، 4- طرق الحفاظ على الجثة، 5- طرق إتلاف الجثة.

وقد ذيلنا هذه الترجمة بتعليقات رمنا بها تقريب الفهم إلى القارئ الذي يغيب عنه النص الأصلي.

النص المترجم

الحديث عن الجثة لا يمكنه الانفصال عنها. غير أن ما يقال عن الميت لا يتصل بحقيقة الموت غير المدركة. فالجثة، كما يؤكد جان تييري مارتينس، هي "الدال الخلفي" (outre-signifiant) هي >المسكوت عنه في المعنى وغياب مكان التبأير وتجميع كل الإمكانات المكبوتة. الميت يثير فجأة عيب الخطاب<(لعبة الميت). والحديث عن الجثة يعني اختزالها و تقليصها إلى بعض الدوال التي لا تدل عليها. والحديث عن الجثة لا يعتبر الميت موضوعا، وإنما مسوغا لإعادة إدماج الموت في المألوف البشري].

الجثة واللغة

نحتاج عادة إلى كلمات بسيطة للتعبير عن وقائع الحياة. إلا أن الموت يشذ عن هذا، فنضطر إلى استعمال ألفاظ ملتوية واحتفالية (1) للإخبار عنه، نحو: "لقد انطفأ" أو"لقد دعاه الرب إلى جواره"(2)، أوصيغ محلية استعارية نحو: "لقد كسر غليونه" و" لقد سلم المفاتيح" ...و للدلالة على وفاة زعيم كبير تستعمل في إفريقيا عبارات من قبيل "لقد انشقت الارض" و " انهارت الشجرة العظيمة".

كيف يعبر عن الجثة

إن التعبيرعن الجثة يتم بوساطة مصطلحات عميقة الدلالة. وبالرجوع إلى تحليل دلالي، ولو كان مجملا، للألفاظ المستعملة استعمالا واسعا، نكتشف نزواتنا العميقة: فلفظ "الجثة" الذي يوحي بفكرةالتعفن يثير الكثير من الاشمئزاز مما جعل روبير ساباتيي يحجم عن إدراجه في "قاموس الموت". وأكثر من هذا، لفظ "الجيفة" المستهجن استهجانا نختص به الحيوان في الغالب. وفي المقابل، فإن لفظ] الجسد عبارة عن تورية مزدوجة ومطمئنة. ومما لاشك فيه أن الجسد قد يكون حيا وقد يكون ميتا؛ وهذا ما يسوغ عبارة من قبيل: " هنا يرقد بخشوع جسد فلان". فالموت مشبه بالسبات وصيغة الحال "بخشوع" تترجم قصد التطهير الذ ي يعوض فكرة التعفن الخلفية. إن جسد الميت يشبه، ضمنا، بعماد الشخص الذي يستمر في الحياة في مكان ما، ولو في ذاكرة الاحياء. وتقوم وظيفة الطقوس، رمزا، باستبدال الجسد بالجثة والكائن بالشيء. وبهذا الصدد نجد لفظ جثمان Dépouille ذا مغزى عميق]؛ و يشيراشتقاق هذه الكلمة من اللاتينية despoliare أي الاجتثاث]، بطريقة علنية شيئا ما، إلى الجسد المحروم مما كان يحييه، فكأنه استنفد نصيبه من الحياة. ويقتضي، علاوة على ما سبق، شيئا آخر، أساسا ولازما، لا يكون الجسد إلا الوعاء الذي يحتويه. ومهما وصفنا الجثمان بالميت، فإن هذا يفترض بأننا نميزه عما يستمر في الحياة بعده وما انسلخ عنه. فأن تكون العبارة تسند إلى ثنائية الروح والجسد أم لا، فإنها تخون، على أي حال، ترددنا في اعتبار وتصورالموت عدما نهائيا. ويخضع القاموس الشعبي، الذي لا تخفى علينا وظيفته التنفيسية ( cathartique)، للاقتضاءات نفسها، بالتعلق بالسخرية أوالبذاءة لتهوين الموقف. ويتحدث طلبة الطب عن الجثة ( macchabée) (3)، وهو لفظ رغم أصله النبيل (إذ يعبر هذا اللفظ عن المكابيين (4) الإخوة السبعة الشهداء في العهد القديم) يحط من شأن الجثة إلى وضع شيء ممقوت وخال تماما من الذات.

ومن أجل الابتعاد عن الموت، وجدنا مستخدمي موكب الدفن يسمون الجثة، طرافة، "المستحم". وللشرطة أيضا قاموس طريف خاص بها من قبيل calanchée وcroni وclampsé (5). كما أن بعض الألفاظ الملائمة شيئا ما قد تكون مناسبة، إذ يمكنها تحويل الاتجاه والاهتمام عن اللحم المتعفن، وتركيز الانتباه على الفضلة المعدنية للتحلل نحوالمتعفن و الرماد اللذين تنطبق تسميتهما بالضبط، خصوصا اللفظ الأول، على الجثة المدفونة حديثا.

ومما تجدر الإشارة إليه أن استعمال كلمات تثير حساسية بالنسبة للجسد الميت يستجيب لأدبيات لفظية صارمة لا يمكن الخروج عنها دون إثارة الضيق والقلق لدى المتكلم أوالمستمع. وتأتي بعض الملاحظات لتأكيد ما سبق. وهكذا فإننا لا نطعم من الجثة وإنما نأكل اللحم الذي قد يكون نتنا عند الحاجة الماسة من غير أن يتعفن. كما أن لفظ اللحم لا يمكنه أن ينطبق على جسد المسيح الذي يتناوله المسيحي رمزيا في القربان المقدس على شكل خبز وخمر. وعندما تحطمت الطائرة على جبال الأنديز سنة 1972 تمكن الناجون من البقاء على قيد الحياة بتناول اللحم المأخوذ من أجساد زملائهم، لا اللحم المقتص من الجثث. يضاف إلى ما سبق اللجوء إلى احتياطات لسانية للحديث عن أجزاء جسم الحيوان التي تؤكل. وهكذا تتحدث الوجبات عن المخ بدل الدماغ، والكرش بدل الامعاء أو المصارين وعن الكلية rognon بدل الكلية rein (6) وعن النخاعية amourettes بدل النخاع الشوكي moelle épinière. هذا مع أننا نأكل الكبد والقلب، ربما لأن الأمرهنا، يتعلق بعضوين نبيلين يستجيب تذوقهما لاستيهامات غامضة تتضح بجلاء في التقاليد العتيقة لأكل الجيفة. وهناك مسألة أخرى تبين بجلاء وقع الصور التي تعبر عنها الكلمات، وهي] أننا نمر أمام الجسد لا الجثة لالقاء النظرة الأخيرة]. فالأمر، هنا، يتعلق بفكرة العفونة المرفوضة بسبب الاشمئزازالذي تثيره. كما لا يمكن أن نتصور إقامة مراسيم الدفن لأموات دخلت أجسادهم مرحلة التعفن والتحلل إلا بوسيط صلب نحو التابوت الحجري، الحاوية الرائعة التي تضم المحتوى العفن]. وإذا كان الجسد ما يزال يكتنفه الغموض، فإن الجثة، بالمقابل، ترفع كل لبس، لأنها تجاوزت بوضوح القطيعة التي تفصل الحياة عن الموت. فهي تقع تماما خارج الخطاب، وبغض النظر عن الحرج الفيزيائي الذي قد تسببه رائحتها، فإنها لا تولد إلا المواقف السلبية نحوالفظاعة والرفض والانكار. إننا لا نلمس الجثة، ولا نأكلها، ولا نتوسل إليها ولا نكلمها ولا نقدرها، وإنما الخطاب هوالذي ينقلها إلى وضع كان ينبغي أن تبقى فيه دائما، وضع جسد قد نلامسه أوننحني أمامه أونأكله استيهاما من فرط العشق. وإذا ما حاول الخطاب، عرضا، القيام بالمسعى المضاد لما سبق] فإنه سيؤدي إلى قلق لا يطاق. يقول بودلير قي قصيدة الجيفة:

ومع ذلك ستصبحين شبيهة بهذه القذارة

بهذه النتانة الفظيعة

أنت يا ملاكي وعشقي

إن اختيارالألفاظ التي تعبر عن الجثة رهين بالمدلولات التي نحملها إياها. فليست الجثة جثة إلا في الحدود التي نزيح فيها هم الموت بدرجة كافية تجعل صورة كائن حي قلص إلى شيء مقبولة. ولا يمكن تصور هذا إلا في حالة اللاوعي التام عندما يتم صرف الانتباه أوتغييبه لفترة. و هذا ما يفسر كون الكلمة "جثة" تثيراقشعرارالجسد دائما. إلا أننا نقبلها للحديث عن أموات لا تربطنا بهم صلة، أي عندما يكون الموت بعيدا في الزمان وفي المكان من جهة، وفي المجال العاطفي من جهة ثانية. وهكذا نتحدث عن جثث الجنود الموتى في الحرب و أجسادهم ( جثامينهم) عندما يتم نقلها إلى ذويهم. كما أن إيديولوجية دينية معينة قد توجه الدوال وتحدد نمط المفردات المستعملة في هذا المجال]. ويعطينا القداس المأتمي البروتيستنطي، في هذا الصدد، مثلا عن زحزحة دلالية مهمة. يقال في دارالميت: "يا رب إن أخانا (أختنا) يغادر( تغادر) الآن داره (دارها) الدنيوية". وفي المعبد تصبح العبارة السابقة]: "إن أخانا (أختنا) نام (ت) في حضن الرب" أو"لقد نادى الرب على أخينا". وأما في المقبرة فإن الراهب يقول: " في الوقت الذي يتم فيه إرجاع ما كان ترابا الى الارض.." وفي كل هذا تجنب للفظ "الجثة" وينتسب على التوالي إلى الشخص، والكائن الأزلي، ثم إلى التراب، وهذه طريقة لحجب العفونة استعاريا.

و توجد المهارات اللغوية نفسها في كل ما يمُت إلى الجثة من قريب أو من بعيد. فالكلمة cimetière مقبرة هي " المكان الذي نرقد فيه". كما يدل عليه الأصل الإغريقي للكلمة ( koiêtêrion) وليس المكان الذي نتعفن فيه؛ و نلطف أيضا من كلمة المقبرة عندما نتحدث عن المقبرة-المنزه cimetière-parc أوالمقبرة-الحديقة cimetière-jardin. وأما فيما يخص كلمة nécropole مدينة الأموات، فإنها توحي بأن الأموات لهم، هم أيضا مدينتهم (7). وهذا ما يستجيب، من دون شك، لأساطير الحياة البعدية. ولعل اندثارهذه الأساطير هوالسبب في اختفاء هذه المفردة المعتبرة عتيقة ومرعبة. ويجب الاعتراف بأن المجتمع الغربي غير مهيأ للتعامل مع كيفية] إنكار الموت(8). فالتقنية المتطورة جدا لا تأتلف والرموز والأساطير. وإذ لم توجد طقوس لاختزال الموضوع-جثة الى دوال، فإننا لا نكتفي بتنكير علامات الموت. فعلى المستوى اللساني يعتبراختياركلمة athanée (9)، مثلا، ساذجا ومؤثرا في الوقت نفسه. إنه يعبر عما يسميه الأمريكان Funeral-home بيت الجنازة، وأما لفظ funerarium المتبنى في البداية، فبدأت تتخلى عنه بعض المؤسسات المنظمة للموكب الجنائزي لما له من آثار وصدمات نفسية. وفي المقابل تقتضي اللاصقة السالبة a المضمومة الى thanathos إله الموت فكرة] اللاموت. فالموارد العلاجية التي يتوفر عليها الخطاب لا تنضب كما سبق أن رأينا].

الجثة ذريعة أدبية

إن الجثة معين ألهم الكثير من الكتاب، و ليس الباحثين عن المؤثرات السهلة فقط. وتجد روايات الرعب إطارا للانتقاء في المقابر والممثلين الذين يخيفون مجانا، من الأموات-الاحياء والهامة والضعف والطيف. وتستهلك الروايات البوليسية الجثة أيضا لإنها تقول كل ما نريد أن تقوله بعدما كانت في البداية حقيقة سلبية. وانطلاقا من مجموعة الأمارات التي تفرضها يمتد البحث للوصول إلى الجريمة.و هذا ما يلزم الجاني تشويه الجثة لإتلاف أي أثر للجريمة، كجعلها في وضع معين يوهم بالانتحار أوالحادثة أو تحريفها أو نقلها إلى مكان آخر أو إتلافها نهائيا. وفي المقابل نجد المحقق يضع اليد عليها ويفحصها لإعادة تكوين ملابسات الوفاة وتحديد هوية الضحية. وعند الاقتضاء يحيلها على الطبيب الشرعي الذي يعرف وحده كيف "ينطق الميت" بالاعتماد على معارفه ووسائله. وعليه تجعل الجثة الرواية ممكنة، فهي ليست شيئا آخر سوى حلقة الوصل بين المحقق والجاني. وعموما نجد الأدب يتذرع بالجثة للتعبير عن استيهامات الأبطال الذين يجد كل من المؤلف والقارئ نفسه فيهم. وهكذا تصبح الجثة، أحيانا، الشيء المربك الذي يجب إجلاؤه بأي ثمن. ويوضح شريط فرانك كابرا: الزرنيخ و التخريمات القديمة Arsenic et vieilles dentelles هذه الموضوعة. إلا أن يوجين يونيسكو هو الذي برز في الدعابة السوداء في هذا المجال في أميديا أو كيف التخلص منه لقد كبرت جثة أميديا إلى درجة أن البيت ضاق بها وتجاوزت النوافذ والأبواب. ويترجم حجمها العملاق وما ينتج عنه من حرج وضيق، في مقام الهزل، العدوانية التي ننسبها إلى الميت الذي ينتقم بهذه لطريقة] من الذين قتلوه. ألم يتكلم أميديا لغة الشعور بالذنب لدى الأحياء؟ وفي مقام آخر ينعت جان جونيه بطل موكب الدفن بنزوات غريبة تتمثل في] ضم جثة الصديق الميت: فعملية عود الثقاب التي يداعبها في جيبه ستصبح رمز التابوت الذي يحتوى عظام جان. وبالنسبة لدونيس روش في الشباك السفلي تصبح جثته ذريعة لفيض من التمثيلات المرضية؛ فهو يتصور تحلل جثته و يصفها عند إخراجها من القبر بعد مرور تسعة اشهر على دفنها؛ كل هذا بإصرار لطيف على هول التعفن. و الجثة ذريعة أيضا عند جان شامبيون في الراقدون. عندما يعثر الولد الأبكم، الذي يحاكي صمته صمت الميتة، على جثة عارية مقطوعة الأطراف على قبر من المرمر في كاتدرائية القديس دونيس. إلا أن هذه الجثة ستحتفظ بمكنونها، إذ بقي لغز الوفاة مطمورا في "الطابع الندي" للكنيسة. والجثة الغريقة التي تروع زوجين يقضيان العطلة على شاطئ إيرلندي في رواية ماري كاردينال حياة من أجل إثنين ذريعة كذلك. فقد ذهب الزوجان إلى حد توهم حياة لتلك الجثة حتى تتسنى لهما رقيتها وطرد الأرواح الشريرة منها. غيرأن هذه الجثة ستكشف ما يستحوذ عليهما بتجلية حقيقتهما الداخلية: > سيصرفان إلى هذه المجهولة كل ما يخالجهما وزواجهما المتنافر< وفجأة سيضمان إليهما هذه الجثة التي أصبحت شريكتهما وسيجعلان منها >الرابطة المستعادة والسر المشترك المتقاسم<.

وقد نجد أمثلة أكثر دلالة من فيلون إلى بودلير. وسواء كانت الجثة موصوفة بدقة أو مشارا إليها عرضا فإنها لم تكن أبدا مقصودة لذاتها، فهي عند الكاتب أو أي شخص آخر الدال الخلفي(10) outre-signifiant. فالخطاب عن الجثة يحيل على شيء آخر. إنه موجه نحوالأحياء الذين يحاولون عبثا أن يجدوا فيه معنى للحياة.

اللغة المفككة: الصمت والصراخ

الموت صمت. إنه صمت رهيب ونهائي، صمت الغيبة و اللامعنى. والجثة المحرومة من طاقاتهاالخاصة، حسب رأي وليام رايش (11)، ومن كل تنظيم ذاتي ليست إلا شيئا هامدا وخشنا ينتمي إلى المجال الفزيائي-الكميائي. إنها ما يبقى خارج أي تواصل. والحديث إلى الميت ليس الا بدء مونولوج كان هو سببه. وإذا حدث في الطقوس والعادات القديمة أن نطقت الجثة، فإن كلامها لا يفهم ولا يدرك إلا في النسق الرمزي الذي يختلقه الاحياء. يقال في إفريقيا السوداء: إن كلام الأموات عبارة عن ريح غير منتظمة وهائمة لا اتجاه لها تبحث عن مخاطب لا يمكن العثور عليه؛ إنها ريح جافة مجففة تسبب الموت. إنه كلام] غير منطقي خال من أي دلالة. وإذا اعتبرنا كل هذا وجدناه] لا-لغة(12) anti-langage. ولا عجب إذا رأينا، مثلما وضحت دومينيك زهان في جدلية الكلمة عند قبائل البامبارا، الطرق السحرية لكبت الكلمة مبنية على التصرفات المنسوبة إلى الجثة (من دفن ونبش). إن عبارة من قبيل] "لقد مات الجسد (13) ولم يعد بمقدوره أن يتكلم"، من الأدعية الرئيسية التي تتلى في مالي لفرض حالة] الصمت أوتجنب سحر كلمة الخصم.

وبالرجوع الى هذه الرمزية نجد عادة غريبة ما تزال متداولة عند هذه القبائل، وتتمثل في أن يقوم الزوج أوالحفيد بجلد جثة الزوجة التي عرفت كيف تحفظ لسانها. وهكذا يراد تقدير كمال أخلاق] الهالكة بالتذكير بأن طمأنينتها وراحة ضميرها عندما كانت على قيد الحياة لا يوازيهما إلا عدم إحساس جثتها بضربات السوط].

و من الأفضل أن يصمت الميت ويكون له الامتنان على صمته في فترة الاحتضار. وأما في عالمنا (14) الذي تعوزه الدوال تقوم المصالح الاستشفائية بكل شيء يجعل المحتضر يفارق الحياة بسرعة دون أن يقلق الأهل. كما أن لحظة الاحتضار هي فترة] صمت: >المحتضر لا يثير الصخب< كما قال فلادمير يانكيليفيتش (15). الصمت مرتبط بالموت طبيعيا لأن الجثة خرساء وثقافيا لأنها خارج إطارالدلالة. ومن جهة أخرى فإن عبارة] أخرسه reduire au silence تعني قتل من لا حق له في الكلام قتلا اجتماعيا، وفي لغة السوقة المجازية تعني التصفية الجسدية للواشي المحتمل. وإذا كانت الجثة تقع خارج الخطاب فإنه ليس بإمكاننا الرد عليها إلا بالصمت.و من هنا كان التحريم القديم الذي يمس إسم الميت في المجتمعات التي يساوي فيها إطلاق التسمية إدماج الصبي في الخطاب الاجتماعي. ومن هنا أيضا كانت عادة دقيقة الصمت للترحم على الميت. ولأكثر من سبب تدفع المواجهة مع الجثة الحاضرين إلى التزام الصمت أو التكلم بصوت منخفض. وصورة الجسد في حالة التعفن هي التي تصيب بالذهول لأننا نستعيد القدرة على الكلام عندما يحاط الميت بألفاظ ودوال تنسي تحلل ذاته وتفككها. ومما لاحظته مضيفات athanées أن الزواريتعمدون رفع الصوت أمام الميت الذي يبدو وكأنه حي بعد أن تعرض للعلاجات المخلدة thanatique (16). ولا أحد يتحرج إذا تحدث إلى مخاطبه حول قبر نابليون الرخامي. وفيما يخص المحزونين الذين يشاركون في الموت بقربهم الجسدي أوقرابتهم العائلية أوالاجتماعية فلا يمكن سوى السكوت إذا توهموا أنفسهم مكان الميت، أو رفع العويل أمام الخسارة غير المعوضة التي تمثلها وفاته. وكما كان صمت الموت لا-لغة، فإن الصراخ لا معنى له خارج الإحالة على ما هو اختصاص الخطاب. وكما قال جان تييري مارتينس، بطريقة رائعة، فالصراخ > في الخطاب هو الغريب الخفي الذي يجعلنا نعي وندرك صدى الآخر والحائط الذي يعكسه<. ولهذا لم يكن صمت الجثة ولا الصراخ الذي ينبيء بلا-معنى الموت مقبولين اجتماعيا إلا باستعادتهما في الخطاب الاجتماعي. إن التسامي بالموت بتغطية الوجه أمام سيرورة التعفن وتقنين الكآبة أوالترفع بها، هو ما تصبو الطقوس الجنائزية اليه. إن المجتمع الغربي، منذ اضمحلال الخطاب الديني، لا يشتمل في هذا المجال على الإمكانات التي تتوفر عليها المجتمعات التقليدية. وهي المجتمعات التي سنعود إليها لإعادة موضعة صورة الجثة في سياق صوتي.

إن صمت أصحاب المأتم مقنن عند كثير من الشعوب. وهنا نذكر العادة التي تلزم الأرامل الإفريقيات بحمل علامة معينة، كالجلجل مثلا، كي لا يكلمهن أحد. وبصفة عامة نجد الطقوس القديمة، كما سبقت الإشارة إليه، تزايد على فوضى الموت وتدفع باللامعنى إلى معاقله. كما أننا نجد، بجانب الصمت الذي يلتزمه المشاركون في المأتم، الفوضى العارمة تحل بعالم الكلمات والأصوات. فاللغة المعكوسة، والتجنيس والفحش، بل، وخصوصا، الزعيق والصراخ والضجيح والمفرقعات، كل ذلك، يتخلل البلبلة العارمة التي تميز دفن الشيوخ الأفارقة. والغوغاء نفسها تصاحب رقصات الخصوبة لتدل بهذا أن الفوضى، التي هي عَرَض الموت مثل تحلل الجثة، هي أيضا وعد بالحياة، كالولادة من جديد في عالم الأجداد.

و بالمقابل، فإن التمظهرات الضجيجية للجزع لا محل لها و ليست جائزة. فقد تدل على شدة التعلق بالميت مما قد يعرضه لإخطاء الهدف وجعل الأحياء يعيشون تحت تهديد رؤيته بينهم من جديد. وبالخصوص نجد غم المأتم يهدد استقامة الفرد والجماعة. لذا يجب على المجموعة أن تتكفل به. ومن هنا كانت النائحات اللائي يقمن رمزيا بتحمل حالة حزن الأحياء، وذلك في حدود مقننة بدقة. فعملهن هذا مؤدى عنه، ويظهرن في أوقات محددة، وحتى] مواقفهن وعويلهن عبارة عن سلوك مكرر. إن الوظيفة التنفيسية لتلك المتخصصات في المبكى كانت مألوفة لدى العالم الغربي. لقد كانت مراسيم الدفن في جزيرة كورسيكا تتم بحضور تلك النائحات منذ مدة ليست بالبعيدة. و قد أبدل الغرب هذه الوظيفة ببدائل متطورة، لكن تنقصها النجاعة، وهي إما صوتية أو لغوية لاسترجاع صراخ الحزن والألم: ومنها قرعة الحزن، glas ، وموسيقى الموتى musiques Requiem، والتأبين، وأجراس الكنيسة التي لا ندري هل بإمكانها أن تملأ الفراغ الذي يخلفه الموت.

الهوامش

1) أي كلمات متخيرة ومنتقاة للتعبيرعن عظمة الموقف

2) وهو ما نعبر عنه بـ >لقد لبى داعي ربه<

3) بالمفهوم الشعبي الشائع في اللغة الفرنسية

4) يطلق هذا اللفظ في التوراة على يهوذا الأسخريوطي و إخوته الذين قادوا ثورة ضد الحاكم اليوناني أنتيوكوس IV الذي هدم المعبد في القدس في القرن الثاني قبل الميلاد ومن هؤلاء يحيى وشمعون وإلعازار وجوناتان.

5) هذه ألفاظ من العامية الفرنسية تعبر كلها عن الموت في اصطلاح الشرطة إما بطريقة فجائية مثل المفردة الأولى أو منقولة عن الألمانية مثل المفردة الثالثة klaps.

6) تميز الفرنسية بين حالتين للشيء الواحد. فلفظ rognon يعبر عن الكلية المأكولة وأما لفظ rein فيعبر عن الكلية مأكولة ككلية الحيوان أو غير مأكولة ككلية الإنسان مثلا.

7) وهذا ما نجده عندنا حيث يطلق على المقابر في بعض الجهات لفظ المدينة

8) في الحقيقة لا يمكن إنكار الموت وإنما المقصود تخير ألفاظ لا تحيل على الموت بطريقة مباشرة.

9) مؤسسة قريبة من المقبرة يجتمع فيها أهل الميت قبل انطلاق مراسيم الجنازة.

10) أي أن الدال "جثة" لا يرتبط بمدلوله المعروف وإنما بشيء آخر غير ما يوحي به لفظه.

11) عالم نفس ومحلل نفساني أمريكي من أصل نمساوي توفي سنة 1957 دفعته ماركسيته إلى تثوير التحليل النفسي. ناضل من أجل مراجعة جذرية للأخلاق الجنسية. اختلف مع فرويد في موضوع غريزة الموت والتوجهات السياسية فكان مصيره الطرد من الجمعية الدولية للتحليل النفسي.

12) اخترنا هذه الترجمة ليعلم القارئ أن ما يطلق عليه كلام الميت لا علاقة له باللغة كما هي متعارف عليها بين الأحياء الناطقين، إذ للغة منطق يحكمها ومعان تعبر عنها.

13) فضلنا في هذا السياق ترجمة cadavre بـ"جسد" بدل "جثة" لأن الأول هو الذي يحيى ويموت وأما الثانية فميتة أصلا.

14) أي العالم الغربي المتقدم ذو التقنية العالية.

15) فيلسوف فرنسي من أصل روسي. ولد سنة 1903، رفض الجوهرية و قاومها، اهتمت أعماله و تأملاته الميتافيزيقية والأخلاقية والجمالية بالمسألة الوجودية المتمثلة في المدة واللحظة. من بين مؤلفاته الفلسفية الوعي السيء، التهكم أو الوعي الحسن، الشر، فلسفة أولية، الموت، الصفح الخ.

16) أي علاجات توهم الزائر بأن الميت حي. وقد يذكرنا هذا بعملية تحنيط الأموات عند الفراعنة، فكأنه نوع من تخليد الإنسان.

 

 
 
 

 

 
 

ضيوف الموقـع

 

أحمد الفوحـي

 

دراســات

  عن الترجمة وتحليل الخطـاب

  نظرات في المعجم الموحد لمصطلحات الإعلام

  عن الترجمة والترجمة اللسانيـة بالمغرب

  عن الترجمة مرة أخـرى

 

 

ترجمـــــات

  البنية الدلاليـة / تأليف: أ. ج. گريمـاص

  الإيحاء والإيديولوجيـا (بصدد بارث) / تأليف: كاترين أوريكيوني

  الجثـة واللغـة والصـور / تأليف: لوي فانسان توماس

معجم السيميائيـات متابعـات نقديــة ترجمــــات

دراســــات

 مؤلفــات بطاقة تعــريف الصفحة الرئيسيـة
للاتصـــال  مواقـــع   خزانات الموقـع صحف ومجـلات رسائل وأطروحـات وحدة تحليل الخطاب مجلـة عــلامات

موقع سعيد بنگراد - تاريخ الإنشاء: نونبر 2003